loader

مدار النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

مشروع كلينتون لحشد العرب ضد إيران


جاءت هيلاري كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الى المشرق والخليج العربي في خلال الفترة من 13 حتى 16 فبراير وهي تحمل معها أجندة ليست ذات علاقة بهموم دول المنطقة أساسها أن تركز الدول العربية اهتمامها في المرحلة الراهنة على دعم الولايات المتحدة في الملف النووي الايراني مع عدم ربط هذا الملف بحل الصراع العربي - الاسرائيلي، والتفاهم مع اسرائيل حول استراتيجية عربية-اسرائيلية مشتركة ضد ايران، مع بدء العرب مفاوضات مع اسرائيل دون اشتراط وقف الاستيطان الصهيوني أو تأجيل تلك المفاوضات الى «حين ميسرة، واستعمال الدول العربية نفوذها لدفع الدول الكبرى الصديقة لها، وأهمها الصين، للموافقة على فرض العقوبات على ايران في مجلس الأمن.
(1)
جاءت زيارة كلينتون في سياق تحول عام في الموقف الأميركي من قضايا الشرق الأوسط منذ وصول اوباما الى الحكم في اتجاهات أكثر خطورة من تلك التي اتبعها سلفه جورج بوش. فقد اتبعت الادارة الأميركية الجديدة دعمها للمشروع الاسرائيلي في أربعة اتجاهات. الأول هو مطالبة العرب بالاعتراف باسرائيل «كدولة يهودية في الخطاب الذي ألقاه في جامعة القاهرة وهو الاتجاه الذي يعني عملا ليس فقط اسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وانما أيضا طرد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية من اسرائيل حفاظا على الطابع اليهودي للدولة، وهو توجه عنصري خالص يقوم على مفهوم «التطهير العرقي الذي اتبعته صربيا في البوسنة والهرسك. أما الاتجاه الثاني فهو مطالبة العرب بتعديل فعلي لما سمي مبادرة السلام العربية في اتجاه تقديم مزيد من التنازلات الأحادية لاسرائيل. فقد دعا اوباما العرب الى «اظهار الالتزام بالمسيرة السلمية، أي دعاهم الى خطوات «معلنة ومطبقة فعليا للتعبير لاسرائيل عن الجدية. وترجم ذلك بايدن، نائب الرئيس الأميركي، حين طالب العرب بتقديم «مبادرات ملموسة تجاه انهاء ما تسميه «عزلة اسرائيل ثم مطالبة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية العرب بالتعبير عن استعدادهم «علنا وعملا للعيش مع اسرائيل في سلام. ثم مطالبة كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، الدول العربية بالبدء في معاملة اسرائيل مثل أي بلد عادي، وانهاء المقاطعة، والسماح لطائرات العال الاسرائيلية بالتحليق فوق أراضيها ولقاء زعماء اسرائيل. المطلوب اذن من العرب غض النظر عن الاحتلال والتركيز على البرهنة لاسرائيل على أنه قد تابوا وندموا على ما فعلوا. وفي هذا كله لم تطالب الادارة الأميركية بشيء اللهم الا «وقف الاستيطان أي أن التطبيع العربي الذي جاء في مبادرة السلام العربية ليس مقابل الدولة الفلسطينية عند حدود سنة 1967 وليس مقابل عودة اللاجئين، وانما هو مقابل مجرد «وقف الاستيطان وليس حتى تفكيك المستعمرات. أضافت كلينتون فيما بعد أن حكومة اوباما تفضل «حل الدولتين ولكنها لم تطلب اسرائيل أيضا «باظهار الالتزام بذلك من خلال خطوات ملموسة واكتفت بأن أميركا «تفضل هذا الحل، وهو تعبير دبلوماسي مخادع، اذ كيف تفضل الادارة الأميركية حل الدولتين في الوقت الذي توجد فيه بالفعل دولة اسرائيلية قائمة؟ لا تريد الادارة أن تتحدث عن الدولة الفلسطينية وتتظاهر بأن اسرائيل ليست موجودة بالفعل لاعطاء الشرعية لفكرة أن الضفة الغربية وقطاع غزه أراض «متنازع عليها ومن حق اسرائيل «التي لم تقم بعد أن تحصل على جزء منها. أما الاتجاه الثالث فهو مطالبة العرب بالدخول في تحالف مع اسرائيل لوقف البرنامج النووي الايراني للسير في طريق التسوية. قالت السيدة كلينتون أمام لجنة المخصصات المالية في مجلس الشيوخ في 20 مايو «أعتقد أن التحالف الذي يتشكل بين اسرائيل والعديد من الدول العربية المجاورة لها ضد حصول ايران على أسلحة نووية سيكون فرصة تمكننا على حد سواء من المضي قدما في انخراطنا مع ايران والتزامنا بمواصلة الجهود الدبلوماسية وبناء تحالف متعدد الأطراف. أضافت كلينتون «نعتقد أن هذا التحالف ضد ايران فرصة كبيرة للمساعدة في تحقيق حل الدولتين ونحن لا نربط بينهما أما الاتجاه الرابع فهو اعلان كلينتون في الخطاب ذاته أنها تعتبر حماس منظمة ارهابية تأسيسا على أنها «لا تعترف باسرائيل ولا تلتزم باتفاقات السلام السابقة. الجديد هنا هو الربط بين الارهاب وعدم الاعتراف باسرائيل. فكل من لا يعترف باسرائيل ارهابي لدى الادارة الأميركية الجديدة.
(2)
أثار هذا الطرح الأميركي لقضية التحالف العربي الاسرائيلي ضد ايران حرج الأنظمة العربية وبالذات بعد أن قالت كلينتون أن بعض الدول العربية توافق على فكرة التحالف العربي الاسرائيلي ضد ايران. كما أرسلت الولايات المتحدة اشارات بأنها قد تعقد صفقة كبرى مع ايران تعطي بموجبها الأخيرة دورا قياديا في منطقة الخليج وذلك لدفع الدول العربية الى قبول الطرح الأميركي من خلال تعديل المبادرة والدخول في الحلف الذي أشارت اليه كلينتون لقطع الطريق أمام فكرة التفاهم الايراني - الأميركي. ولكن رغم اشارات عربية أولية محدودة لقبول الطرح الأميركي الا أن الضغوط الأميركية لم تفلح في دفع العرب نحو قبول هذا الطرح، على الأقل بشكل علني، ما دعا الولايات المتحدة الى تعديل موقفها من خلال التحول الى سياسة «الاهمال الحميد للشأن العربي الاسرائيلي، وهي ذاتها السياسة التي اتبعتها ادارة بوش حينما جاءت الى الحكم سنة 2001 وقبل أحداث 11 سبتمبر. وقد تمثل ذلك في عدم اشارة الرئيس اوباما الى الملف العربي الاسرائيلي في خطاب حالة الاتحاد وحتى في خطابه الى منتدى الولايات المتحدة والعالم الاسلامي الذي عقد في الدوحة. كما أن هيلاري كلينتون حينما جاءت لحضور المنتدى ركزت فقط على ايران ودعت العرب الى فك الارتباط بين التطبيع وحل الصراع العربي الاسرائيلي ولكنها ربطت بين وقف ايران برنامجها النووي وتطبيع العلاقات معها.
(3)
من الواضح من التحولات في السياسة الأميركية أن اوباما يجعل من القضية الفلسطينية رهينة لقبول الطرح الأميركي ضد ايران فما لم يتعاون العرب في هذا الملف فلن تحدث تسوية . ولكن التعاون، بفرض حدوثه لا يقدم ضمانة بأنه سيتلوه حل للصراع العربي الاسرائيلي وهو الأمر الذي تثبته خبرات العرب مع الولايات المتحدة منذ مدريد سنة 1991 كما أن التعاون المقترح هو في مواجهة المشروع النووي الايراني، يقدم للعرب فرصا مهمة قد لا تتكرر لطرح الأسلحة النووية الاسرائيلية على بساط البحث الدولي وهو الأمر الذي أشار اليه وزير الخارجية السعودي بأن الانتشار النووي في الشرق الأوسط ناشئ عن التغاضي عن السلاح النووي الاسرائيلي. وبالتالي فانه لا يمكن التركيز على مشروع نووي ايراني لم يثبت خروجه عن نصوص اتفاقية منع الانتشار النووي واهمال دولة تمتلك السلاح النووي بالفعل. كذلك فانه في حالة تحول المشروع الايراني نحو امتلاك السلاح النووي فان ذلك سيعد لصالح التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، تماما كما أدى امتلاك السوفييت للقنبلة النووية سنة 1949 الى نشأة ميزان الرعب الذي أنهى احتمال نشوب حرب عالمية وامتلاك باكستان القنبلة النووية سنة 1998 مفيدا في اقامة توازن مع الهند أدى الى منع نشوب حروب جديدة في جنوبي آسيا. بالعكس فان احتكار اسرائيل للسلاح النووي هو أحد الأسباب الرئيسة للتوحش الاسرائيلي في المنطقة. ولا يعد امتلاك ايران هذا السلاح خطرا بالضرورة لأن اسرائيل والولايات المتحدة لديهما أدوات ردعية قوية لموازنة المقدرة النووية الايرانية في حالة وجودها. ولاشك في وجود قضايا للخلاف العربي الايراني ولكن في رسم الاستراتيجيات ينبغي التمييز بين الخلاف الأهم والخلاف الأقل أهمية، والتركيز على الخلال الأهم حتى لا تتشابك الخطوط. ولا ننسى أن سعي ايران الى امتلاك التكنولوجيا النووية هو الذي أعطى العديد من الدول العربية شرعية في الحديث عن تطوير برامج نووية خاصة بها ولو أن تلك البرامج، في تقديري، ستكرس تبعيتها للغرب أكثر مما تمكنها من امتلاك التكنولوجيا النووية.
