loader

الاخيرة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

من أهلها (23 ب)


حمد خليفة، أحد فناني الكويت المعروفين لدى كافة محبي الطرب، فهو مبدع في الغناء الشعبي، ولا سيما فن الأصوات التي تحلو بها السهرات، ويعمّ بغنائها أنس السامرين على الدوام. ولد هذا الفنان في الحي الغربي من عاصمة الكويت سنة 1929م. وعاش يتيم الأبوين، ولكنه حَظِيَ برعاية آخرين من أسرته، ودرس في صغره في إحدى المدارس الأهلية، حين انتقل أهله إلى موقعٍ آخر. وكانت هذه المدرسة هي مدرسة السيد هاشم الحنيان، وقد بدأ فيها بدراسة القرآن الكريم والكتابة والحساب، ولما كانت مدرسة السيد هاشم الحنيان بعيدة عن المسكن الذي كان يعيش فيه، فقد انتقل بعد فترة إلى مدرسة ملا مرشد، وهي أقرب إليه من المدرسة السابقة.
وبعد فترة انتقل إلى المدرسة المباركية، فدرس فيها فترة من الزمن ثم انتقل إلى الدراسة بالمدرسة الأحمدية.
وكانت دراسته في كلا المدرستين مفيدة له، فقد تلقّى دروسه على مدرسين أكفاء لهم شهرتهم في عالم التدريس إلى يومنا هذا. وزامل أصدقاء كثيرين كانت مرافقته لهم في الدراسة سبباً في تعرّف كثير من الناس به، لأن طلاب هاتين المدرستين كانوا يأتون من مختلف أنحاء العاصمة، فكانت هذه الفترة فرصته لمزيد من التعارف.
وقد بدأ نشاطه في المدرسة الأحمدية يظهر أكثر مما كان في المباركية، وربما حدث ذلك بسبب السن وسبب ارتفاع الفصول الدراسية التي صار يدرس فيها. ولأنه تقدم في دراسته فقد كان أساتذته يكلفونه بإلقاء بعض الخطب على زملائه بما فيها من تذكير ونصائح، كما يتم تكليفه بقراءة قصائد مختارة يطرب لها بقية الصحب.
وعندما وصل في المدرسة الأحمدية إلى الصف الخامس وجد نفسه غير قادر على الاستمرار في الدراسة لأنه اصطدم بعقدة اللغة الإنجليزية التي لم يستطع أن يُلمَّ بها منذ وصل إلى الصف الذي كانَتْ تُدَرَّسُ فيه. فانسحب من الدراسة نهائياً، وتفرّغ للعمل، فكان أن قام بعدة أعمال بسيطة لم يكن مردودها كافياً لإعالة أسرته مهما بذل من جهد.
في حي المرقاب تعرّف حمد خليفة على عدد من الشباب الذين كانوا في مثل سنّه، وكانوا يجلسون في بعض الديوانيات ويستمعون إلى ما يتيسر لهم من إسطوانات، وكانت قليلة في ذلك الوقت، ولكنها جذبته إلى هذا الفن الجميل الذي أحبه واشتُهر به وهو: الصوت.
وكان له أن استوعب العمل الفني، وصار يعزف على أكثر من آلة كالربابة والعود. وغنى كثيراً من الألوان الغنائية السائدة في وقته إضافة إلى الصوت الذي كان يهواه أكثر من غيره ضمن فنون الغناء الأخرى.
وأفاده تعلُّمُهُ للعزف على الآلات الموسيقية فأتيحت له فرصة المشاركة في إحدى سفن الكويت الشراعية التي كانت تعتزم المغادرة إلى الهند. وكانت وظيفة الموسيقي المصاحب للسفينة وظيفة مهمة لأنها كانت تضيف فرصة ترفيه للعاملين على متن البوم بسبب طول المسافة والمرور بِأَماكن كلها بحار إلى أن يصلوا إلى مرادهم.
كان اسم هذه الوظيفة هو: مُكَبِّسْ.
وفتح له العمل الأول مجالاً جيداً للرزق وللشهرة معاً، فكان أن عمل في عدد من سفن السفر الأخرى في رحلات متعددة، وعمل - أيضاً - مع السفن التي تنتقل بين المواني القريبة فيما يُسَمَّى رحلات القطاعة، ويسمّى البوم المغادر لهذا الغرض: البوم القطاع...
وبعد توقفه عن هذه الأعمال صار يستثمر خبرته الفنية في تقديم حفلات خاصة بالأعراس وغيرها. ثم اشتغل في شركة نفط الكويت. ولم يترك فنه في هذه الفترة، فقد كان يشارك في الحفلات التي تقيمها الشركة للعاملين بها كل أسبوع فيقدم ما برز فيه من فن.
وكان آخر المطاف أن عمل في دائرة الكهرباء والماء، وتنقل في عدد من أقسامها:
وفي أثناء عمله تزوج، وكان سنّه آنذاك الخامسة والثلاثين. وأنجب عدداً من البنين والبنات كان منهم ابنه صلاح الذي ورث الفن عن أبيه.
***
لم أكن قد سمعت بهذا الفنان إلا في حوالي سنة 1960م، ولم أعرفه في الكويت، ولكني بمحض الصدفة التقيت به في القاهرة. وكنت - يومذاك - طالباً بكلية دار العلوم هناك. وقد حضر لزيارة مصر واحد من معارفي صرت أتردد عليه فترة إقامته القصيرة في العاصمة المصرية. وفي إحدى الزيارات وجدت عنده رجلاً تبدو عليه الطيبة، لا يكثر من الحديث، ولكنه يستمع إلى ما يقال. وقد حاولت أن أُخرجه من صمته فوجّهت إليه بعض الأسئلة لكي أستحثه إلى الحديث.. وهنا أراد أن يبدأ بأن يعرِّفني بنفسه فقال:
- أنا حمد خليفة. فرحبت به، وأنا لا أزال غير منتبهٍ إلى غير ما ذكر. ولكنه أضاف:
- أنا الذي يُسَمِّيه الناس: حمد المؤنِّس، لأني أُمارس الغناء والعزف على الآلات الموسيقية وأشارك الأهالي والأصحاب في احتفالاتهم الخاصة فأدخل الأنس على نفوسهم، ولذا أطلقوا عليَّ هذا اللقب.
ولقد عجبتُ إلى نفسي كيف لم أسمع بمثل هذا الفنان الذي لفت أنظار الآخرين. ولكنني استأنفت محادثته وسمعت منه كثيراً عن سيرته الذاتية أولاً، ثم عن نشاطه الفني فيما بعد. ولكنني شعرت في كل ما قاله لي أنه غير سعيد بوضعه، فلم ينل الشهرة التي كان يطمح إلى الحصول عليها، بل وصار شبه مبعد عن التحركات الفنية التي دارت في البلاد خلال خمسينيات القرن الماضي، واستقر في ذهني أن وضع هذا الرجل ينبغي أن يُعاد النظر إليه، وأن يمنح الفرصة التي يستحقها حتى نراه بارزاً أسوة بغيره من الفنانين الكويتيين.
ومضت الأيام، سافر، وسافرت، وأنهيت دراستي، وبدأت العمل، ثم أرادت مشيئة الله أن أكون مديراً لتلفزيون الكويت في سنة 1963م، وهناك تذكرت حمد خليفة، ومر ببالي الحديث الذي أدلى به إليَّ دون أن يعرف أن حديثه يمكن أن يؤدي إلى نتيجة ما، فبحثت عن عنوانه، وأرسلت في طلبه، وهو لا يعرف الشخص الذي طلبه، لأنه رآني لفترة قصيرة، ولم يعرف اسمي آنذاك، ولذا فقد فوجئ بي عندما سلّمت عليه وذكّرته بجلستنا المشتركة في القاهرة. وطلبت منه أن يشارك في الجلسات الغنائية التي كان التلفزيون يقدّمها مساء كل يوم خميس. وكان سعيداً بهذا الاهتمام، ووافق دون تردد على المشاركة، وقام بما هو مطلوب منه وأكثر، واستمر بعد ذلك في العمل الفني خارج التلفزيون، وصارت له شهرة كبيرة إلى أن عزم في سنة 1981م على التوقّف عن أعماله الفنية دون أن يبدي أي سبب لذلك. ولكنه بقي في قلوب محبيه والمعجبين به.
وانتقل إلى رحمة الله تعالى في شهر يوليو لسنة 2018م.
وفي الختام نرى أن من المهم أن نشير إلى أن هذا الفنان كان يكتب بعض الأغاني التي تشدو بها، ومنها:
بُوخليفهْ يقولْ القلب منِّي غَدَابَهْ
رعبوب زوله حسين
لون الدجى لون شعره والفم لَّمن حكى به
يعجب وقوله رزين
وتتكون هذه المقطوعة من ستة أبيات وقد غنّاها على نغم الصوت الشامي.
رحمه الله


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد