loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الطريق إلى الإسلام


هذه سيرة حياة رجل من رجال العلم بالرياضيات، كندي الجنسية، اسمه: الدكتور غاري ميلر، وسيرته مما يجدر بنا أن نقدّمه هنا، فهي سيرة رجلٍ جادٍّ في علمه وفي عقيدته، اهتدى إلى الإسلام في وقت متأخر من حياته، ولكنه تمسّك بما اهتدى إليه وصار يدعو زملاءه إلى الاقتداء به، ومتابعته في مسيرته الإسلامية التي أضفت على نفسه سلاماً وأمناً وعلى قلبه راحة واطمئناناً.
كان غاري ميلر رجل علمٍ بمعنى الكلمة، والرجل من مثله يحرص على متابعة الاطلاع على كل موضوع يستفزّه ويدعوه إلى البحث فيه، وكان من فضل الله عليه أن قرأ القرآن الكريم مترجماً، ولم يكن حينذاك يهدف إلى الاستفادة منه أو الاهتداء بهديه، ولكنّه كان كغيره من كثير من أمثاله مهتماً بتصيّد الأخطاء التي قد يجدها في الكتاب الكريم سواءً أكان ذلك متمثلاً في خلاف علمي لا يتناسب مع ما توصّل إليه العلم الحديث، أو كان خطأه من نوع آخر، فهو يتصيّد مثله حتى يقدّم لقومه دليلاً على صحّة ما هم فيه.
أمضى هذا الرجل مدة طويلة وهو مكبٌّ على البحث في هذا الموضوع والقراءة عنه، وكان في ذلك الوقت يظن أن الإسلام في طريقه إلى الأُفول، وأن المسلمين سوف يقلّ عددهم إلى أن تضعف شوكتهم نهائياً، ولكثرة ما قرأ، ولما كان يلاحظه في القرآن الكريم، فقد كان يسأل نفسه عن هذا الأمر، ويقول متعجباً: أحقاً أن الإسلام في طريقه إلى النِّهاية؟ وعندما وصل إلى هذا التساؤل كان الوقت الذي امتلأ فيه ذهنه بالمعلومات التامّة عن هذا الدين الحنيف قد أزف، فكان تساؤله عبارة عن شك لا يقين فيه، وأدرك أنه ربما يكون مخطئاً، ولذا فإن من المطلوب منه أن يُوجّه نظره إلى اتجاه آخر يستطيع من خلاله أن يقبل أو يرفض الفرضية التي جاءت في تساؤله.
خاض في هذا الأمر حتى تعب، ومع ذلك فقد قدّم الاهتمام به على الاهتمام بالرياضيات التي عشقها وتخصص بها وصار مدرساً جامعياً يقوم بتدريسها.
وجلس في غرفته التي كانت تشبه المكتبة لكثرة ما فيها من الكتب التي كانت مبعثرة لكثرة ما قلَّب فيها بحثاً عن مراده الذي تسلّط عليه مرتين أولاهما البحث عن المساقط التي قد يجدها في القرآن الكريم، وحاشا لكتاب الله سبحانه أن يكون فيه خلل مما يتصوّره مولر، وثانيهما: محاولة حل المعضلة التي جعلته يتساءل عن مصير الإسلام. وقد جاء تساؤله في وقت غير الوقت الذي ابتدأ فيه بحثه فهو الآن مندهش بل ومذهول من أن يتصور مجرد تصور أن نجم الإسلام سوف يأفل. فالإسلام الذي قرأ عنه كل ما قرأ، ورأى فيه كل ما رأى لا يمكن أن يزول لأسباب كثيرة وقعت بين يدي هذا الباحث، بل لقد وجد - من حيث المبدأ - أن الإسلام مرتبط بنهاية الكون، فما دام هذا الكون قائماً مذ يوم أن خلقه الله سبحانه وتعالى، فإن الإسلام باقٍ، بل هو الدين الذي دانت له البشرية منذ سيدنا وأبينا آدم عليه السلام إلى سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم، وغير هؤلاء من الأنبياء عليهم السلام، فَإِنَّ الدين الإسلامي هو دينهم وحده، ألم نقرأ في كتاب الله الذي بين أيدينا قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام، ومن يَبْتَغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}.
وهذه الآية الكريمة هي التي فسّرها حاخام يهودي اسمه إبراهام سون، فقال: إنه يعترف بشكل واضح وصريح بأن الدين الإسلامي هو الذي كُلِّفت البشرية باتباعه، وهو مذكور بهذا الاسم في الكتب اليهودية وهو دين آدم ودين نوح.
ونحن عندما نذكر هذا الذي نقلناهُ عن الحاخام اليهودي فإننا لا نقصد بذلك الاستناد إليه في تفسير الآية التي أوردناَهاَ، فقد فسّرها العلماء المسلمون قبله بقرون، ولكننا أردنا أن نقول أن ما جاء فيه ليس أمراً غريباً ما دام القرآن الكريم قد نصّ عليه.
ومن الذين تحدّثوا في مثل هذا الموضوع حاخام يهودي آخر اسمه موسى شارون. ألقى محاضرة في جامعة بن غوريون تحدّث فيها عن الإسلام حديثاً لفت إليه الأنظار لأنه كان مستغرباً أن يُسمع من واحد مثله، بل وصل الأمر بجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) إلى أن يستدعيه ويحقق معه بشأن الأفكار التي طرحها في محاضرته هذه.
ومما ذكره في تلك المحاضرة:
- أن الإسلام هو دين مبني على نظرية الانتقاء فهو الأفضل ورسوله هو المصطفى، أي أن الله اختاره واصطفاه من خير خلقه لكي يعطيه كلمة الحق وهي الإسلام.
- ليس الإسلام ديناً فقط، ولكنه ثقافة تعتمد على منظومة قوانين تشمل حياة المجتمع كله.
- وهو ينظم الصلات بين الدول لأنه دين عالمي.
- الإسلام دين يشمل العالم كله، وليس مثل اليهودية التي تعتمد على شعب صغير يعيش في منطقة محدودة ومحصورة.
- تنزَّل القرآن لكي يصحّح ما تمّ تحريفه من الكتب السماوية السابقة عليه.
- الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، ولقد كان الذين اتبعوه محظوظين حين تمسَّكوا بدعوته ونشروا هذا الدين في كافة أنحاء العالم.
هكذا قال موسى شارون، والفضل ما شهدت به الأعداء.
***
قلنا... جلس ميلر في غرفته (المكتبة) وأخذ يفكر فيما حلّ به، وشتت أفكاره، وهو يقول لنفسه: ما الأمر إذن؟ هذا هو الكتاب الذي يقول المسلمون إنه منزّل من عند الله على رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكني لم أجد فيه ما كنت أتصوّر وجوده، فما كان في بالي هو أَنَّهُ كتاب قديم رثٍّ بالٍ فيه حديث عن الجمال والصحراء والخيام، ولكني لم أجد شيئاً من ذلك.
وورد عنه أنه كان يتوقّع أن يجد القرآن على الصفة التي قدّمناها، ولكنه عجب لما رآه فيه، وعرف من خلال قراءته أشياء لم يكن يتوقّع أن يعرفها.
ومما لاحظه أن القرآن الكريم يحتوي على أشياء لا تعرف في أي كتاب غيره، لا في بلاد العرب القديمة ولا في العالم كله، وعلى سبيل المثال فإن القرآن لم يكن يذكر الأحداث العصيبة التي مرّت بالرسول الكريم مثل وفاة جدّه وعمّه وزوجته خديجة، ولم يذكر من النساء ابنته فاطمة، ولا زوجته الأولى خديجة، كما أن الكتاب الكريم لا يتضمّن السيرة الذاتية للرسول صلى الله عليه وسلم.. وَلكِنَّهُ ذكر بعض الصفات التي تميَّز بها هو وصحبه الكرام، مثل ما ورد في سورة الفتح:
{محمد رسول الله والذين معه أشدَّاءُ على الكفار، رحماء بينهم}.
ويأمر بطاعة الرسول ويقرنها بطاعته: {قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}.
ثم إن القرآن ينص على أن الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر يجري عليه الموت مثلهم فيقول: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يَضُرَّ الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين}.
ومما لفت نظره أثناء قراءته للكتاب الكريم قوله وتعالى: {أفلا يتدبّرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء آية 82).
وعنها قال ميلر كلاماً يدلُّ على مدى احترامه لما ورد في القرآن الكريم واستدلاله على أنه حق، وأنه إنما صدر من مصدر أعلى هو الله جلّ شأنه.
فلقد صعق عندما قرأ هذه الآية، وحدّث نفسه قائلاً: إن المبادئ العلمية تَدْعُو إلى تقصِّي الأخطاء بحثاً عن الصواب.
والقرآن يدعو المسلمين إلى تقصّي ما فيه وفوق ذلك فإنه أتى بنقاط كثيرة بعضها مما هو لصيق بما مضى، وإن لم يكن هو نفسه، ومنها ما يشير إليه استطراداً، ومن ذلك أَنَّهُ يقول:
- إن مما حيّرني أشد الحيرة أنني وجدت في القرآن سورة كاملة عن مريم عليها السلام هي سورة مريم، ولم أجد تشريفاً وتكريماً لهذه السيدة مثل ما رأيته في هذه السورة، بل إن ما زاد في عجبي أن النصارى لم يذكروا مثيلاً له في كتبهم. إضافة إلى أنه ليست هناك سورة عن خديجة زوجة الرسول ولا عن فاطمة ابنته وكانتا من أحب النساء إلى قلب الرسول الكريم.
- وجدت ضمن إحصاء يسير صنعته بنفسي أن عيسى عليه السلام قد ذُكر في القرآن بالاسم (25) مرة، ولكن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُذكر إلا في أربعة مواضع.
- ومما أثار عجب هذا الرجل أن القرآن يدعو المسلمين وغيرهم إلى تحرّي الأخطاء فيه، ولن يجدوها، وهو يعلّق على ذلك بأنَّه لا يوجد مؤلف في الدنيا لديه المقدرة على أن يقول عن أي كتاب ألَّفه إنه كتاب يخلو من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس من ذلك، لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والتفت إلى أمرين مهمين وردا في آيتين من آيات القرآن الكريم، فتأمّل فيهما جيداً واستخلص منهما النتيجة التي أدهشته، الآية الأولى هي ذات الرقم (30) من سورة الأنبياء، وفيها يقول الله عز وجل: {أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما...} والآية تنتهي بقوله عز وجل: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.
ولقد أكد ميلر القسم الأول من الآية (30) التي ذكرناها، وأشرنا إليها وقال: هذا هو بالضبط موضوع البحث العلمي الذي حصل على جائزة نوبل في سنة 1973م، وكان عن نظرية الانفجار الكبير، وهي تعلن عن أن الكون الموجود، إنما هو نتيجةً لانفجارٍ ضخم هو الذي حدث بسببه الكون بما فيه من سماوات وكواكب، وقد جاء في الآية لفظ الرتق وهو التصاق الشيء ببعضه، ولفظ الفتق وهو إزالة هذا الالتصاق.
وعندما تحوّل هذا الباحث إلى الحديث عن باقي الآية الكريمة وهو: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، قال: إن من المعروف الآن أن الماء مصدر للحياة، ومن المدهش أن العلم لم يصل إلى هذه الحقيقة إلا في وقت متأخر، وقد بيّن ميلر النظرية كما هي معروفة لدى علماء اليوم، ثم علّق على ذلك بقوله: فكيف لرجل أُمِّيٍّ عاش قبل 1400 سنة أن يعلم كل هذا لولا أنه موصَّل بالوحي من السماء».
ويمضي الباحث في سرد بعض المواقف المتعلّقة بآياتٍ من القرآن، وهي - أي هذه المواقف - تدلّ على أن هذا القرآن كتاب منزّل من عند الله لا شك في ذلك، ومن هذه المواقف أنه أورد الآية التي وردت في سورة النحل، وهي ذات الرقم 98، ونصها: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. إن الخالق عزّ وجلّ الذي نزَّل القرآن على نبيه الكريم يقول له ذلك. ولو كان القرآن من أقوال الشياطين كما قال كفّار قريش آنذاك، فإننا نستطيع أن نؤكد أن الأمر بخلاف ما قال أولئك المشركون لأنه من غير الممكن أن يقوم شخص مهما كان بتأليف كتاب ثم يقول: قبل أن تقرأ هذا الكتاب تعوَّذَ مِنِّي.
***
فالقرآن الكريم كتاب الله، وهو الذي يخبرنا بموجب ما جاء في الآية رقم 210 من سورة الشعراء: {وما تنزَّلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون}.
فهذا موقف من المواقف التي استثارت الباحث وهناك مواقف أخرى مثلها، وأكثر دلالة منها تدلّ على أن القرآن الكريم كلام الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
****
هذا وخلاصة كل ما تقدّم تدلّنا على أن هذا الرجل الذي لم يكن مقبلاً على الإسلام في الأصل. ولكنه قرأ القرآن الكريم رغبة منه في أن يجد فيه ما يقبل النقد من مخالفة للعلم أو تناقض مَعَهُ، أو ما يدلّ على الاضطراب في ما يقدّمه للناس من معلومات وتوجيهات، ومن هنا بدأ يقرأ، ويزداد في ذلك استغراقاً حتى وصل إلى ما وصل إليه حين وجد في الكتاب الكريم ما يدحض تصوراته المسبقة عنه، وما يدلّه على أنه كتاب الله أنزله على رسوله بالهدى ودين الحق، وقد أطلع غاري ميلر أثناء قراءته على حقائق أذهلته وجعلته مؤمناً بما جاء في القرآن الكريم.
من هذه الحقائق:
1 - أن هذا القرآن لا يقدم للناس السيرة الذاتية للرسول الكريم حتى نستطيع أن نقول إن القرآن من كلامه، وأنه يذكر نفسه فيه. ولذا فإننا لا نجد ما نتوقع أن يردّ فيه من حديث عن بعض النواحي الأسرية الخاصة به.
2 - ليس في القرآن تحيُّز ضد الأديان الأخرى فهو يراها تنبع من مصدر واحد ما لم يغيِّر البشر في بعضها مما ننزّه القرآن عنه. والدليل على ذلك وجود سورة كاملة في كتاب الله هي سورة مريم التي تُذكر فيها بالتبجيل والتقدير هي وولدها عيسى عليه السلام.
3 - لم يرد اسم محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً في القرآن الكريم، في الوقت الذي ذكر فيها عيسى بن مريم كثيراً.
4 - دعوة القرآن للناس من أجل تقصّي الأخطاء في الكتاب الكريم إن وجدت. وهي في الواقع غير موجودة، والتحدي في حد ذاته دليل على أن القرآن منزّل من عند الله سبحانه لا لبس فيه ولا نقص.
{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.
فالباحث يرى أن طلب تقصّي الأخطاء من الأمور التي تدلّ على مصدر القرآن الكريم وأنه منزَّلٌ من رب العالمين.
5 - كان لغاري ميلر كتاب مهم هو: «القرآن المدهش» فهو يتحدى البشر بأنه خالٍ من الأخطاء».
6 - نظرية الانفجار الكبير التي تحدّثنا عنها آنفاً.
7 - الدلائل كثيرة على كذب الادعاء القديم بأن القرآن مكتوب بأيدي الشياطين، وقد أوضح ذلك فيما قدّمناه من بيان حول هذا الأمر.
8 - إيضاح أن الله خلق من الماء كل شيء حي، وأن هذه النظرية لم تتأكد لدى العلماء غير المسلمين إلا في العصر الحديث نتيجة لتقدّم البحث العلمي.
9 - التنبُّؤ بالغيب الذي لا يعرفه إلا الله، وَقَدْ مثل الباحث لذلك بما تمّ لأبي لهب، وحكايته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل فيه من قرآن.
10 - التحدّي بالمعلومات الغيبية التي لا يعرفها أحد في عصره، وفيه قوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك}، وقوله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين}.
***
وبعد، فإن غاري ميلر أستاذ الرياضيات والمنطق في جامعة تورنتو بكندا، وكان مشهوراً بأنه محب لعلم الرياضيات، مهتم بالمنطق وبالمسائل المتعلقة به.
وكان قبل ذلك مبشراً وواعظاً في الكنيسة، وبعد دراساته حول الإسلام، وجد نفسه منجذباً نحو هذا الدين، فانخرط فيه وصار مسلماً، فغيَّر اسمه إلى عبد الأحد عمر، وكان ذلك في سنة 1978م.
له عدة مؤلفات كتبها بعد اعتناقه للإسلام، وهي تدل على يقين ثابت وصل إليه بعد بحث وتدقيق وتسليم لأمر الله وحده، ومن هذه الكتب:
1 - الفرق بين القرآن والكتاب المقدس.
2 - القرآن المدهش.
3 - نظرة إسلامية إلى أساليب المبشرين.
هذا هو باختصار ما أردنا ذكره عن الطريق الذي سلكه غاري ميلر فاهتدى بسلوكه إلى الإسلام، ولكننا سوف لا نكتفي بما تقدّم.
***
ذلك أن من الملائم هنا أن نذكر شيئاً مما يتعلّق بالآيات الكريمة التي وردت في المقال مورد الاستشهاد، ولذا فإننا نبدأ بأن نقول إننا درسنا تفسير هذه الآيات وغيرها مما ورد في كتاب الله الكريم. وذلك في معهد الكويت الديني عند أوائل خمسينيات القرن الماضي.
كان من مدرسينا في ذلك الوقت المرحوم الشيخ علي عبدالمنعم عبدالحميد، وكان رجلاً من رجال الأزهر الشريف انتدب أولاً للتدريس في الكويت ثم استمر في البلاد واستوطنها وحصل على جنسيتها، وكان إلى جانب قيامه بالتدريس واعظاً يفد كثيرون من الناس إلى سماع وعظه. وكان يخطب خطبتي الجمعة ويؤم المصلين في مسجد مدرسة ثانوية الشويخ.
وكان يقوم بتدريسنا ثلاث مواد علمية مهمة بحسب تدرجنا في الفصول الدراسية، وهذه العلوم هي التفسير والتوحيد والمنطق، وكان يشرح كل ما يقوم بتدريسه شرحاً وافياً يدخل إلى عقولنا، وتتمكن منه نفوسنا، ولا أُبالغ إذا قلت إن كلماته تَرِنُّ إلى اليوم في ذهني تذكّرني بكل ما تَعَلَّمْتُهُ منه.
كنا ندرس في مادة التفسير كتاب تفسير القرآن العظيم للحافظ إسماعيل بن كثير، ومما درسناه - يومذاك - تفسير الآيات التي وردت في بداية هذا المقال، وما فيها من الدلائل الواضحة على كثير مما ينبغي للمسلم أن يعرفه عن دينه وعن قدرة الله سبحانه، ففيما يتعلّق بقوله تعالى في سورة النساء، الآية 82: {أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (سورة النساء الآية رقم 82).
فَقَدْ فسّر ابن كثير هذه الآية تفسيراً واضحاً وَأَكَّدَ على دلالتين مهمتين أولاهما ضرورة تدبر القرآن، مع الإنكار على من يبتعد عن التدبر، فهذا هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يجب أن يكون نصب أعيننا دائماً ويجب أن نكرر قراءته والتأمل فيه.
وثاني الدلالتين هي أنه لا يجوز الاختلاف بين المسلمين في معاني القرآن فهو يفسر بعضه بعضاً، وبالتدبر نصل إلى المعرفة الحقيقية لما ورد في الكتاب العظيم، ومن اليقين أن الله سبحانه هو الذي أنزل القرآن على نبيه، ولو كان هذا القرآن من غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، ولذا فإن الخالق عز وجل يقول: أفلا يتدبرون القرآن؟ ثم إنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيراً.
وفي هذا المجال يقول الحافظ إسماعيل بن كثير: «ولو كان من عند غير الله أي لو كان مفتعلاً مختلقاً كما يقول من يقولُهُ من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً، أي اضطراباً، وتضادَّاً كثيراً، وهو سالم من الاختلاف... كما قال الله تعالى عن الراسخين في العلم حين قالوا: {آمنا به كُلٌّ من عند ربنا} أي كل ما فيه من محكم ومتشابه حق. فلهذا ردُّوا المتشابه إلى المحكم واهتدوا، والذين في قلوبهم زَيْغٌ ردوا المحكم إلى المتشابه فَضَلُّوا، وفي هذا مدح للراسخين في العلم وَذَمٌّ لغيرهم.
وهناك بضع نقاط ذكرها ابن كثير ذات علاقة بتفسير هذه الآية، وهي:
1 - نهى الإسلام عن الاختلاف حول آيات القرآن الكريم. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيته حين استمع إلى نفر من الناس خارج البيت يتحدثون حول بعض الآيات ويختلفون فيما بينهم حتى ارتفعت أصواتهم. فخرج إِلَيْهِمْ رسول الله مغضباً، وقال: «مهلاً يا قوم بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض. إن القرآن لم يُنَزَّل ليكذِّبَ بعضُهُ بعضاً، إنما نُزِّلَ يُصَدِّقُ بعضه بعضاً».
2 - وفي الآية الكريمة: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}. وهذا فيه إنكارٌ على من يبادر إلى إذاعة الأخبار قبل تحققها، فينشرها بحديثه عنها، وقد لا تكون لها صحة.
3 - من الآيات التي احتوت على الحجة البالغة الدالة على عظمة ما خلقه الله، وهي تثبت في الوقت نفسه ما لم يعرفه عالم الدنيا حتى وقت قصير، الآية رقم: (30) من سورة الأنبياء وفيها يقول عز وجل: {أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} إن من الجدير بنا أن نسلم بما ذكره الخالق العظيم، فقد بيّن لنا أصل الكون وكيف خلقه. وبيّن لنا أصل الأحياء وهو الماء.
وعندما تحدّث ابن كثير عن هذه الآية حين أورد تفسيرها قال ما يلي:
بيّن الله سبحانه وتعالى مقدرته العظيمة على خلق الأشياء على خير وجه، وَقَهْرِ كافة المخلوقات وتطويعها لإرادته، وفي هذا يقول: ألم ير الجاحدون لقدرة الله، العابدون معه غيره، أن الله وحده هو المستقل بالخلق، الذي يدبِّر - وحده - هذا الكون بما فيه من بشر وحيوان ومخلوقات أخرى، فهل يليق بهؤلاء أن يعبدوا إلهاً آخر مع الله؟
ألم يروا أن السموات والأرض كانتا متصلتين متراكم بعضها فوق بعض في بداية الخلق، ثم جرى فصلهما بقدرة الله جل شأنه. فجعل السموات سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بين هذين الخلقين بالهواء وأمطرت الغيوم في السماء، وأنبتت الأرض من كل زوج بهيج.
ثم يأتي البيان الثالث وهو أن الله سبحانه وتعالى قد خلق من الماء كل شيء حي، فكان الماء بذلك هو أصل الأحياء، ولكونه كذلك أوردنا متابعة علمية تعدُّ حديثة بالنسبة للوقت الذي نزل فيه القرآن الكريم، وقد ذكرنا ذلك مما كتبه غاري ميلر.
4 - وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع».
وقد أمرنا رسول الله في أكثر من موقع بالتماس الصدق، وعدم الخوض في الحديث الباطل.
ومن أقواله المروية:
- من حدَّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، يعني بهما القائل الناقل للحديث والآخر المنقول عنه.
إذن فإن كتاب الله عز وجل: القرآن الكريم منزَّه عن أن يكون مفتعلاً، أو أن يكون فيه اختلاف فينبغي أن نمعن في قراءته وتدبّره حتى تتضح لنا طرق الهدى التي جاءنا بها، والتأكد من كل ذلك يؤدي إلى معرفة مُنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الله الخالق البارئ سبحانه، وهذه الآية التي ذكرنا وبيّنا ما فيها من العلم هي التي اهتدى بها غاري ميلر إلى الدين الإسلامي فأسلم.
***
هذه هي نهاية حديثنا، ونرجو أن يكون نافعاً بقدر ما بذلنا فيه من جهد، وبقدر ما هو جدير به من الاهتمام.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد