جريدة النهار :: طباعة :: لغز البنت التي انتحرت .. حزناً على وفاة العقاد!
العدد 732 - 16/09/2009
تاريخ الطباعة: 8/20/2017

لغز البنت التي انتحرت .. حزناً على وفاة العقاد!
محمود صلاح
كثيراً ما يوحشني أستاذي وصديقي أنيس منصور تعودت أن تكون بيننا مكالمات تلفونية بين الحين والحين كلما افتقدته وشعرت بالحنين إلى جلساته الجميلة وأحاديث ذكرياته الطويلة.

ولعل أنيس منصور هو آخر عمالقة «المتحدثين» في مصر إن حديثه يجعل المستمع إليه يطير في سماوات الفكر والأدب، وكثيراً ما كانت لنا جلسات طويلة حول أحاديث ذكرياته لكني كنت دائماً ما أحاول أن أجعل أنيس منصور يحدثني عن عملاق الأدب عباس محمود العقاد الذي كان أنيس منصور أقرب حواريه يشهد على ذلك كتابه الرائع «في صالون العقاد كانت لنا أيام» والذي حكى فيه الكثير والكثير عن حياة وفكر وأسرار العقاد ولعل الأجيال الحالية لا تعلم الكثير عن العقاد سوى من مؤلفاته العديدة وأشهرها «العبقريات»، لكن حياة العقاد ستظل دائماً مادة غزيرة عميقة ومثيرة أيضاً للباحثين.

ومن أكثر الأسرار إثارة قصة خبر انتحار فتاة يوم موت العقاد واسمها كان بدرية رشاد المراسي وقد خرجت الصحف في اليوم التالي لوفاة العقاد وهي تحمل خبر انتحار بدرية الذي أوقع الناس أيامها في حيرة ! واجتهد الصحافيون في البحث عن حقيقة الخبر ومن هي تلك الفتاة بل وتساءل بعضهم هل كان العقاد متزوجاً زواجاً عرفياً وهل أنجب ابنة غير شرعية هي تلك الفتاة التي قد تكون انتحرت حزناً على وفاته.

وأيامها كتب الصحافي الشهير محمد نصر مشيرا إلى أن بعض الصحف المصرية نشرت خبراً يقول ان السيدة فوزية مصطفى القدسي تقدمت ببلاغ إلى نيابة مصر الجديدة تطلب فيه الحجز على تركة العقاد وفاء لدين قدره ألفان وخمسمئة وأربعون جنيها ومكتبته وبيته في أسوان بحجة أنه تزوج من أمها بعقد عرفي منذ خمسين عاماً وأن الفتاة التي انتحرت حزناً عليه يوم وفاته هي ابنته وأنها كانت تقيم في منزله في مصر الجديدة في فترات من العام ثم تصحبه إلى المصيف في الإسكندرية. وظل الصحافي محمد نصر ثلاثة شهور بعد وفاة العقاد يبحث وراء هذا السر وعن حقيقة انتحار الفتاة بدرية رشاد المراسي وعن حقيقة زواج العقاد وسأل اقارب العقاد وأقرب تلاميذه إلى قلبه والذين عاصروه .

وفى النهاية تمكن الصحافي الشاطر من الالتقاء بأهل الفتاة المنتحرة وتوصل إلى حقائق عدة وراء هذا اللغز أولها أن العقاد تبنى التلميذة بدرية فعلاً وهي في الشهر الثامن من عمرها وأنها كانت تناديه باسم «بابا» وكان يسعده أن يسمع هذا النداء منها.

واكتشف الصحافي المجتهد أن العقاد لم يكن يبخل على هذه الفتاة بأي طلب مهما غلا ثمنه وأن علاقة صداقة وطيدة كانت تربط العقاد بأسرة الفتاة منذ زمن.

لكن أغرب ما في القصة أن أحداً من أسرة العقاد لم يكن يعرف هذا السر ولا يجرؤ على سؤاله عمن تكون بدرية أو «فريال» كما كان يحب أن يناديها ولماذا تتردد عليه وتخرج حاملة الهدايا وعلب الأطعمة الجافة.

لكن محمد طاهر الجبلاوي والذي كان عضواً في لجنة الشعر في مجلس الآداب والفنون والذي رافق العقاد أكثر من أربعين سنة وأصبح من أحفظ الناس على أسراره وقام بتأليف كتاب «في صحبة العقاد» كشف المزيد من الأسرار حول اللغز.

وقال الجبلاوي: أنا عشت مع العقاد أربعين عاماً كنت أعرف كل أسراره وحسب معلوماتي الشخصية وما كان يصارحني به أقول انه كان يريد أن يرد الجميل عندما تبنى بدرية المراسي وأن هذا سر لا يعرفه كثيرون حتى ولا اخوته وأنا أتذكر أن العقاد سنة 1935 كان يمر بضائقة مالية بعد أن خرج الوفد من حكم البلاد وتوالت حكومات الأقلية مثل حكومة محمد محمود التي كان العقاد يهاجمها. وعندما أعلن محمد محمود أنه سيحكم البلاد بيد من حديد كتب العقاد مقالات عدة تحت عنوان «يد من حديد في ذراع من جريد». وأثارت هذه المقالات الحكومة لكن العقاد استمر في الهجوم حتى على الحكومات التي جاءت بعد ذلك فكانت هذه الحكومات تغلق كل صحيفة يكتب فيها! وعندما أعلن حزب الوفد فصل العقاد وقطع مرتبه وحرضت الحكومة الناشرين على ألا ينشروا له أي كتاب حتى أن كتابه «سعد زغلول» عندما انتهى من تأليفه لم يجد ناشراً يقبل وهنا وأمام الظرف الدقيق الذي كان يمر به عرضت السيدة الفاضلة أم بدرية على العقاد مساعدته ورهنت مصاغها بمبلغ 400 جنيه أعطتهم للعقاد.

وبعد عام وكان العقاد قد طبع كتابه «سعد زغلول» على نفقته وأعلن أنه سيبيعه بنظام الكوبونات وعندما سمع طلعت حرب الاقتصادي الأول في مصر وقتها بذلك أمر بشراء 5 آلاف نسخة من الكتاب وفتح له اعتماداً بمبلغ 500 جنيه لم يصرف منها العقاد في حياته إلا مرتين وقام العقاد برد المبلغ للسيدة الفاضلة، بل واشترى لها سوارين من الذهب رداً للجميل وتوطدت العلاقة أكثر من أسرة المقدسي وبعد فترة من الزمن ووفاة الزوجة حضر لزيارتهم وعندما اكتشف أن الزمن قد جار عليهم وأنهم في ضائقة وقد كثر أولادهم.

- قال لرب الأسرة محمد رشاد المراسي : يا سيد رشاد.. أي خدمة تحتاجها اعتبر بيتي بيتك وطفلتك الصغيرة التي تركتها المرحومة زوجتك اعتبر كأنها ابنتي. وأنا سأنفق عليها وأتكفل بمصاريفها وتعليمها هكذا تبنى العقاد الطفلة الصغيرة بدرية وكبرت بدرية وأصبحت في الصف الثالث الثانوي وكانت تتردد على بيت العقاد ويلبي لها كل طلباتها ويدفع مصاريفها ويرسل لها الهدايا من اسوان واسكندرية عندما يكون بعيداً عن القاهرة وكان يأخذها معه أحياناً إلى المصيف.

بل أنه كان يراجع معها دروسها ويشرحها لها وإذا مرضت يعرضها على الأطباء وقد روت شقيقتها فوزية قصة موتها المثيرة.

- فقالت : كنت في مستشفى دار الشفاء مع طفلي المريض عندما حدثتني بدرية بالتلفون وابلغتني بخبر وفاة الأستاذ العقاد فأسرعت وأخذتها معي إلى بيت العقاد وعندما دخلنا ووجدناه قد فارق الحياة فأخذت بدرية تصرخ وتبكي في حال هيستيرية. وكان في حجرته تلميذ خليفة التونسي وعندما سمع أحمد شقيق المرحوم العقاد بدرية وهي تصرخ:

- قائلة: بابا.. بابا! هددها بالطرد وابلاغ البوليس عندما وجدها تقول هذا الكلام وعندما عدنا إلى البيت كانت بدرية لاتزال في حالة صدمة. كانت تحب العقاد مثل والدها تماماً بل كان أكثر انسان تحبه في الدنيا وتركتها لأعود إلى المستشفى لأدفع الحساب ثم أعود اليها من جديد لكنها انتهزت فرصة غيابي وابتلعت أقراص عدة من دواء للمعدة وعندما شعرت بالتعب أبلغتنى جارة كنت قد أوصيتها بمتابعتها.

- وقالت لى: البنت تعبانة وفي الحال نقلناها إلى المستشفى لاجراء عملية غسيل معدة لها وحاول الأطباء اسعافها فلم يفلحوا.

وفارقت روحها الحياة!


جريدة النهار الكويتيّة