ولا يحتاج المرء الى كثير من التأمل ليعرف أننا ازاء تكرار للسيناريوهات السابقة التي أتقنها الغرب. فمنذ اعلان أوسلو سنة 1993 وحتى نهاية هذا المسار سنة 2001 لم يتحقق تقدم يذكر في التسوية بل واصلت اسرائيل بضرواة أكبر عملية الاستعمار الاستيطاني وتهويد القدس وقتل الفلسطينيين. ومنذ وصول ادارة بوش الى الحكم ظلت تتحدث دون كلل عن خريطة الطريق والرباعية الدولية وعن انشاء دولة فلسطينية بحلول سنة 2005، ثم بحلول سنة 2008 وركزت على انشاء سلطة فلسطينية تتولى قمع المقاومة بالنيابة عن اسرائيل، وانتهى الأمر باجتماع الرباعية الدولية في شرم الشيخ في نوفمبر الماضي، والذي كان بمثابة سرادق عزاء لمشروع الدولة الفلسطينية. فهل يتذكر العرب ما دار في هذا الاجتماع؟ دعا بيان الرباعية الدولية الفلسطينيين والاسرائيليين الى «مواصلة عملية السلام في الاطار المحدد في أنابوليس، ودعا اسرائيل الى «تجميد الاستيطان بل وخرجت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، بعد الاجتماع لتقول بكل ثقة: «الآن لدينا استراتيجية دولية للتوصل الى حل قائم على دولتين. وأضافت أن تلك الاستراتيجية نتركها «وديعة للادارة الأميركية القادمة، ودعا البيان الى عقد مؤتمر للرباعية في موسكو في مارس سنة 2009 لمواصلة البحث. فما الذي حدث لتلك الوعود التي قدمت في شرم الشيخ في نوفمبر الماضي؟ لا شيء على الاطلاق. ونحن الآن بصدد اعادة للسيناريو بشكل جديد تحقيقا للهدف الاسرائيلي الأميركي ازاء ايران ثم يتوقف كل شيء انتظار للعبة القادمة، تماما كما استثمر بوش ما سمي «خريطة الطريق و«الرباعية الدولية لتمرير مشروعاته وبعدها نكص على كل وعوده وترك الساحة لغيره ليلعب لعبة جديدة.
(4)
اعتقد أن الطريق الصحيح أمام الادارة الأميركية هو وضع الأولويات بشكل منطقي أي بشكل يتسق ليس مع أهمية ارساء السلام في منطقة الخليج العربي والتعامل مع هموم دول المنطقة ووضع قواعد واحدة للتعامل الاقليمي يمكن أن تعطي السياسة الأميركية مصداقية. فلا يمكن للسيدة كلينتون أن تقول للعرب أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تمارس ضغطا على اسرائيل لوقف الاستيطان في الوقت الذي تسعى فيه الى فرض عقوبات صارمة على ايران يحتشد العرب لدعمها في الوقت الذي تخطرهم فيه بأن قضاياهم لا تمثل أولوية. كذلك، فان على الادارة الأميركية أنه في حالة طرحت الملف النووي الاسرائيلي بجدية لاعلان الشرق الأوسط، بما فيه منطقة الخليج العربي، منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية، طبقا لنص المادة 14 من قرار مجلس الأمن الصادر في أبريل سنة 1991 فان الجميع سيحتشد معها في كل الملفات النووية في المنطقة. وأعتقد أن هناك مؤشرات ايجابية تدل على وجود ادراك رسمي عربي لعدم جدوى المشروع الأميركي تمثلت في عدم الاستجابة لمشروع التحالف العربي الاسرائيلي ضد ايران وتصريحات رسمية تشير الى أهمية الربط بين كل الملفات النووية في المنطقة وأخيرا تصريح وزير الخارجية السعودي في 16 فبراير الذي تحفظ فيه على الطلب الأميركي باقناع الصين بدعم المشروع الأميركي في مجلس الأمن لفرض عقوبات جديدة ضد ايران، حيث قال «الصين ليست في حاجة الى نصائح السعوديين لتحديد موقفها، وكلما سعى العرب الى استخدام جميع الأوراق الاستراتيجية المتاحة زادت فرصهم في تحقيق تسويات متوازنة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد