loader

إيمانيات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

جذور ثورة كربلاء


إنّ الأحداث التاريخية مهما كانت عظيمة، فهي في الغالب تنتهي بغياب أصحابها عن مسرح الحياة، ويصبح حديثها حديث تاريخ، لكن هناك من المحطَّات والأحداث في التاريخ، ما يظلّ مناراتٍ شامخةً لا يخبو ضوؤها، ولا تشيخ أبداً مع الزمن، بل على العكس، هي في تجدّدٍ مستمرّ.. وأبرز هذه المحطات التاريخية هي ثورة كربلاء، تلك الثورة، ورغم بعدها بالزمن عنّا، فنارها لا تخمد، بل تتوقّد أكثر كلّما استُحضرت سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكلّما حطّت المناسبة برحالها كذكرى وعبرة بين يدي مريديها وعاشقيها. قد نبالغ خلال إحياء الذكرى في توكيد الجانب التاريخي، وسرد الأحداث، وهذا كلّه جيِّد ومهمّ، لكنّ الأهمّ أن نجلب التاريخ إلى عصرنا، ونحاكم وقائع العصر وفق معايير كربلاء، ومن منظار رؤية الإمام الحسين (عليه السلام) لقضايا الحقّ والعدل والظلم، والإيثار والعطاء.. فعند الإيثار على النفس تتبيّن جواهر الكرماء ومعادن الناس وحقائق النفوس، وهذا ما تجلّى بأبهى صوره في كربلاء. ويمكن استخلاص بعض مشاهد الإيثار من خلال إيثار الأصحاب للحسين (عليه السلام)، وذلك بتقدّمهم للشهادة بين يديه. هذا الإيثار الذي كان خلاصة عشقهم للحسين (عليه السلام) والذي تمثّل بعدم قدرتهم على رؤية الإمام الحسين (عليه السلام) شهيداً قبلهم. أمّا إيثار العباس (عليه السلام)، فكان من أروع مشاهد الإيثار وهو يرمي الماء من يديه مؤثراً عطش الإمام الحسين (عليه السلام) على عطشه، فحمل إليه الماء قبل أن يشربه.
انطلاقة الإمام الحسين (عليه السلام) بدأت بعد أن بلغت الخطورة على الإسلام في ذلك الحين حدّاً لم يعد بالإمكان السكوت عليه، وإلّا فإنّ كلّ ما عمل من أجله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان سيترك لمصيرٍ مجهولٍ. ومن الخوف الكبير على مصير الإسلام، انطلق الإمام الحسين (عليه السلام) في قراره رفض البيعة مهما كلَّف الأمر، لأنّ المسألة كانت تدور بين أن يعطي البيعة فيدفع الإسلام الثمن من وجوده واستمراره، وبين أن يرفض ذلك، فيحمي دين جدّه في مستقبله ومصيره، وإن كان ذلك يعني أن يضحّي بنفسه وأهل بيته، لأنّ القضية كانت أهمّ من الأفراد، وإن كانوا بمستوى الإمام الحسين (عليه السلام) وأولاده.
وقد اكتسبت الثورة أهمّيتها الكبرى وفرادتها أيضاً، لأنّ قائدها لم يكن شخصاً عادياً، بل هو ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمؤتمن على الخطِّ الرسالي، وكانت ثورته بأهمّيتها تعادل الإسلام ذاته، لأنّها هدفت إلى حماية المسيرة الإسلامية من تفريغها من محتواها والأخذ بها نحو الهاوية. ومن هنا، شكَّلت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) منعطفاً مهمّاً لمستقبل الإسلام والمسلمين، إذ حمت الخطَّ، وأسّست لمشروعية الثورة على كلِّ ظلمٍ وفسادٍ وانحرافٍ عن الدِّين، وخطَّت نهج المواجهة للمستكبرين والطُّغاة في كلِّ حين، وكانت المأساة الكبيرة التي تجسّدت بأعمال القتل بالثائرين، سبيلاً لابدّ منه للخروج من النفق المظلم نحو آفاق الحرّية الرحبة، وانطلاق الأجيال القادمة في خطِّ التضحيات، دفاعاً عن العزّة والكرامة والحرّية والمقدَّسات.
انطلاقاً من ذلك، نفهم أهمّية عاشوراء وفرادتها عن كلِّ المآسي التي تلتها، وسبب التركيز عليها، لأنّها الأساس والمنطلق والرمز، ولأنّ إحياءها يعني إحياءً لكلِّ قيم الإسلام التي حمتها الثورة وقامت من أجلها، ولأنّ استحضارها يساعد دوماً على تقديم نموذجٍ بطولي عامر بالتضحيات، يضخُّ في جسد المجتمعات طّاقة ثورية، تمنعها من الاستكانة إلى ظلمٍ أو فساد، أو إلى عدوٍّ يريد النيل منها وإبعادها عن إيمانها وثوابتها ومقدَّساتها، أو استعبادها وإذلالها تحت أيِّ اعتبار، حتى لو كان الثمن الشهادة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت