loader

محلية

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

نجوم في سماء الكويت (1)


الحديث عن نشأة الكويت حديث طويل، وهو - في الوقت نفسه - حديث مكرر بالنسبة لما نقدمه، ولكن مما هو معلوم أن تاريخ الكويت لم يأت لنا كاملاً، بل إننا بين فترة وأخرى نطلع على شيء منه مما نجده من وثائق أو ما كتبه الزوار الأجانب الذي زاروا الكويت في أيامها القديمة فسجلوا ما رأوه بأعينهم، وأبدوا إعجابهم بما شاهدوه. واحتفظوا لنا بصورة نقية تُـمثِّل الماضي.
وها نحن نكرر المحاولة وسوف نخصص لها في هذه المرة ثلاث حلقات من الأزمنة والأمكنة وقد اخترنا عنواناً يدل على فحوى المقال بأقسامه الثلاثة الأول والثاني.
وعندما نقول في العنوان: نجوم في سماء الكويت فنحن - بالطبع - لا نعني النجوم السَّمَاوِيَّة المألوفة المنيرة للفضاء. ولكننا نقصد نجوماً أخرى بشرية سطعت في تاريخ الكويت، وقدمت للبلاد أجل الخدمات.
هناك رجال برزوا في بداية مسيرة الكويت ورجال برزوا بعد ذلك كانوا يقومون بأعمال مختلفة يعود نفعها على البلاد وأهلها، ولذا فقد ذكرهم الناس جميعاً وسجلت أسماؤهم في سجل تاريخ الكويت.
من هؤلاء من تولى حكم البلاد، ومنهم من كان من الأهالي الذين مثّلوا النخبة من أبناء الكويت، وسعدت الكويت بما قاموا به من أعمال.
وسوف نبدأ في القسم الأول من مقالنا هذا بذكر نشأة الكويت. ثم نذكر عدداً من حكامها بقدر ما يسمح به المجال، أما المقال الثاني فسوف يكون مخصصاً لبعض المواطنين من ذوي المبادرات إلى خدمة الوطن.
وسوف تكون البداية بما يلي:
1 - ارتبطت نشأة الكويت بالحكام من آل صُباح، حيث يذكر لنا التاريخ أن أول حاكم لهذه البلاد هو صباح بن جابر الذي اختاره الأهالي من بينهم ليتولى الحكم واستمر بيت الحكم في عقبه إلى اليوم.
وقد ذكرت الكتب أن صباح بن جابر الذي أشرنا إليه هنا قد تولى الحكم في فترة قريبة من سنة 1722م واستمرت إلى ما يقرب من سنة 1765م على اختلاف يسير بين المؤرخين في البداية وفي النهاية.
استمر هذا الرأي فترة طويلة إلى أن تكشفت الأمور عن معلومات تقتضينا النظر إليها بالاعتبار لأهميتها، من جهة، ولاعتمادها على أدلة يقينية من جهة أخرى.
وأول هذه الأمور رسالة كتبها الشيخ مبارك الصباح وأرسلها إلى الكولونيل بيرسي كوكس القنصل العام البريطاني في الخليج - آنذاك - يبلغه فيها بأن وكيل والي البصرة علي رضا باشا طلب من ممثل الشيخ هناك السيد عبدالعزيز السالم بياناً مكتوباً يبين الحدود التي يراها الشيخ ضمن بلاده. ومع هذه الرسالة صورة من البيان المذكور جاء في بدايته: «الكويت أرض قفراء، نزلها جدنا صباح عام 1022 هجرية»، ثم يذكر البيان بالتفصيل، مع ذكر أمراء المناطق الآهلة بالسكان، ثم يقول: «هذه حدودنا التي تلقيناها من الآباء والأجداد».
ومن الجدير بالذكر أن رسالة الشيخ إلى الكولونيل بيرسي كوكس، مؤرخة هي والبيان المرفق بها بتاريخ واحد هو اليوم الثامن والعشرون من شهر ربيع الأول لسنة 1331هـ الموافق ليوم السادس من شهر مارس لسنة 1912م، وكانت هذه آخر سنوات عمل كوكس في منصبه هذا إذ تم نقله في شهر ديسمبر من السنة ذاتها.
وهكذا نرى أن تاريخ نشأة الكويت هو ما ذكره الشيخ مبارك الصباح أي في سنة 1022 هجرية التي توافق سنة 1613م.
يؤيد هذا القول الكولونيل لويس بيللي الذي زار الكويت في اليوم السادس عشر من شهر يوليو لسنة 1863م، حين كان ممثلاً لبريطانيا في الخليج. فقد كتب في مذكراته: «تتولى عائلة الشيخ الحاكم الحالي حكم الكويت منذ حوالي خمسة أجيال أي منذ حوالي 250 سنة، ونظراً إلى أن هؤلاء الرجال يمتد بهم العمر حتى سن 120سنة، فلذلك نجد الجيل لديهم يمتد إلى ضعف ما يمتد إليه عندنا، أي لحوالي 50 سنة». ونحن إذا أنقصنا 250 سنة من سنة 1863م حصلنا على ناتج هو 1613م، وهو مُطابقٌ للتاريخ الذي ذكره الشيخ مبارك الصباح.
هذا، وقد كان حاكم الكويت في الفترة التي زارها فيها لويس بللي هو الشيخ صباح بن جابر بن عبدالله الصباح.
وفي وقت متأخر عن الوقت الذي تمت فيه زيارة المسؤول البريطاني إلى الكويت. وجدنا الشيخ محمد عثمان وهو من المؤرخين النجديين المشهورين، يذكر في كتابه «روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين» أن الكويت قد نشأت في سنة 1022هـ التي توافق سنة 1613م.
وللتدليل على صحة هذا التاريخ أننا نجد الكويت عامرة قبل الفترة التي تردد في بعض الكتب أنها نشأت فيها وهي سنة 1722م. وهناك الكثير من الإشارات إلى ما نقول ويكفي أن نضرب مثلين لذلك هما:
أولاً: وجود حياة مدنية وثقافية تعيشها الكويت ومن ضمنها جزيرة فيلكا التي عاش فيها الشيخ مسيعيد بن أحمد بن مساعد بن سالم الذي كان فقيهاً ومتابعاً للعلم الشرعي وقام من أجل ذلك في سنة 1682م بنسخ كتاب «الموطأ» للإمام مالك بن أنس وقد دل عمله هذا على أنه كان يعيش في بيئة تهتم بالعلم ودراسته. وأن الحياة العامة كانت تسير سيراً طبيعياً قبل سنة 1722م التي سبقها هذا العمل، فدل على أن السنة التي ذكرناها نقلاً عن رسالة الشيخ مبارك الصباح وهي سنة 1613م هي السنة التي تأسست فيها الكويت.
ثانياً: رحلة قام بها الحاج مرتضى بن علوان إلى الحج فمر في طريق عودته بالكويت في سنة 1708م، وقد وجدها بلداً عامراً بالمباني والأبراج والأسواق، فَوَصَفَ ميناءها وما يرد إليه من سلع، كما وصف ما هو متوافر فيها من مواد غذائية وغيرها.
ويكفي هذا للدِّلالةِ على أن نشأة الكويت سابقة على السنة التي يتردد ذكرها وهي سنة 1750م، بل إن وصف مرتضى بن علوان للبلاد عندما شاهدها في سنة 1708م يدل على وجود بلد متكامل النمو لا بد وأن يكون بدء نموه سابقاً لتاريخ وصول هذا الرحالة بعشرات السنين.
يقول ابن علوان متابعاً وصف رحلته: «... ثم إلى مُضيِّ خمسة عشر يوماً دخلنا بلداً يقال لها الكويت بالتصغير (وهي) بلد لا بأس به، تشابه الحسا إلا أنها دونها، ولكن بعمارتها وأبراجها تشابهها».
هذا هو وصف الكويت في سنة 1708م وهو وصف قدمه لنا شاهد عيان موثوق به قادم من الحج متجه إلى وطنه سورية ليس هناك داع يدعوه إلى كتابة شيء غير الحقيقة.
وإذا انقصنا سنة 1613م من السنة التي زار فيها مرتضى بن علوان الكويت وجدنا الفرق خمساً وتسعين سنة، وهي المدة التي سارت بها البلاد منذ نشأتها حتى تطورت إلى ما صارت إليه عند الزيارة التي ذكرنا طرفاً منها.
فكيف نستطيع أن نقول: إن نشأة الكويت كانت في حوالي سنة 1750م بينما هي عامرة بالسكان والأبراج والمباني والأسواق إضافة إلى الميناء في سنة 1708م.
إذن وبناء على كل ما قدمناه هنا نستطيع أن نؤكد قول الشيخ مبارك الصباح بأن الكويت قد نشأت في سنة 1613م. وهو أمر تؤكده دلائل أخرى ولكننا في هذا المقام نكتفي بما تقدم ذكره.
ثالثاً: بالقرب من جامعة الكويت، حيث المقر السابق لمدرسة الشويخ الثانوية الشهيرة جزيرة تسمَّى الجزيرة الصغيرة، وتسمى أحياناً العكاز، وهي تحمل في الوقت نفسه اسم (القرين)، وهذا من بقايا الاسم القديم الذي كان سائداً في هذه المنطقة وكان يطلق على الجزيرة المذكورة وعلى البر المجاور لها. ولقد أدخلت - أخيراً - ضمن منطقة ميناء الشويخ بعد أن ضُمَّت إلى اليابسة، وكانت هذه تُشكّل تلاً مستطيلاً يميل إلى الانحناء قليلاً، وهو الذي يسمى القرين أصلاً.
كانت دائرة الآثار والمتحف بوزارة الإعلام قد قامت بعدة استطلاعات حول هذه الجزيرة ابتداء من سنة 1972م، وجمعت بعض القطع الأثرية المتناثرة في الموقع. وعن هذا العمل قام الأستاذ جواد كاظم النجار بكتابة كراسة تحت عنوان: «التنقيب في جزيرة عكاز (القرين) 1978م - الموسم الأول»، وقد نُشرت هذه الكراسة ضمن مطبوعات مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية التي تصدر عن جامعة الكويت. وقد جاء في النشرة تفصيل ما حدث بشأن الآثار التي عُثر عليها وكيف تم ذلك، ومما جاء بهذا الخصوص قول كاتبها: «في سنة 1973م، وعند مجيء البعثة الأمريكية لجامعة جون هويكنز للتنقيب في جزيرة فيلكا، أخذنا هذه البعثة إلى الجزيرة (الصغيرة) للتعرف على رأيهم حول تلالها، وكان رأي رئيسة البعثة أن المواد التي جمعت من هناك تعود لفترات مختلفة منها الإسلامي في القرن السابع عشر»، وبغض النظر عن باقي الأشياء التي وجدت من عصور أخرى فإننا نكتفي بهذا الزمن الذي يتلاءم مع زمن نشأة الكويت، وإذا كنا قد قلنا إن الكويت قد نشأت في سنة 1613م وهي بداية القرن السابع عشر، فإن المباني التي وجدت لها بقايا في حفريات القرين، إنما تدل على وجود الحياة الحضرية في هذه المنطقة، وهي تؤكد ما ذكرناه عن تاريخ النشأة.
ليس خافياً أن الاسم الذي كان يطلقه الأهالي على هذا الموقع هو القرين، وهو اسم كان بالإضافة إلى هذا المكان المحدَّد يشمل المنطقة التي صارت هي الكويت فيما بعد. وقد كانت هذه المنطقة معروفة بالاسمين عندما زارها الحاج مرتضى بن علوان الذي ذكرنا - فيما مضى - أنه زار الكويت في سنة 1708م. فهو يقول: «وهذه الكويت المذكورة اسمها القرين».
إذن!! فإن هذا الاسم من الأسماء التي ذكرت عنواناً على هذه المنطقة التي نعيش على ثراها. إذ كان شائعاً قبل أن يطلق اسم (الكويت) على المنطقة، ثم صار الناس يطلقون الاسمين عليها في وقت واحد، ثم انفرد الاسم الحالي.
كان القرين مأهولاً بالسكان كما بينت الآثار التي أشرنا إلى العثور عليها وبخاصة في الفترة التي يعنينا الحديث عنها. وثبات تسميته على الخرائط الجغرافية القديمة دليل قاطع على ذلك. وبين أيدينا الآن خريطة هولندية المنشأ، نشرها الجغرافي الشهير فإن كيلين في سنة 1753م، كما نشرها سلوت في كتابه نشأة الكويت، وأصل هذه الخريطة مَحْفُوظٌ في مكتبة الأرشيف الوطني العام لهولندا، ومن المعروف أن الأسطول الهولندي - في ذلك الوقت - كان يجوب الخليج وكانت لهولندا أعمال تجارية معروفة ومكتب تمثيل تجاري في هذا المكان من العالم. وليس من شك في أن (القرين) لم يذكر إلا لوجود سكان فيه، عرف الهولنديون اسمه منهم، بدليل أن الخريطة لا تحتوي عدداً كبيراً من أسماء المواقع الصحراوية عديمة السكان.
ولفظ القرين في اللغة هو تصغير كلمة قرن. وهذا اسم شائع في الجزيرة العربية وفي غيرها من بلدان العرب.
والقرين - في الأصل - مصطلح جغرافي يُطلق على شكل من أشكال سَطْحِ الأرض، ومعناهُ اللغوي: رأس الجبل أو التل، وقد جاء في كتاب لسان العرب لابن منظور قوله: «وقرن الأكمة: رأسها، وقرن الجبل: أعلاه»، ولهذا أطلق على التل الواقع على ساحل البحر بالقرب من ميناء الشويخ المقابل للجزيرة الصغيرة (أم النمل) اسم القرين، ثم السحب على بقية المنطقة - بعد أن توطد نظام الحكم حوله، على أن هذا الاسم يطلق كذلك على موقع آخر في جنوبي الكويت بالقرب من الوفرة.
ولنا وقفة أخرى مع هذا الموقع.
ذلك لأن الأمر يقتضي الإطالة في هذا الموضوع بسبب أن هذه المنطقة هي أصل الكويت، وهي أول موطئ قدم للكويتيين، وفيها نشأ النظام الذي لا يزال قائماً حتى الآن. لقد بدت الحاجة إلى وضع نظام يكفل الحياة المستقرة لأولئك الذين ازداد عددهم سنة بعد أخرى، وذلك لورود هجرات متعددة وللولادات التي تحدث بين الأهالي بطبيعة الحال.
يقال إن أكبر مجموعة من الناس جاءت للسكن في القرين تلك المجموعة التي كان يطلق عليها اسم: العتوب وكان هؤلاء قد نزحوا من عدة مواقع حتى وصلوا إلى المكان الذي نتحدث عنه، ولكنهم عندما حطوا رحالهم في القرين كانوا قد اكتسبوا خبرات كثيرة تجارية وبحرية بحيث تسارع بوجودهم نمو المنطقة، وزاد عمرانها وعدد سكانها. وفي وقت مبكر من زمان وصولهم كانوا قد بدأوا في تشغيل أسطولهم البحري وزادوا عليه بما جلب من مصالح مالية، وبما اقتضى ورود أعداد أخرى إلى القرين من أجل العمل. لقد جاء العتوب إلى هذا المكان رغبة في الاستقلال والبعد عن المشكلات التي قد تسبب في إحداث صعوبات لهم فيما لو عاشوا في كنف إحدى الجهات القائمة في ذلك الوقت كالدولة العثمانية على سبيل المثال. وقد اختلف الناس في تحديد التاريخ الذي وفد فيه هؤلاء ولكن موعد الوصول إلى ذلك صعب لعدم وجود التدوين الذي يحفظ مثل هذا الأمر. وَإِنْ كنا وجدنا من يقول إن هجرتهم كانت في سنة 1701م تقريباً، ولكن المعوَّل عليه هو أن هذه هي إحدى الهجْرات التي جلبت العتوب لكي تستقر مجموعتهم كاملة في القرين ولم تكن الهجرة التي قيل إنها تمت في حوالي سنة 1701م هي الأولى كما أنها لم تكن الأخيرة.
لقد كان العتوب عبارة عن تشكيل جماعي من ثلاثة فروع هم آل صباح، وآل خليفة، وآل جلاهمة. وهذا هو ما أجمع عليه مؤرخو الكويت دون استثناء.
لم يَمُرَّ بقاء السكان في القرين دون أن يكون لها ذكر مكتوب وبخاصة في الوثائق الأوروبية، إذ كان الأوروبيون منتشرين في الخليج ولهم صلات مع القرين بالذات وبخاصة بعد أن تَكَوَّنَ نظام الحكم، وصارت الأرض والمجموعات البشرية التي تعيش عليها، تشكّل ما يمكن أن يطلق عليه دولة، بل أصبحت هذه الدولة تسعى باستمرار إلى توطيد أركانها، وبث سمعتها الطيبة في كل مكان وأصبح المكان آمنا يلجأ إليه طالب الأمان مهما كان. ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب «نشأة الكويت» الهولندي سلوت وهو قوله: «وتأتي أول إشارات للقرين في الوثائق الأوروبية مرتبطة بفضيحة كبرى في شركة الهند الشرقية الهولندية، فقد كان هناك شخص يدعى فرانس كانتر Frans Canter وهو كاثوليكي روماني من مواطني مدينة أمستردام المقيم الأول في مؤسسات الشركة في البصرة منذ عام 1747م، وفي عام 1749م أراد المدير العام لشركة الهند الشرقية الهولندية أن يعين مكانه البارون تبدو فردريك ?ان كنيبهاوزن T.F.Vun Kniphausen. وعندما سمع كانتر الذي يبدو أنه كان مداناً بالاختلاس بوصول كنيبهاوزن هرب بعيداً عن البصرة. ففر إلى القرين ومن هناك انضم إلى قافلة متجهة في رحلة مباشرة من القرين إلى حلب ومن ميناء الإسكندرية سافر كانتر إلى أمستردام، حيث لم تستطع شركة الهند الشرقية أن تجعل حكومة مدينته ذات الحكم الذاتي قادرة على مقاضاته.
إن هروب كانتر إلى القرين ليظهر بجلاء صفة أساسية للكويت، فقد كانَ وضعها السياسي خارج نطاق نفوذ الحكومة العثمانية في البصرة. وهكذا فقد كانت ملاذاً للأشخاص والتجارة على حد سواء عندما كان هناك خطر من القلاقل في البصرة لسبب أو لآخر. فهذه المدينة التجارية الصغيرة الواقعة في الصحراء ولدت واستمرت في النمو لأنها بكل بساطة كانت خارج منطقة العراق العثماني المضطربة.
وخلال إقامته في القرين كتب كانتر رسالة إلى قسيس كرملي في حلب وهي أقدم رسالة باقية كتبت في الكويت ولم يعثر على أصل هذا الخطاب، ولكن خلال الإجراءات القانونية قام كاتب العدل في أمستردام بإعداد ملخص موثق عن ذلك الخطاب هو الذي وصل إلينا وهو الآن في محفوظات (أرشيف) الدولة العامة بهولندا».
وتدلنا حكاية هروب فرانس كانتر على شيء مهم يتعلق بالقرين وأهلها في سنة 1750م. فقد تم تبادل رسائل بخصوص هذا الشخص كان منها رسالة كتبها موظف في القنصلية الهولندية في سوريا يدعى بولارد وأرسلها من حلب بتاريخ الرابع من شهر مايو لسنة 1750م إلى السفير الهولندي في اسطنبول وفيها: «... أخبرك بالأنباء المؤكدة أن مستر كانتر قد هرب من البصرة في ليلة الثامن من مارس دون تسليم الأموال والبضائع إلى خَلَفه، ويقولون إنه سيمكث في قرية عربية تسمى القرين بهدف القدوم إلى حلب في أقرب فرصة»، وفي رسالة أخرى من بولارد صدرت في اليوم الأول من شهر يونيو للسنة ذاتها ما يفيد بأن القرين كانت تسيِّر قوافل منتظمة إلى حلب في شمالي سوريا، وأكثر من ذلك أنها كانت تستقبل القوافل التي تمر عليها في طريقها إلى أماكن أخرى مجاورة. فهو يقول مرة عن كانتر أنه كان في القرين بنية السفر مع القافلة التي يتوقع أن تصل في ظرف حوالي ثلاثة أسابيع إلى حلب. ويقول في مكان آخر في اليوم السابع والعشرين من الشهر الحالي (ربما قصد شهر مايو) غادرت قافلة كبيرة من هنا إلى البصرة، وقد أرسل معها كمية كبيرة جداً من القرمز إلى فارس، ولكن هذه القافلة سوف تذهب عن طريق القرين دون المرور بالبصرة».
وكانت لممثل هولندا في الخليج قصة أخرى تمت خلال شهر أبريل لسنة 1758م ذات علاقة بقافلة الجمال التي تبدو أنها لا تزال على وضعها منذ الحادث السابق وقد وصفت آنذاك بأن القافلة الواحدة منها تتألف من خمسة آلاف جمل وألف رجل.
كل ذلك يعطينا صورة واضحة عن القرين، ويدلنا على طبيعة الحياة فيها، وأن اللاجئ لا تصل إليه يد أحد، وهذا يدل على عدم خضوع البلاد لأية سلطة غير سلطتها.
رابعاً: مضى زمن القرين حين رأى سكانه أن عددهم قد ازداد، وأنهم في حاجة إلى بناء عاصمة جديدة لبلادهم تكون في مكان ملائم للوضع الجديد الذي يريدون أن يكونوا عليه، وقد كان ذلك حين بدأ الاستقرار في الكويت التي صارت هي العاصمة وصار اسمها هو الاسم الشامل للبلاد. وفي هذه الفترة بل قبلها بقليل كان الحاكم هو الشيخ صباح بن جابر، وقد عني بتحقيق الهدف الجديد فأنشأ الكوت على شكل قلعة كما رأه زوار الكويت القدماء، واتخذه مركزاً للعاصمة من جهة، ودرع حماية لها من جهة أخرى، ثم تم له بعد ذلك وبالتدريج الانتقال إلى المكان الجديد.
في حديث الشيخ عبدالعزيز الرشيد عن نشأة الكويت يقول: «الذي يصح لنا الجزم به أنها (يقصد الكويت) كانت موجودة قبل سنة 1135هجرية، اعتماداً على ما قاله الشيخ إبراهيم بن عيسى النجدي في إجازته لأستاذنا الجليل الشيخ عبدالله الخلف الدحيان، فقد ذكر في سلسلة مشائخه الشيخ محمد بن فيروز جد بن فيروز المشهور، وقال إنه توفي في الكويت سنة 1135هـ»- (1722م).
والشيخ الرشيد يربط تاريخ نشأة الكويت بتاريخ وفاة ابن فيروز الذي ذكر أنه أول قاضٍ للبلاد. ولم يتأكد حتى الآن أنه هو القاضي الأول، فقد كان الرشيد متشككاً في ذلك. وتبعه في عدم الأخذ بهذا الأمر الشيخ يوسف بن عيسى القناعي.
إذا كان القاضي ابن فيروز قد توفي في الكويت سنة 1722م التي تعادل السنة الهجرية 1135هـ، فمعنى ذلك أنه كان يعمل - بالطبع - قبل هذا التاريخ، وإذا تأكد أنه ليس القاضي الأول عندنا، فإن هذا التاريخ يرجع إلى الوراء كثيراً. وهناك دليل ساطع على ذلك وهو تاريخ إنشاء مسجد البحر الشمالي الذي كان موقعه أمام قصر السيف من جهة الجنوب، وقد هُدِمَ الآن للأسف الشديد. ومن المسلّم به أن هذا المسجد قد بُني في سنة 1670م وجُدِّد بناؤه للمرَّةِ الأولى في سنة 1745م، ولم يبن المسجد إلا لحاجة السكان من حوله ووجود السكان هناك في سنة بنائه دليل على بداية الكويت التي تسبق كل التوقعات، وفي ذلك تقليل لفترة سُكنى القرين بالتحول عن اعتبار القرين عاصمة ومقراً للحكم.
لقد ذكرنا فيما سبق ما كتبه الشيخ مبارك الصباح حول نشأة الكويت، وأن ذلك تم في سنة 1613م. ولكن الفترة التي نتحدث عنها في هذه الحلقة إنما هي فترة لاحقة لذلك الزمن، وهي فترة نشأة العاصمة وإطلاق اسمها على بقية أراضي البلاد، وسوف يكون لنا - فيما بعد - حديث عن فترة حكم الشيخ صباح بن جابر، الذي لا يمكن أن يكون هو الذي أشار إليه الشيخ مبارك في رسالته المشهورة التي أوردنا نصها. لأن الفارق الزمني بين نشأة الحكم في القرين ونشأة العاصمة الجديدة آنذاك وهي (الكويت) فارق كبير فلا يمكن أن يكون الشيخ صباح بن جابر قد عاش طوال هذه المدة. مما يدل على وجود حكام من آل الصباح يسبقونه في الحكم، كما يدل على أن مقر حكمهم كان في (القرين)، حيث إن الشيخ صباح بن جابر هو الحاكم الأول للكويت بالوضع الذي صارت إليه بعد الانتقال من منطقة (القرين)، ومعه بدأت البلاد سيرها في مرحلة جديدة أدت إلى ما وصلنا إليه وهي مرحلة - إلى حد ما - واضحة المعالم كتب عنها ووصفت بعض معالمها وإن كنا نطمح إلى المزيد من التفصيل. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن اسم الكويت والقرين كانا متلازمين فترة طويلة من الزمن إلى أن جاء الوقت الذي اقتصر اسم البلاد على (الكويت).
خامساً: ثم برز اسم الكويت، فلقد قام العتوب الذين ذكرناهم فيما سَبَقَ ببناء الكوت وهو ما يمكن أن يطلق عليه اسم القلعة مع أنه أقل في مواصفاته من القلعة المتعارف على شكلها، ولكن الوصف الذي ذكره الميجر كولبروك الذي زار المنطقة ثم كتب تقريره المؤرخ في اليوم العاشر من شهر سبتمبر لسنة 1820م يدل على شكل الكوت بصورة واضحة، فهو يقول: «وأول مستوطنة على رأس الخليج هي الكويت، التي تقع على مرفأ صالح لرسو السفن، ويقطنها خليط من العرب الخاضعين لآل صباح، وهم فرع من قبيلة العتوب، وتقوم على حمايتها قلعة مزودة بعشرين مدفعاً».
وكولبروك وإن كان لم يتحدث بتفصيل أكثر عن القلعة التي هي (الكوت) ولم يذكر لنا من هو باني هذا الصَّرح. إلا أنه قدّم وصفاً له يختلف عن الوصف الذي ذكره له المؤرخون الذين كتبوا عنه دون أن يشاهدوه. في الوقت الذي نرى شاهد العيان هذا يذكر أنه بناء على شكل قلعة حصينة مزودة بعشرين مدفعاً، مما يؤكد أن الكويتيين قد بنوا الكوت، مؤسسين له بشكل يغطي احتياجاتهم الدفاعية، وزَوَّدُوهُ بالأسلحة المناسبة، وكان بناؤه متلازماً مع فترة انتقالهم من القرين إلى المنطقة الجديدة أو قبلها بقليل. وهذا الذي قلناه بشأن بناة الكوت الذي من الواضح أنه ليس مخزناً للأغذية ولا منتجعاً صيفياً كما يردد البعض. ذكره الأستاذ عبدالعزيز الرشيد في كتابه تاريخ الكويت ضمن أقوال أخرى عن هذا الموضوع فقال: «وقيل أسسه آل الصباح أنفسهم» ولا شك في أن هذا القول قديم وكان ينبغي الاخذ به منذ ذلك الوقت.
إضافة إلى كولبروك فقد ذكر الكوت أيضاً لويس بيللي الذي كتب تقريره المشتمل على بيان رحلته التي جاء فيها إلى الكويت ضمن مناطق أخرى. وأرّخه في اليوم السادس عشر من شهر يوليو لسنة 1863م، وفي التقرير المشار إليه يقول: «ثم أقبل أول الشيوخ (الرئيس) بعد ذلك عِبْرَ خور بوبيان مع أتباعه، وحط الرحال على الخليج (في الموضع) الذي يسمى الآن الكويت أو القرين، وبعد أن عبر الخليج استقر على الشاطئ، وأقام قلعة أو «كوتا» ومن هنا - يقول بيللي - اشتُق اسم الكويت».
وهذه - أخيراً - نبذة عن مُسَمَّى الكويت وعن استعمالات الكلمة في الكويت وفي خارجها مع ذكر أصل التسمية.
فإنه من الجدير بالذكر أن نقول إنَّ كلمة (كوت) كانت إلى وقت قريب مستعملة في الكويت على نطاق واسع، وقد تعارف الناس على إطلاقها على كل أرض مسورة، وعادة ما تكون مزروعة ببعض الأشجار، محتوية على آبار مياه يرتوي منها الناس، وقد اعتبر بعضها مورداً من الموارد المهمة التي تمد المواطنين بمياه الشرب، وقد عرف عدد من الأكوات لا يزال كبار السن من الكويتيين يذكرونها ومنها كوت الشامية، وكوت الهويدي، وكوت المزيد، وكوت الغيث وكوت الجراح، وغيرها كثير.
وقد أخذت هذه الأكوات تتساقط ثم تنسى حين بدأ التعمير مع بداية الخمسينيات من القرن العشرين.
ونعود هنا لنقول إن كلمة (كوت) ذات أصل برتغالي، ومما يؤيد ذلك ما ذكره قطب الدين محمد بن أحمد المكي في كتابه «البرق اليماني في الفتح العثماني» حين تحدث عن البرتغاليين الذين كان يُعبِّر عنهم باسم (الإفرنج) فقال: «فكثروا في بحر الهند، وبنوا في (كوَّه) من بلاد الدكن قلعة يسمونها (كوتا) ثم أخذوا (هرموز) وتقووا هناك، وصارت الأمداد تتوالى عليهم من البرتغال»، فالكوت الذي بناه هؤلاء في مدينة (كوَّه)، وتسمى اليوم جُوَّا (بجيم قاهرية)، هو المبنى الذي تكرر بناء مثله - بالاسم نفسه - في مناطق أخرى نقلاً عن البرتغاليين، ولم يعد مرتبطاً بمنطقة بعينها، فالاسم والشكل منتشران في أماكن عدة.
سادساً: وينبغي أن نتحدث عن سكان الأراضي الكويتية في الزمن القديم، لأنه قد ثبت أن هذه البلاد لم تكن خالية من قبل وتحدثت المراجع عن هذه المنطقة، وأوردت كثيراً من أخبار سكانها متحدثة عن أنسابهم، والحوادث التي مرت بهم، وتنقلاتهم عبر هذه الأرض التي شهدتهم وهم يعيشون على ثراها، ويملؤونها حيوية ونشاطاً، كما روت تلك المراجع أخبار الشعراء الذين دوَّى صوتهم بين أنحاء كاظمة والسيدان وغيرهما من المواضع داخل حدود الكويت اليوم. ويمكننا أن نذكر من تلك الكتب: كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي، وكتاب معجم ما استعجم للبكري، وصفة جزيرة العرب للهمداني، وبلاد العرب للحسن الأصفهاني، وغيرها كثير. كما تناولت كتب الأنساب كثيراً من المعلومات عن السكان، وأنسابهم، وعلاقاتهم الإنسانية، وغير ذلك من الأمور ذات العلاقة بأمور حياتهم المختلفة، وهذه هي صورة السكان التي وجدناها في تلك المراجع التي أشرنا إليها:
إياد:
من أوائل من عرفنا من سكان أرض الكويت قبيلة عربية تدعى قبيلة إياد، وهي قبيلة ذات شرف ومنعة وعدد، نزحت من وسط الجزيرة في أوائل القرن الثالث الميلادي إلى كاظمة وما حولها، ثم امتد سلطانها على مناطق عدة إلى الشمال حتى وصلت أعداد من تلك القبيلة إلى أرض الروم، وبذلك تكون المنطقة الخاضعة لنفوذهم ممتدة من كاظمة إلى تركيا عبر العراق وسوريا وما حولها.
وقد حدثت لأبناء هذه القبيلة الكبيرة أحداث نتيجة احتكاكهم مع الفرس، فغزاهم الإمبراطور الفارسي آنذاك واضطرهم إلى النزوح شمالاً، وَتَرْكَ مساكنهم في المنطقة الكويتية، وبما أن الفرس قد استعانوا في حربهم لإياد بقبيلة بكر بن وائل، فقد حلّت هذه القبيلة محل إياد في أكثر مساكنها وبخاصة في كاظمة وما حولها.
بكر بن وائل:
وبكر بن وائل قبيلة عظيمة كثيرة العدد عريقة النسب، كانت ديارها ممتدة من اليمامة في نجد حتى البحرين، ثم اجتازت ذلك عبر كاظمة إلى مناطق في العراق وفي الشام، ووصلت إلى تركيا ولا تزال منطقة ديار بكر معروفة بهذ الاسم في الموضع المتاخم لسوريا من تركيا.
وقد أقام هؤلاء القوم في المنطقة التي ذكرنا بعد قبيلة إياد كما مر بنا، وكانت بكر بن وائل من القبائل التي اشتهرت بحروبها الكثيرة على عدة جبهات، منها الجبهة الفارسية التي جهز ملكها شابور في حوالي سنة 330م جيشاً كبيراً من أجل تأديب القبيلة التي باتت تقضّ مضجع العملاق الفارسي الذي كان يُشَكَّلُ إمبراطورية كبرى في ذلك الوقت.
وكانت الحرب لا تهدأ بين بكر بن وائل وقبيلة بني تميم، وذكر التاريخ أسماء المعارك التي دارت بين هاتين القبيلتين الكبيرتين ومنها تلك المعركة التي سميت: يوم الصُّليب، والصليب كما ذكر في الكتب جبل عند كاظمة.
ويبدو أن شدة ضغط الحروب في هذه المنطقة هي التي دفعت بكر بن وائل للنزوح شمالاً، حيث تخلت عن مواقعها في جزيرة العرب ليحتلها بنو تميم، ويستمر بقاؤهم فيها حتى ما بعد الإسلام.
ومن بني مالك بن ضبيعة الذين ينتمون إلى بكر بن وائل الشاعر ربيعة بن سفيان بن مالك بن ضبيعة وهو المرقش الأصغر الذي عاش في كاظمة.
ومن الجدير بالذكر أنه عندما انزاحت بكر بن وائل عن كاظمة بقيت على أطراف المنطقة أعداد من قبيلة بني شيبان البكرية، وكذلك بقيت أعداد أخرى في جنوبي المنطقة وهم عبدالقيس الذين عاشوا في منطقة الأحساء والبحرين الحالية وما جاورها.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد