loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رأي فلسطيني

الإنسان بين الجبر والاختيار


نعتقد بأن المحاولات الجديدة التي تُبذل لنهضة الروح الديموقراطية في الإسلام لا تنجح إلاّ بقدر ما تضع في ضمير المسلم الاساس بقيمته وقيمة الآخرين حتى لا يقع في هاوية العبودية والاستعباد، ويتضمن القرآن آيات صريحة تؤيد الجبرية والاختيار، فماذا كان موقف المفسرين منها بعد أن اشتد الخلاف في التفكير الإسلامي القديم حول الحرية الإنسانية إزاء القانون الإلهي أعني القضاء والقدر؟ لقد فصَّل المفسِّرون المحدثون البيان في التعبير عن استقلال إرادة الإنسان، فندد الشيخ محمد عبده (المصري) بمذهب الجبرية ورأى فيه ما يؤذن بضعف شخصية الفرد.. لكنه نبّه إلى فضل الاعتقاد بالقدر إذا تجرد عن شناعة الجبر. وفق كلام أستاذنا الجامعي في كلية الآداب بجامعة عين شمس عفت الشرقاوي قبل أقل من خمسين سنة. وقد أشار المحدثون إلى قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، ليبينوا أن الله عز وجل يعد الإنسان ليكون مخلوقاً راشداً مسؤولاً مؤتمناً على نفسه، تتاح له الفرصة للعمل ويؤخذ بما عمل. ويشيرون إلى قوله تعالى «لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر «كل نفس بما كسبت رهينة» وفي تعبير «كل نفس بما كسبت رهينة» تقرير قرآني حاسم بمسؤولية الناس عن أعمالهم وقابليتهم للكسب والاختيار.
ثم ان الله كلّف ووعد وأوعد في آيات كثيرة وذلك يقضي بالاختيار وهي حقيقة يلخّصها أحد المفسرين المحدثين حيث يقول: لقد كلّفكم الله بناء على ما منحكم من قوة وإرادة، ورتب جزاء المحسن على إحسانه وجزاء المسيء على إساءته وإنَّ علم الله بما سيكون من عبده باختياره ليس فيه جبر ولا إلزام.. والكلام مازال للدكتور عفت الشرقاوي في كتابه اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث.
إنَّ موقف المفّسرين المحدثين من قضية الإرادة كما مرَّ بنا يدلّ على أن التفكير الحديث يسير في اتجاه التسليم بالحرية الإنسانية، وإنّ قضية الحرية والمسؤولية قديمة قدم الإنسان نفسه، فحين أمر الله آدم ألا يقرب شجرة معينة في الجنة كان هذا التحريم ينبئ عن وجود إرادة بشرية خلقت لتصارع الشر المتمثل في إبليس.
إذن تاريخ الإنسان نفسه بدأ بعمل اختياري يمثل إرادة الفرد، فلا عجب أن ترتبط الإرادة الحرة بجوهر الإنسان لأنها سرّ وجوده الواعي.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما دام المفسرون المحدثون يقولون بحرية الإنسان فما تفسيرهم للآيات التي فهم منها أن الإنسان مجبر مثل «كذلك يضلّ الله من يشاء ويهدي من يشاء»؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أيضاً: مادام التفسير في العصر الحديث يسير في اتجاه التسليم بالحرية الإنسانية، فكيف وفق القرآن بين الإرادة الحرّة للإنسان وبين خير المجتمع الذي قد يحدّ من هذه الإرادة ؟
يجيب على هذا السؤال أيضاً استاذنا الدكتور عفت محمد الشرقاوي في كتابه «اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث» فيقول: ان الكون يحكم بقانون أخلاقي وهذا القانون لا ينفذ آليا ولكنه نافذ حتماً، إنه الحكم القاطع لإرادة الله على أعمال البشر، فإذا خالف الناس أوامر الله ونواهيه.. ذاقوا العواقب التي لا مفرَّ منها، فالتاريخ على هذا مزيج مشترك من الحرية الإنسانية وحكم الله تعالى.
ويختم بقوله: «لقد حرص القرآن الكريم على أن يجمع بين عنصري الإيمان بحرية الإنسان والعمل على تحقيق مصلحة المجتمع في الوقت نفسه، لأن العجز عن إدراك المشيئة الإلهية إدراكاً حقيقياً قد يطلق إرادة الفرد بلا حدود، فيتمزق ما يربطه بمجتمعه، وإن العجز عن إدراك الفاعلية الإنسانية قد يقتل في الإنسان إرادة الحياة، فيتمزق ما يربطه بمجتمعه أيضاً.. شيء محيِّر.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد