loader

إيمانيات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

المنابر الحسينية وصياغة الوعي الاجتماعي


يعتبر المنبر الحسيني وسيلة مهمّة في تحقيق الاتصال بالجماهير. إنّ استقطاب المنبر الحسيني لشرائح مختلفة من المجتمعات التي يعقد فيها، وذلك الحضور الجماهيري الكبير الذي يحظى به، إضافة إلى الدور البارز لخطيب المنبر الحسيني وتأثيره العميق في نفوس المستمعين، كلّ هذه الأمور تهيّئ للمنبر الحسيني دوراً اجتماعياً مهمّاً، فبالإضافة إلى ما يطرحه خطباء المنبر الحسيني من موضوعات اجتماعية وأخلاقية عامّة تُسهمُ في إشاعة روح المحبّة والتعاون وحبّ الخير، فإنّ في حضور هذه المجالس تأليفاً للقلوب بالتزاور والاجتماع والتحادث والتعاون والتعارف، إضافة إلى ما فيها من البرّ والمواساة وإعانة الفقراء والضعفاء بما ينفق فيها من المال والزاد. نعم، فكم أُسعف في المجالس الحسينية من فقير وكم بنُيت بفضلها مساجد ومعاهد ومآتم. فمن التقاليد الشائعة في أجواء المنابر الحسينية، أنّ يقصد ذوو المشاريع الخيرية خطباء المنبر الحسيني، كي يحثّوا الناس على التبرّع والمساهمة في تلك المشاريع، حيث يتصدّى الخطيب لذلك إمّا في بداية صعوده المنبر أو أثناء المحاضرة في استثمار الحضور الكبير للناس وما يعيشونه من أجواء روحية تساعدهم على البذل والإنفاق.
يعتبر المنبر الحسيني من أهم مصادر نشر الوعي وذلك لسهولة تغلغل المجتمع معه ومقاربته من الواقع الاجتماعي ولذلك يخرج رواد المنبر بثقافة ليست بالقليلة من تعدّد الأُطروحات وتنوّع الأفكار وتلاقحها بحيث يملك المتابع القدرة على مناقشة الفكرة مُظهراً كلّ مميزاتها وعيوبها. ومن أبرز غايات المنبر الحسيني الإصلاح الاجتماعي وذلك تجارياً مع نداء الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي»، ومن ذلك الحين أخذ المنبر على عاتقه الإصلاح الاجتماعي والتصدي لكلّ ما يعيب المجتمع ويشينه، كما وقد نجح المنبر على مر العصور بتأدية هذا الدور حتى صار هذا الدور أحد أركانه وأُسسه. تستجد الأُمور على الواقع الاجتماعي ووجود المنبر الحسيني يحفظ المجتمع من الانزلاق وراء المستجدات دون وعي أو إدراك حيث إنّه يتعامل معها بعد معرفتها ومعرفة رأي الشرع فيها. كذلك يحافظ المنبر على الاتزان السلوكي عند الإنسان فيحفظه من الانحراف والشذوذ ويوجّهه نحو السلوك السوي والتوجه الطبيعي والفطري. كما أنّ من أبرز الصور التي يعكسها المنبر الحسيني في المجالس، تذويب كلّ الفوارق الاجتماعية بحيث يعيش المجتمع كلحمة واحدة وذات تفاعل موحَّد ومشترك. ومع هذا الإيقاع الخاص بالمنبر لا يمنع من التفكير في تطويره وتفعيله بل وإعادة صياغته من جديد حتى يتناسب مع متطلبات العصر، فيحل جميع إشكاليته ويؤدِّي رسالته كاملة. وتحقيق آفاق العودة إلى القرآن الكريم ومحاولات الإيحاء إلى شباب وناشئة المجتمع الإسلامي على التدبّر في القرآن بحسب نص الآية الكريمة: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرءَانِ) (المزمل/ 20). وهكذا يأتي فن الاستماع والانصات الخاص للتوصيات القرآنية الكريمة كمهمّة عبادية تدريبية أشارت إليها الآيات القرآنية من الأهمّية الفائقة وفقاً لمدلول الآية التي تقول: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) (الأعراف/ 204). وتجسيد الأسوة والقدوة وفقاً لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب/ 21). لتمتد حركة النشر الحسيني لجوانب التجسيد العملي للتصوّر القرآني وهو الآخر من الأُمور الداخلة في مكوّنات الدور الحسيني الأساس بما يمثّله من ثقل متميز وقدوة حضارية في التغيير الاجتماعي التاريخي خصوصاً وأنّ القيم التي تتجسّد حسينياً من خلال المنبر الحسيني كحركة وعي ونهوض غير قابلة للحياد بين الحقّ والباطل فهي متحيزة ومنشدة نحو العدل ومتجسّدة بالعدالة كقدوة متحركة. الهدف من الرسالة الحسينية هوتثيت القلوب على العدل والحقّ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان/ 32)، (وَقُرآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء/ 106).
التحفيز المعنوي والعلمي والتفنن في أساليب الترغيب كان أيضاً هو شعار المنبر الحسيني.. فالمدرسة المنبرية الحسينية رعت الوعي القرآني ونشرته في الآفاق عبر التدريس والتثقيف والبدء بالافتتاح بالآيات القرآنية الكريمة محور الحديث المنبري التفسيري الذي يواكب قضايا المجتمع. وبيان الأساس العلمي واعتماده كمرتكز: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ) (الحجّ/ 3)، (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء/ 36). وكان التشجيع على الإنفاق من أهم الأُمور التي تساعد على نهضة المجتمع وتمهيد انطلاقة التكافل الاجتماعي والاقتصادي، فالمنبر الحسيني وإن كانت رسالته تربوية خالصة؛ لكن من الجوانب التربوية في ترشيد حركة المال وتوجهها نحو اتجاه يخدم المجتمع ككلّ. إذن المنبر الحسيني هو للإنسان لتعهده وحمايته وتحصينه وتذكيره بأيّام الله ومن تجسيد سائر المعاني والقيم الإنسانية. قال تعالى: (وَأَن ليْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى) (النجم/ 39-41).


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت