loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الزعفران ...


نحن لا ننسى الزعفران، فهو في كل بيت عندنا، له بيننا استعمالات كثيرة، وهو معنا منذ أمد طويل بحيث صرنا لا نستغني عنه، منا من لا يستسيغ شرب الشاي إلا ممزوجاً به، ومنا من يضعه على القهوة، ومنا من يضيفه إلى بعض الحلويات فيكسبها طعماً لذيذاً ورائحة حلوة. ويكثر الاهتمام به في شهر رمضان حيث يكثر صنع الحلوى مثل المحلبية وصب القفشة وغيرهما، ولا طعم لهما إلا بإضافة الزعفران، فهو سر نكهتهما، وسبب إقبالنا عليهما.
والزعفران نبات زهري لا يستنبت في الكويت، ولكنه يأتي من الخارج، وأول ما أتانا هو الزعفران الهندي ثم جاء الإيراني، ثم الإسباني، وهذا الأخير، صار يردنا بكميات كبيرة لا تنقطع. ولكننا نلاحظ في أيامنا هذه وصول الزعفران التركي وهو نوع جيد له الطعم المألوف نفسه، والصبغة الصفراء المائلة إلى الاحمرار.
ولأهمية الزعفران عندنا، ولانتشاره في منطقتنا وقدم وجوده بها فإننا وجدنا أن الكتابة عنه في «الأزمنة والأمكنة» أمر مهم، وسوف نتابع كل ما ورد عنه فنعرف أهمية ما نقوم به هنا.
وينبغي أن نذكر أن هذا ليس أول ما يكتب عن نبتة الزعفران، فقد ورد عن ذلك الكثير من الكتابات ولكنها -فيما يبدو- لم تكن مستقلة في كتاب، ولكنها متناثرة في كتب الطب، والكتب التي تتحدث عن الأعشاب ومنافعها الصحية، والانترنت الذي أورد له صوراً ذات عدد قربت لنا مواقع زراعته، وكيفية نقله من الأرض إلى منافذ البيع.
وهنا نحن نبدأ بذلك:
الزعفران نبات عطري مشهور في الكويت، وفي كافة منطقة الجزيرة العربية، وهو نوع من الزهور ذات اللون الأحمر، والطعم اللذيذ، والرائحة الطيبة.
اعتدنا في الكويت على هذا النوع من النبات فهو يستعمل بإضافته إلى كثير من المأكولات فيكسبها نكهة لذيذة ورائحة عطرة، ويضاف على الحلويات وعلى الشاي. وتصنع منه على الأخص القهوة الحلوة وهي قهوة تصنع وتدار في الاحتفالات والمناسبات والأفراح وهي وإن كان اسمها كذلك فإنها لا تحتوي على البن الذي تحضر منه القهوة، بل شيء من الزعفران يضاف إليه الهيل والسكر، يحبه الناس وينتشر في كل مكان، واذكر مما كان ينتشر فيه من الأمكنة المساجد في أوقات صلاة القيام. حيث يتبرع عدد من الناس بالمواد التي تصنع منها القهوة الحلوة، ويتبرع عدد آخر بصنعها، ثم تقديمها للمصلين.
وإذا كانت القهوة المرة تقدم في الدلال الصفراء التي جرت العادة على استعمالها في تقديم شراب القهوة، فإن القهوة الحلوة، تقدم في أباريق كبيرة ذات ألوان زاهية، أما الفنجان الذي يشرب به فيكون فنجان القهوة نفسه ولكنه يقدم للشارب بعد أن يمتلئ بالقهوة الحلوة بخلاف استعماله في القهوة المرة حيث تكون كميتها فيه قليلة.
وللزعفران استعمال آخر قد لا يذكره كثير من الناس في هذا الوقت، وذلك لأنه يستعمل في العلاج الروحي للمرضى. فقد تخصص عدد من رجال الدين بهذا الأمر عن طريق أن يأتي أهل المريض إلى الرجل الذي اعتاد أن يقرأ على المريض آيات من القرآن الكريم (الرقية)، فيحضرون له بعض الأطباق المصنوعة من البورسلين وكمية من الزعفران، ثم يطلبون منه أن يكتب على هذه الأطباق آيات من القرآن الكريم وبعض الأدعية، فإذا جف الزعفران الذي لابد وأن يكون قد مزج بالماء، سقوه المريض على فترات، بعد أن يقوموا بمحو الكتابة بماء الورد ولذا سمي هذا العمل المحو.
***
ولقد ورد ذكر الزعفران في الشعر القديم، وكان أهم ما يشار إليه عند ذكره هو منابته ومنظره وهو يملأ الأرض، ويبعث أطيب الروائح، ويكسب المكان جمالاً وبهاء، ذكره الحسين بن علي الطغرائي في أبيات له وردت في ديوانه الصادر سنة 1972م وكانت وفاة الشاعر في سنة 515 للهجرة (1121م).
يقول في صفة حديقة للزعفران:
وحديقة للزعفران تأرجت
وتبرجت في نسج وشي مونق
شكت الحيال فالقحتها نطفة
من صوب غادية الغمام الفُرَّقِ
حتى إذا ما حان وقت ولادها
فتق الصبا منها الذي لم يفتق
عذراء حبلى قمطت أولادها
صُفرا وحُمرا في الحرير الأزرق
وكأنما اقتتلوا فاصْفَرَّ منهم خائف
بحذاء فانٍ في الدماء مُغَرَّقِ
وبعد قراءتنا لهذه الأبيات فإننا نستطيع أن نلحظ الشاعر، وهو يعمل فكره، ويستحث خياله لكي يقوم بتصوير نبتة الزعفران فيقول إنها كانت تشكو بسبب تأخرها في الحمل، وحملها لا يكون إلا بأزهارها، وسمعت غادية من السحب شكواها فنقلت إليها اللقاح، فتحقق أملها في الحمل، وعندما حان وقت ظهور الأزهار (ولادها) فتق نسيم الصبا ما لم يتفتق من مجمل الأكمام الحاملة للزهر، فصار كل نتاجه ظاهراً جميلاً متعدد الألوان. وكأنها وهي العذراء التي لم تتزوج بعد قد جاءت بأولاد مختلفي الألوان فيهم الأصفر والأحمر والأزرق. وهذه هي ألوان زهر نبتة الزعفران، التي يصفها الشاعر، ونلاحظ أن الهواء كان يلعب بأولئك (الأولاد) فيميل بعضهم على بعض، وكأنهم في قتال، وكأن ذا اللون الأصفر قد اصفر لشدة خوفه، وذا اللون الأحمر قد لحق به هذا اللون لما سال منه من الدماء.
وهذا الوصف قد يكون دقيقاً للحديقة التي رأها الطغرائي، ولكن الزعفران المستعمل في الماضي وفي الحاضر ليس كما ورد في الشعر، فإن نوعاً معيناً منه هو الذي يقتطف من بين كافة تلك الأزهار بأنواعها، وهو النافع فيما يجري استعماله لدينا ولدى غيرنا قديماً وحديثاً، وهو -أيضاً- ما يباع في الأسواق.
ومن الأشعار التي ورد فيها ذكر الزعفران ما ورد عن صفي الدين الحِلِّي، المتوفى سنة 1354م.
فلقد قال واصفا الربيع:
خلع الربيع على غصون البان
حللا فواضلها على الكثبان
ونمت فروع الدوح حتى صافحت
منها الكثيب ذوائب الأغصان
وتتوجت هام الغصون وضرجت
هام الرياض شقائق النعمان
والزعفران بدت مظاهر حسنه
كم قد يشوق بمنظر فتان
خلق الإله لنا بهاء جماله
فأتى لنا متباين الألوان
ولقد كان الشاعر سعيدا وهو يمر بالرياض أثناء الربيع، ويشاهد ما فيها من حسن الطبيعة فختم أبياته بما يلي:
طفح السرور عليَّ حتى أنه
من عظم ما قد سرني أبكاني
فاصرف همومك بالربيع وفصله
إن الربيع هو الشباب الثاني
فاعجب لهذه النظرة إلى جمال الكون، وتأثر الشاعر بما رآه من حسن الربيع حتى كاد ينقلب سروره إلى بكاء، وعلى الرغم من هذه الحالة التي أحسَّ بها أخيرا فهو ينصح باغتنام فرصة الربيع لصرف الهموم، وهو يرى أن الربيع هو شباب ثان.
تحدث داود الانطاكي عن الزعفران كثيرا في كتابه المشهور:
«تذكرة أولي الألباب» وذكر عنه اشياء كثيرة، منها أنه بَيَّنَ اسماءه، ومواطن زراعته وطرق استعماله، وفوائده الصحية، وذكر -ايضا- المحاذير التي لابد من ذكرها عند الإفراط في استعماله فهو مثل كل دواء له مقادير محددة، وحتى في حالة استعماله مع المأكولات، فإن ما يضاف إليها فيه مقدار صغير جدا بما يكفي اكساب اللون والرائحة.
وتواترت الكتابات عن الزعفران في مجالات أخرى فقيلت عنه أشياء كثيرة نذكر منها ما يلي:
- يزرع الزعفران حاليا في بلدان كثيرة منها ما لم يكن يزرع فيها من قبل مثل بورما والصين.
- الزعفران نبات عزيز، ذلك لأننا إذا نظرنا إلى نتاج زراعته، وجدنا أن الكيلو غرام الواحد منه لا يمكن أن نحصل عليه زراعة إلا بعشرين ومائة الف زهرة من زهوره، وهذا هو سبب ارتفاع سعره في كل مكان.
- هذا النوع من النَّبَات موغل في القدم لدرجة أن المؤرخين والباحثين ذكروا أنه كان معروفا لدى قدماء المصريين، وأن ذكره قد جاء في إحدى مخطوطات البردي المكتوبة بلغتهم.
- ونلتفت إلى ناحية الدول العربية، فنرى المملكة المغربية تهتم اهتماما كبيرا بزراعة الزعفران، بل هي متفوقة في ذلك إذ إن لها نوعا خاصا بها، وبها منطقة مخصصة لزراعته يفد إليها السياح من المغاربة وغيرهم، وفي هذه المنطقة يقام مهرجان يتم الاحتفال فيه بهذه النبتة التي يحبها الجميع.
اسم البلدة المغربية التي يزرع الزعفران في نواحيها: «تالوين» وقد أطلق على النوع الذي تنتجه اسم: «الذهب الأحمر»، لأنه كذلك. وهو الذي وصف بأنه من أجود الأنواع، وهو طري زكيُّ الرائحة غليظ الشعر. وهو -ايضا- مشهور عالميا لما يتميز به من ميزات أشرنا هنا إلى بعضها. والزعفران مصدر من مصادر عيش منطقة تالوين، إضافة إلى بعض الزراعات التي هي أقل منه اقتصاديا.
هذا ويتزايد انتاج الزعفران سنويا، فقد رأت السلطات المغربية المختصة مدى فوائده المادية للبلاد وللفلاحين الذين يقومون بزراعته وبفضل هذا الاهتمام زادت المساحات المزروعة بالزعفران، حتى وصل انتاج المنطقة التي تشمل تالوين وما حولها إلى حوالي ستة أطنان وإذا نظرنا الى القيمة المالية لهذه الكمية، وجدناها كمية مذهلة، ولا نستغرب أن تزداد المساحة المزروعة مستقبلا بناء على النتائج الباهرة لمردود زراعة وتنامي المصالح التي استدركت منه.
ولعل من ميزات زراعة الزعفران أنه يكفل للنساء عملا يجنين بسببه أجورا جيدة. فهن يقمن بدور مهم في هذا العمل منذ بداية زراعته إلى جنيه. وقد اكتسبن خبرة كبيرة في هذا المجال، وصرن سببا من أسباب ازدهار زراعة هذا المنتج في وطنهن.
وفي المغرب -بعامة- مناسبات يكثر فيها استهلاك الزعفران، وبخاصة في شهر يوليو حيث تكثر الاحتفالات التي تقدم فيها الوجبات التي يدخل الزعفران في صنعها، وقد وصفت طريقة جني الزعفران كما يلي:
يتم جنيه في المدة من الخامس عشر من شهر اكتوبر إلى الخامس عشر من شهر نوفمبر من كل سنة، وتجنى الزهور قبل تفتحها في الصباح الباكر، حتى لا تتأثر بحرارة الجو فتذبل إذا تفتحت الزهور بعد شروق الشمس وبدء حرارتها فإن النوع المنتج يكون من الدرجة الثانية، ولذا فإن العاملين في هذه الحقول يحرصون على التبكير في عملية الجني ما دام الجو باردا، والشمس غير مشرقة.
وتلحق ذلك العمل أعمال كثيرة فالزعفران نبات يحب أن يحظى بالدلال دائما، ومن الدلال الذي يناله من الفلاحين هو الحرص على الخطوات المهمة واللازمة التي تكفل زراعته بذرا، ومتابعته نباتا وقطفه زهورا في الوقت المناسب، ثم يبقى كل ذلك الحرص حتى استخراج الجزء المطلوب من الزهور وتجفيفها بوسائل خاصة. ولكي نعرف مدى اهتمام الحكومة بالزعفران، فإننا لابد وأن نعرف ما يجري من قبلها في هذا الشأن. وأول ما يلفت أنظارنا هو إنشاء الفيدرالية المغربية للزعفران وهي هيئة علمية واقتصادية حكومية تتابع عملية الإنتاج والبيع والتصدير، وتشرف على نقاء المنتج وجودته. وهي تمثل المغرب في المعارض الزراعية التي تعنى بالزعفران. ثم إنا نلحظ إضافة إلى ذلك مؤسسة مهمة مقرها تالوين التي ذكرناها، وهي المؤسسة التي أطلق عليها: «دار الزعفران» ومن اسمها نعرف اختصاصها واهتمامها.
وقد توجت الجهود المغربية المهتمة بهذا المنتج المفيد بأن حصل الزعفران المغربي على تسمية المنشأ، وهو: «زعفران تالوين» في سنة 2010، وأدى ذلك إلى شهرة هذا المنتج المغربي شهرة عالمية، كما أدى إلى استفادة العاملين في حقوله، فعادت الأنشطة الخارجية الخاصة بالتسويق على جميع العاملين بفوائد مادية مجزية.
***
ذكرنا مناطق زراعة الزعفران وأهمها ما هو قائم في المملكة المغربية. وذكرنا منافعه للناس، ولعل أهم المنافع هو استعماله في تطييب الأطعمة، ولذا فقد جاء منه كعكة الزعفران ، وهي من المأكولات التي عرفت في حفلات الميلاد في السويد.
وذكرنا أيضاً فوائده في الطب فهو مفيد في حالات التشنجات وانتفاخ البطن، والتهابات الجهاز التنفسي، ونزلات البرد، وله فوائد أخرى في المجال الطبي لا سبيل إلى إيرادها مجتمعة هنا.
***
في سنة 1984م أصدر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت كتاباً عنوانه: «مفتاح الراحة لأهل الفلاحة» وهو لمؤلف مجهول ألفه في القرن الثامن الهجري وقد تحدث كاتب هذا الكتاب عن الزعفران في أكثر من موضع من مواضع كتابه، ومنه ما جاء في صـ331 حين ذكر في فقرة صغيرة تعريفاً بهذا النوع من النبات ولكنه لم يخرج عما ذكره داود الانطاكي في تذكرته التي أشرنا سلفا إلى ما جاء فيها.
وفي صـ189 تحدث عن التمر، وذكر أن شاعراً من شعراء عصره كتب أبياتاً عنه، ووصف لونه بأنه لون يشبه لون الزعفران ، فقال:
أما ترى التمر يحكي
في الحسن للنظار
مخازنا من عقيق
قد قمعت بنظار
كأنها زعفران
فيه مع الشهد جاري
وفي صـ246 ذكر أمراً اعتبرته غريباً، وهو أنه أورد اسم نوع من الورد هو الورد الأسود، وسبب استغرابي هو أني قرأت قبل سنوات قليلة أن بلداً أوروبياً استطاع استزراع ورد لونه أسود وقد اعتبروا هذا العمل فتحاً مبيناً يتم في الدنيا لأول مرة وهو لم يكتف بالقول بل أورد بيتين من الشعر يؤيدان ما ذكر، علماً بأنه لم يقصد بهما التأكيد لأن الورد الأسود كان معروفاً لديه ولمعاصريه، يقول الشاعر:
وورد أسود خلناه لما
تنشق نشره ملك الزمان
مداهن عنبر غض وفيها
بقايا من سحيق الزعفران
وفي صـ263 حديث طويل عن الزعفران الذي ذكر أن من اسمائه (الجادي). وتولي في هذا الحديث تبيين طريقة زراعته من البداية، ومواعيد ذلك، والأرض المناسبة لزراعته.
ثم ذكر بعض الأبيات التي تمتدح الزعفران من حيث لونه ومن حيث رائحته بالمقارنة مع غيره من الزهور.
ولن نطيل في هذا المجال، ولكننا نود أن نشير إلى نوع من العطور المخلوطة المعروفة قديماً، وهي مجموعة منتقاة وممزوجة تسمى الخلوق، واشتق منه فعل هو تخلق إذا وضع إنسان في ملابسه الخلوق قيل: فلان تخلق وهكذا...
أورد ابن منظور في كتابه «لسان العرب» ذكر الخلوق وما يتكون منه فذكر من مكوناته الزعفران.
***
ومما يشبه الزعفران شكلا النبات الذي يطلق عليه اسم، العصفر، ولقد رأيت نبات العصفر في الكويت لأول مرة في حديقة المدرسة الأحمدية سنة 1946م، وكان نباتاً جميلاً يلفت النظر إلى حسنه له ساق طوله حوالي المتر، وله أوراق صغيرة تحيط بالساق، تخرج من بينها زهور حمراء هي العصفر.
وهو في أماكن أخرى يستعمل استعمالات كثيرة منها بعض مواد التجميل، وأصباغ الأقمشة واستخدامات كثيرة منها ما هو مفيد في علاج بعض الأمراض. يباع العصفر في محلات العطارة، ويحرص العطارون على فصله عن الزعفران ، لأنهم وجدوا بعض الناس وهم يغشون هذا بذلك.
وتعصر بذور العصفر لكي يستخرج منها زيت نافع ويستفاد من بقايا البذر المعصور في غذاء الماشية.
وقد ذكرت له عدة فوائد في المجال الصحي، ولكن المجال لا يتسع هنا لذكر كل ذلك.
والعصفر معروف في الكويت قديماً وحديثاً وكان الناس الذين يصعب عليهم شراء الزعفران ويحبون أن يضيفوا إلى الشاي الذي يشربونه طعماً يشبه طعمه، ولوناً يشبه لونه، فانهم يضعون فيما يصنعونه من الشاي شيئاً قليلاً جداً من العصفر. وكذلك يضاف عندهم إلى بعض المأكولات التي يضاف إليها الزعفران ولا شك في أنه ليس كالزعفران تماماً من حيث اللون والرائحة والطعم ولكنه قريب من كل ذلك، ويسد حاجة المحتاج.
ومما يستعمل من أجله العصفر قديماً أنه كان من الأصباغ التي توضع على الأقمشة البيضاء فتكسبها لونه إذا غمست في الماء الحار المضاف إليه نبات العصفر ، فَيُقَلَّبُ الماء بما فيه حتى يأتي التلوين على جميع جوانب القماش المراد صبغه.
هذا إلى جانب فوائد أخرى تدفع الناس إلى اقتناء العصفر وإلى استعماله. ومما يسعدنا في الكويت أننا لا نزال نرى بيننا أنواع الزعفران تأتينا من عدة أمكنة، بل إننا لنعرفه منذ أيام السفر الشراعي حين كان يجلب من الهند ثم هو الآن بيننا من عدة مصادر، وعلى عدة أنواع، ولكنني لم أر النوع المغربي حتى الآن، وعسى ان يكون في الطريق إلينا.
أما العصفر فهو معروف - أيضاً - في الكويت، ومتوافر لدى العطارين الذين تنتشر محلاتهم في كل مكان في البلاد ولهم فروع في مختلف الجمعيات التعاونية: وهو مذكور أيضاً في الكتب القديمة التي جاءت عن الأدوية الشعبية والأعشاب المستعملة في الطب، وفي كتب الفلاحة التي ذكرت زراعته، وطرق العناية به.
ولقد كان الاهتمام بهذا الصنف من النبات كبيراً على مر الزمان، ونحن نشاهد هذا إلى اليوم حين نرى الكميات التي ترد إلى الكويت منه وهي كميات تزخر بها محلات العطارة هنا.
يظن كثير من الناس أن فوائد العصفر أقل بكثير من فوائد الزعفران.
والواقع أن لكل منهما فوائده، وقد تولت مواقع كثيرة من مواقع الأنترنت البحث في أمر العصفر، وتحدثت عنه كثيرا مبينة منافعه ووجوه استعمالاته.
وقبل أن نشير إلى ما أورده أحد هذه المواقع عن مزايا العصفر، فإن من المهم الإشارة إلى أنني سألت أحد العطارين في الكويت، وهو أبوعبدالله الذي ذكرته في كتابات سابقة، وبينت قدراته في مجال معرفة الأعشاب الطبية ومنافعها، وكان سؤالي هو
- إنني أعرف انك لاتزال تبيع العصفر إلى اليوم. فرد قائلا:
- نعم، وعليه إقبال من الناس - قلت:
- لأي شيء يستعمله هؤلاء الناس؟ قال:
- يرون أنه يفيد في أمراض الكبد، والأمراض الباطنية الأخرى، وهم يتناولونه كما يتناولون الشاي.
وقد اكتفيت بهذه الأجوبة المفيدة، وعدت إلى ماكنت في سبيل الحديث عنه، وهو ما ورد في الأنترنت عن العصفر وما يتعلق بفوائده.
ولقد وجدت الحديث عن منافعه الصحية يتركز على ما يلي:
1- يحافظ على صحة القلب ويحميه.
2- يخفض نسبة الكولسترول في الدم.
3- يمكن استعماله على هيئة غرغرة في حالة التهابات الفم والحلق.
4- منظم لعملية الهضم، وملين.
5- جيد للبشرة والشعر.
6- يخفض الدهون المحيطة بالبطن.
7- مفيد للأسنان.
وقد وجهت مراكز الانترنت نصائح إلى مستعملي العصفر، منها أن المبالغة في شرابه مضرة، وبخاصة لأنها قد تحدث تضاربا مع بعض الأدوية، وقد يضر المرأة الحامل.
ملحاق خير لا ينبغي أن نهمل ذكر كثير من الاشعار التي قالها الشعراء العرب عن الزعفران، وأغلب ما جاء في شعرهم الوصف ثم ذكر اللون، وبيان الجمال. وممن نورد لهم من ذلك هنا الشاعر عمر بن أبي ربيعة فقد قال قصيدة مطلعها».
لمن الديار رسومها قفر
لعبت بها الأرواح والقطر
وهذه الديار كانت كما يقول:
لأَسِيلَةِ الخدين واضحةٍ
يغشى بسنِة وجهها البدر
أما وصفها ففي قوله:
والزعفران على ترائبها
شرق به اللبات والنحر
إنها تضع الزعفران على صدرها مرتفعا إلى نحرها. وهذا البيت الأخير روى (مفردا) لشاعر آخر هو المخبل السعدي، وكان راويه ابن منظور في لسان العرب، ولم أجد له ذكراً أو بقية مما يمكن أن نستدل به على ان نسبته ضمن الابيات التي أشرنا إليها هي الأصح.
والشاعر الراعي النميري الذي عاش في العصر الأموي وله ديوان مطبوع، وأشعار متنوعة جميلة، ومناقضات مع بعض شعراء عصره له أبيات ذكر فيها الزعفران بصفته من أمور زينة المرأة، وهو قريب من وصف عمر ابن أبي ربيعة، والمخبل السعدي، ولكننا نريد أن نبدأ القصيدة من أولها، فقد كان مطلعها:
بأن الأحبة بالعهد الذي عَهدُوا
فلا تمالك عن ارض لها صَدَدُ
وراد طرفك في صحراء ضاحية
فيها لعينيك والأظعان مطرد
وهو في قصيدته هذه يمدح عبدالملك بن مروان، ويشكو إليه تصرفات بعض السعاة الذين كانوا يجحفون، ويتشددون في مطالبة الناس بحقوق الدولة وقد بدأها كعادة غيره من الشعراء بالغزل.
لقد سار الأحبة من مكانهم، وفق ما ذكروا عن نيتهم بالفراق. فاتجهوا إلى حيث لا أتمالك نفسي من الحنين إلى الأرض التي قصدوا إليها. وذهب عن طرفك بعد رحيلهم إلى كل مذهب، فاخترق الصحراء الواسعة التي كانت الشمس ساطعة فيها، وكان النساء في هوادجهن والجمال تسير بهن في سرعة، فتتخيل (أيها الشاعر) أن من تهواه فيهن. وكن:
من كل واضحة الذفرى منعمة
غراء لم يعذها بؤس ولا وَبَدُ
لها لثات وأنياب مفلجة
كالأقحوان على اطرافه البرد
يجري بها المسك والكافور آونة
والزعفران على لباتها جسد
إنها بيضاء حسنة الذَّفرىَ طيبة الرائحة، والذَّفرىَ هي العظم الناتئ خلف الأذن، وهي ذات حسن وجمال بيضاء لم تعان الوبد وهو سوء الحال فقد كانت منعمة وهي - إلى ذلك- ذات لثات بديعة، وأسنانها في ناحية الثنايا متباعدة وهذا شكل من اشكال جمال الفم، وقد شبهها بزهرة الاقحوان حين يهبط عليها البرد فيزيدها رونقا.
وأخيرا فإن المسك تجري رائحته كلما تحركت يمينا أو يسارا أو إنها لَتَضَعُ الكافور بديلا عنه، وفيه أيضا ما في المسك من الرائحة، وكانوا يطلقون اسم الكافور على أخلاط من الطيب. وتضيف- ايضا- الزعفران حين تمزجه بالماء ثم تمسح به على موضع القلادة من جيدها.
ثم يمضي في قصيدته إلى آخرها مبلغا عبدالملك بن مروان بمدحه وبشكايته وليس هذا الذي أوردناه هو كل ما جاء في الزعفران، فقد دأب الشعراء على الإشارة إليه في الغزل وفي غيره. هذا هو الشاعر (كشاجم) وهو من متأخري شعراء الدولة العباسية يشكر صاحبا له أهداه بطيخة فيثني عليه وعلى هديته، ويذكر أن هذه البطيخة إذا قشرت بالسكين (المدى، جمع مدية) بدا ما بداخلها وكأنه زعفران خلط بالعسل:
كأنما تقشر منه المدي
عن زعفران ديف بالشهد
وكفى....


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت