ليل سعدية مفرح.. فتنة الشعر وجرأة الطرح
سعدية مفرح تطرح في ديوانها الأخير «ليل مشغول بالفتنة» أسئلة بطعم الملح في الجروح المفتوحة تواً.. متكئة على الحلم والحيلة لتمضي في الشعر المصاغ من حرف وجمر.. والكتاب هو الاصدار الثامن للشاعرة بعد آخر الحالمين كان_ تغيب فأسرج خيل ظنوني_ كتاب الآثام - مجرد مرآة مستلقية - تواضعت احلامي كثيرا -حداة الغيم والوحشة - قبر بنافذة واحدة. يقع الديوان الصادر عن دار مسعى» الكويتية» في 80 صفحة من القطع المتوسط، أما لوحة الغلاف فللفنان التشكيلي البحريني عبدالله يوسف.. «ليل مشغول بالفتنة» عبارة عن قصيدة واحدة تقع فيما يقرب من أربعين صفحة من القطع المتوسط تسرد فيها الشاعرة سعدية مفرح سيرة حياة امرأة تكابد من أجل تحقيق ذاتها في مجتمع غارق في ذكوريته، وهي تعرج في سرد تلك السيرة على تفاصيل حياة تلك المرأة العاطفية بجرأة غير مباشرة بعيدا عن الالفاظ المكشوفة. وتبدأ الشاعرة ليلها المشغول بالفتنة بعبارات سلسة وموحية تحاول من خلالها استدراج القاريء كي يقع في شرك الفضول:
تجيئين ..
مثل بلورةٍ اصطفاها النورُ في منبعه الأول
لتكونَ سرّه وكينونته
مثل حصاةٍ معتمةٍ
أهْملتْ في طريق الرملِ
وهو ينبثق من تَعَب الجبالِ الهرمةِ
مثل خيمةٍ في أقصى حدودِ الريحِ
تغنّي من أجل أن يعودَ الغائبون
في غياهب الأسئلةِ السافرةِ
مثل غيمةٍ مثقلةٍ
بدموعٍ لا تسقط
الا في حضن جبلٍ شاهقٍ
يتدثّر بصُفرة أعشابِهِ
أواخرَ آذار
أو لعلها مبتدأ الريحِ ومنتهاه
في رحلته المثخنة
بجراحات النسيان الدامية.
وتستمر رحلة الجراحات الدامية على مدى القصيدة الطويلة كلها، حيث تحاول الشاعرة دائما الامساك بخيوط اللعبة الشعرية في يدها مما ساعد على بناء نص ابداعي محكم.
وسعدية مفرح التي تقدم على تجربة قصيدة النثر الطويلة للمرة الاولى، تحتفي بالتفاصيل الصغيرة التي تتكون منها سيرة بطلة السيرة الشعرية، فتراوح ما بين الفرح والشجن والحضور والغياب عبر بوح انساني شفيف وبأدوات فنية مختلفة. فرغم ان الشاعرة قد كتبت قصيدتها الطويلة وفقا لاسلوب قصيدة النثر الا انها تفاجئ متلقيها بين آونة وأخرى بلجوئها الى الاسلوب التفعيلي وبما يشبه الغناء في فضاء النثر :
يا من هواه أعزه وأذلني
وأذله وأعزني
وأقامنى في ظل عاطفة
تؤرخ موتها
بقيامتي
وأماتني
في ليلتين أعادني
وكأنني
لا.. لم أكن
أنا لم أكن
وعلى الرغم من هذه الغنائية العالية التي تلجأ اليها الشاعرة دفعا لملل المتلقي من قصيدة طويلة واحتيالا على التفاصيل الكثيرة التي تمتلئ بها القصيدة، الا انها غنائية تلوح برايات الشجن والحزن الخفي، فهنا عذابات امرأة تعرف كيف تعيش الحياة في أقصى احتمالاتها الممكنة ولكنها لا تستطيع أن تعيشها كما تعرف، ومن هنا تبدو المفارقة ما بين القول والفعل، أو بين التمرد والاستكانة وبين الثورة والهدوء. وهي في كل حالاتها تظل أنثى تضج بحيوية مستثناة من معاني الأسى والوحشة :
تتوهجين
تضيئين ولم تمسك نار
تتراكمين على ذاتك نورا على نور
تستحلبين اللذائذ المخبوءة في بوتقة التكنولوجيا
شبقا سورياليا
يستغرقك الشبق المستتر
حتى النهاية المضيئة شمسا ضاحكة.
ويحفل الكتاب/ القصيدة بمستويات فنية عدة، ففي مقطع مميز فنيا وان كان يبدو مفارقا في فنيته لبقية أجزاء القصيدة تتحدث الشاعرة عن الجسد باعتباره أيقونة للأبدية وسجلا للكائن البشري في كل تجلياته وتحولاته، ويتحول الخطاب في هذا الجزء تحديدا ليكون خطابا عاما مقصده الرجل والمرأة معا وفي المستوى نفسه، وليس المرأة وحدها كما في بقية أجزاء القصيدة . وهنا تتضح قدرة الشاعرة سعدية مفرح على استخدام ادواتها الفنية بحرفية كبيرة، كما تتضح معرفتها الواسعة بأسرار اللغة وتحولاتها :
ينهض جسدكَ من هدوئه اذا
بل ينهض من موته
عبر بيت شعر جميل
أو ربما عبر صورة غائمة الألوان
أو ربما فنجان قهوة صباحية
يملأ عبقه أجواء المكان
ويفيض عنها في أجواء الزمان
أو ربما عبر عصفورة لاهية
في ظل اشارة مرور حمراء
تلقط حبوبا مخبوءة
على هامش الطريق
وتطير فزعة
عندما تتحرك السيارات
أو ربما عبر رسالة هاتفية
تفاجئ استغراقك بين الورق المنتظر
فتعيد ترتيب يومك كله
بما يتوافق والحبور الذي لا معنى له
ولا تاريخ لرذاذه الحلو
.. هكذا نعتقد! وكما بدأت الشاعرة رحلتها مع الليل المشغول بالفتنة وصفا للبدايات ونكوصا اليها، تختتم القصيدة بذلك الضوء الذي يلوح في نهاية النفق وكأنها ترسم خطوة أخيرة وان كانت مستحيلة على طريق القصيدة في حياة امرأة تصلح لأن تكون كل النساء، لأنها لا تشبه واحدة منهن:
تغامرين بالسكينة والسكون
فتهاجمك طيورٌ جارحة
نهشا لبقاياك
تروحين وتجيئين..
تروحين وتجيئين..
تروحين..
وتجيئين..
تروحين..
تموتين
لعلك.. تموتين
مدججة بقلب حي.
عنوان الكتاب: ليل مشغول بالفتنة (شعر)
المؤلفة: سعدية مفرح
دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت، ومسعى الكويت
سنة النشر: 2008
لوحة الغلاف: للفنان البحريني عبدالله يوسف
عدد الصفحات: 80 صفحة من القطع المتوسط