loader

وطن النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

خطباء المنابر الحسينية سردوا تفاصيل واقعة الطف

الحسينيات أحيت ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام)


احيت الحسينيات صبيحة امس ذكرى فاجعه عاشوراء الاليمة فبعد ليلة كاملة أحيوها حزناً وبكاء لذكرى فاجعة يوم العاشر من شهر محرم الحرام من عام 61 هـ وهو يوم واقعة الطف الأليمة بأرض كربلاء التي شهدت استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) وجمع من اهل بيته واصحابه.
فمنذ الصباح الباكر بدأت الحسينيات المراسم بتلاوة القرآن الكريم ثم قرأ خطباء المنابر الحسينية المقتل وهو صورة حية وسرد لتفاصيل ما حدث في واقعة الطف في كربلاء وأي ظلم وجور وقع لآل بيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وكيف كانت حالهم في مثل هذا اليوم، فلم يجد الحاضرون لإحياء العزاء إلا فيض الدموع واللطم على الرؤوس والصدور ليفرغوا ما بداخلهم من أحزان وآهات لما جرى للحسين (عليه السلام) وأصحابه واهل بيته عليهم السلام وبعدها توجهت الجموع الغفيرة بالدعاء والتوسل لله عز وجل في هذا اليوم.
وأكد خطباء المنابر الحسينية ان الإمام الحسين -عليه السلام- وأصحابه قضوا ليلة العاشر من المحرم بالصلاة والدعاء، وقراءة القرآن، وكان لهم دوي كدوي النحل، كما كانوا يجهزون سيوفهم ورماحهم، استعدادا للقاء الله تعالى عند استشهادهم وقد طلب الإمام الحسين (عليه السلام) في صباح اليوم العاشر إتماما للحجة على أعدائه من جيش يزيد، أن ينصتوا إليه لكي يكلمهم، إلا أنهم أبوا ذلك، وعلا ضجيجهم، وفي النهاية سكتوا، فخطب فيهم معاتبا لهم على دعوتهم له، وتخاذلهم عنه.
وكما حدثهم الامام الحسين -عليه السلام- بما سيقع لهم بعد مقتله، من ولاة بني أمية، مما عهد إليه من جده رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو ما تحقق فعلا. وخصَّ في ذلك عمر بن سعد، الذي كان يزيد يمنيه بجعله واليا وبأن حلمه ذاك لن يتحقق، وأنه سوف يقتل، ويرفع رأسه على الرمح.
وفي اليوم العاشر من محرم الحرام أمر الامام الحسين (عليه السلام) بحفر خندق حول ظهر المخيم وملأه بالحطب وامر باحراقه لئلا يأتيه العدو من الخلف، حتى ان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله عندما أقبل ورأى النار في الخندق، تعجب، فصاح: يا حسين تعجلت بنار الدنيا قبل نار الاخرة. فقال الامام الحسين (عليه السلام): يا بن راعية الماعز أنت اولى بها مني صليا، وكان الى جانبه برير، فقال سيدي إئذن لي ان ارمي هذا الفاسق بسهم، فمنعه الامام الحسين (عليه السلام) وقال: إني اكره أن أبدأهم بقتال ثم رجع الامام الحسين الى اصحابه وقال لهم: إن الله قد أذن بقتلي وقتلكم في هذا اليوم فاستعدوا للصبر والجهاد، وفي صبيحة يوم عاشوراء أخذ عمر بن سعد لعنه الله سهما ووضعه في كبد القوس والتفت الى قادة الجيش وقال: اشهدوا لي عند الأمير ابن زياد لعنه الله أني اول من رمى الحسين بسهم، ثم رمى بسهم نحو مخيم الحسين وتبعه الجيش فجاءت السهام نحو مخيم الحسين (عليه السلام) كأنها المطر حتى لم يبق احد من اصحاب الحسين إلا واصابه من سهامهم، عند ذلك التفت الامام الحسين -عليه السلام- الى اصحابه قائلا: قوموا يا كرام الى الموت الذي لابد منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم، فقام اصحاب الحسين، وبدأت الحملة الاولى حيث التحم الاصحاب مع جيش العدو وانجلت الغبرة عن خمسين صريعا من اصحاب الحسين، بعد ذلك قالوا تقدم الحسين (عليه السلام) وقد افرغ على نفسه مواريث جده رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فوقف بازائهم وجعل ينظر اليهم كأنهم السيل ثم قال: أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله؟ قالوا: اللهم نعم، قال: ناشدتكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله؟ هذا فرس رسول الله؟ هذا رداء رسول الله؟ قالوا: نعم. الى ان قال: ناشدتكم الله هل تعلمون أني ابن بنت رسول الله؟ قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون انه ليس في شرق الارض وغربها ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم؟ قالوا: اللهم نعم، قال: إذن بم تستحلون دمي؟ قالوا: يا حسين انزل على حكم الأمير فلسنا تاركيك حتى تنزل على حكم يزيد بن معاوية، فقال الامام الحسين (عليه السلام): الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة باهلها حالا بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن اليها وتخيب طمع من طمع فيها وإني أراكم قد اجتمعتم على امر قد اسخطتم الله فيه عليكم واعرض بوجهه الكريم عنكم وجنبكم رحمته واحل بكم نقمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد انتم أقررتم بالطاعة وامنتم بالرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم عدوتم على عترته وذريته تريدون قتلهم فتبا لكم ولما تريدون وانا لله وانا اليه راجعون، فصاح ابن سعد كلموه فإنه ابن ابيه علي بن ابي طالب عليهم السلام والله لو وقف فيكم يوما كاملا لما كل ولما حصر، فناداه الشمر لعنه الله: ما تقول يا بن فاطمة؟
فقال الامام الحسين (عليه السلام): أقول اتقوا الله ولا تقتلوني فإنه لا يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي فإني ابن بنت رسول الله وجدتي خديجة الكبرى وقد بلغكم قول نبيكم لي ولأخي، (الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة)، فإن صدقتموني فيما اقول وهو الحق فالله اولى بالحق والله ما تعمدت كذبا كذبا منذ علمت أن الله يمقت عليه اهله، وان كذبتموني فان فيكم من اذا سألتموه عن ذلك اخبركم سلوا جابر بن عبد الله الانصاري وابا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي والبراء بن عازب وانس بن مالك وزيد بن ارقم يخبرونكم انهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، اما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ ويلكم اتطلبوني بقتيل لكم قتلته؟ ام بمال استهلكته؟ أم بقصاص من جراحه؟ فأخذوا لا يكلمونه، فنادى (عليه السلام) برفيع صوته: يا شبث بن ربعي يا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا يزيد بن الحارث ويا عمرو بن الحجاج ويا فلان ويا فلان ألم تكتبوا لي ان قد أينعت الثمار وأخضر الجناب وانما تقدمُ على جند لك مجندة؟ فأجابه قيس بن الاشعث: يا حسين لا ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك الا ما تحبُ، فقال الامام الحسين (عليه السلام): لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد. قبل القتال كان الامام الحسين(عليه السلام) يستنصر القوم فكان ينادي: هل من ناصر ينصرنا؟ هل من ذاب يذب عنا؟ هل من معين يعيننا؟ وقد اثرت هذه الكلمات في كثير من اصحاب عمر بن سعد لعنه الله ومنهم الحر بن يزيد الرياحي، فأقبل الى عمر بن سعد وقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: نعم قال: اما لكم فيما عرضه عليكم الحسين من رأي؟ قال: قد كتبت الى أميرك ولكنه أبى، فعاد الحر الى موقعه وقد اخذته الرعدة فالتفت اليه المهاجر بن اوس لعنه الله وقال: يا أبا يزيد ما هذه الرعدة؟ والله لو سُئلت من اشجع اهل الكوفة ما عدوتك، قال: ويحك إني أُخير نفسي بين الجنة والنار، لا والله لا اختار على الجنة شيئا ثم التفت الى ولده قال: بني لا طاقة لي على العار ولا على غضب الجبار، قال: وما ذاك يا أبت؟ قال: اوما تسمع صوت ابن بنت رسول الله يطلب الناصر؟ ثم توجه نحو الحسين يمشي رويدا رويدا شابكا عشرة على رأسه وهو ينادي ربه: الهي إني اليك انيب فلقد ارعبت قلوب اوليائك واولاد بنت نبيك، حتى دنا من الحسين ومطأطأ برأسه الى الارض، صاح: السلام عليك يا ابا عبد الله، فقال الحسين (عليه السلام): وعليك السلام، ارفع رأسك من انت؟ قال: سيدي انا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وجعجعت بك الى هذا المكان، والله يا سيدي ما كنت اظن ان الامر يصل الى ما ترى وانا الان تائب فهل لي من توبة؟ فاجابه الحسين (عليه السلام): نعم ان تُبت تاب الله عليك، انزل من على ظهر فرسك، قال: سيدي أنا لك راكب خير لك مني راجل، ثم حمل الحُرُ على القوم بعد ان خطب فيهم ووعظهم، فقاتلهم قتالا شديدا حتى قُتل رضوان الله عليه، وهكذا لم يزل اصحاب الحسين (عليه السلام) يبرز الواحد بعد الاخر حتى صار الوقت بعد الظهر بساعة فلم يبق من الاصحاب مع الحسين احد، فصارت النوبة على بني هاشم، بدأ علي الاكبر القتال، ومازال بنو هاشم يبرزون الواحد تلو الاخر حتى نظر الحسين (عليه السلام) الى مخيم اصحابه واهل بيته فلم ير فيه احدا من الرجال، وصار يكثر من قول: لا حول ولا قوة الا بالله، ثم اقبل الى المخيم دعا بفرسه وهو ذو الجناح فرس رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، هذا الفرس ركبه الحسين يوم عاشوراء، اقتحم به المشرعة فلما ولج الماء مد الفرس رأسه ليشرب، فقال له الحسين: أنت عطشان وانا عطشان فلا اشرب حتى تشرب فرفع الفرس رأسه عن الماء وكأنه فهم كلام الحسين، فلما مد الحسين (عليه السلام) يده الى الماء ليشرب ناداه رجل لعين: يا حسين اتتلذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك وخيامكم؟ فرمى الماء من يده وخرج من المشرعة، وتوجه نحو الخيام فوجدها سالمة، فعلم أنها مكيدة، فجعل يستسقي الاعداء ينادي: يا قوم اسقوني شربة من الماء، اجابه لعين من القوم: يا حسين لن تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها، فقال(عليه السلام): أأنا ارد الحامية؟ لا والله وانما ارد على جدي رسول الله واشكو اليه ما ارتكبتم مني وانتهكتم من حرمتي فغضبوا عليه، ولما يئس الامام الحسين (عليه السلام) من اصحابه بعد ان رآهم جثثا مطرحين على الرمضاء أقبل الى الخيمة، صاح: يا زينب ويا ام كلثوم ويا سُكينة ويا رقية ويا فلانة.. هلممن، عليكن مني السلام فهذا اخر العهد واللقاء في الجنة، فخرجن النساء واحدقن بالحسين من كل جانب وأمسكن بشكيمة فرسه، هذه تقول: الى اين يا حمانا؟ وتلك تقول: الى اين يا رجانا؟ أقبلت اخته زينب عليها السلام وقالت: أخي كانك قد استسلمت للموت؟ قال لها: أختي وكيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين؟ ولكن اخيه اذا انا قتلت فلا تخمشي علي وجها ولا تضربي علي صدرا ولا تشقي علي جيبا ولا تدعي بالويل والثبور، قالت: اخي أفشاهد مصرعك وأبتلي بهذه المذاعير من النساء والاطفال؟ ليت الموت اعدمني الحياة يا ثُمالة الباقين ويا بقية الماضين فقال لها: اخيه تعزي بعزاء الله إن أهل الارض يموتون واهل السماء لا يبقون لقد مات جدي وهو خير مني وقد مات ابي وهو خير مني وقد مات اخي وهو خير مني، فصاحت السيدة زينب عليها السلام: واثكلاه هذا الحسين ينعى نفسه، ثم وقعت مغمى عليها، نزل الحسين من على ظهر فرسه فأخذ برأسها ووضعه في حجره وجعل يمسح على قلبها وهو يقول: اللهم اربط على قلبها بالصبر، ثم نظر الحسين في صفوف النساء قال: ام كلثوم اخيه مالي لا ارى ابنتي سُكينة؟ قالت: اخي سُكينة جالسة في الخيمة تبكي، فأقبل الى الخيمة وإذا بسُكينة واضعة رأسها بين ركبتيها حزينة باكية جلس الحسين عندها، جعل يمسح على رأسها بيده رفعت سُكينة رأسها اليه وقالت: أبت كأنك استسلمت للموت؟ قال: بُنية وكيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين؟ قالت: أبه إذن رُدنا الى حرم جدنا، قال: بنية هيهات لو تُرك القطا لغفى ونام، ثم ركب جواده، فأقبلت اليه سُكينة عليها السلام وقالت: أبت إن لي اليك حاجة، قال(عليه السلام): وما حاجتك يا بنتاه؟ قالت: حاجتي ان تنزل من على ظهر فرسك، نزل الحسين (عليه السلام) من على ظهر فرسه، دنت منه سُكينة أخذت يده وجعلت تمسح بها على رأسها، فعرف الحسين ما تقول سُكينة، تريد ان تقول: أبت بعد ساعة سأكون يتيمة لا اجد من يمسح على رأسي.
بعدها ركب الامام الحسين (عليه السلام) جواده فأحطن النساء به كالحلقة هذه تقبل يده وهذه تقبل رجله فجعل يودعهن وهو يقول: الله خليفتي عليكن ثم توجه الى الميدان سار قليلا وإذا بالنداء من خلفه: أخي حسين قف لي هُنيئة، فالتفت الى ورائه وإذا هي اُخته السيدة زينب عليها السلام، عاد اليها الحسين (عليه السلام) وقال: أُخيه ما تريدين؟ قالت: أخي انزل من على ظهر جوادك، فنزل الحسين، دنت منه وقالت: أخي اكشف لي عن نحرك وصدرك، كشف الحسين (عليه السلام) لها عن نحره وصدره، فقبلته في صدره وشمته في نحره ثم حولت وجهها الى جهة المدينة وصاحت: أُماه يا زهراء لقد استُرجعت الوديعة وأُديت الامانة فقال الامام الحسين (عليه السلام): أُخيه أيةُ وديعة وأمانة قالت: أخي اعلم انه لما دنت الوفاة من اُمنا الزهراء دعتني اليها فقبلتني في صدري وشمتني في نحري ثم قالت لي: بُنية زينب هذه وديعتي عندك إذا رأيت اخاك الحسين بأرض كربلاء وحيدا فريدا فشميه في نحره فانه موضع السيوف وقبليه في صدره فانه موضع حوافر الخيول فلما سمع بذكر أُمه الزهراء عليها السلام هاج به الحنين إليها. بعدها سار الامام الحسين (عليه السلام) نحو ميدان القتال شاهرا سيفه ثم حمل على الجيش أخذ يحمل عليهم فينكشفون من بين يديه فصاح عمر بن سعد واخزاه بالجيش: ويلكم اتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الانزع البطين، هذا ابن قتال العرب، والله ان فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم فقالوا لعنهم الله: إذن ما نصنع؟ قال: ويحكم احملوا عليه حملة رجل واحد، (فحملوا عليه حملة رجل واحد، فكان (عليه السلام) يشد عليهم ويبعدهم عن مخيمه ثم يعود الى موقفه أمام البيوت وهو يكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا اليه راجعون، قال بعض الاعداء لعنهم الله: والله ما رأيت مكثورا قطُ قد قُتل ولدُه واهل بيته واخوته واصحابه اربط جأشا من الحسين ولا امضى جنانا منه ولقد كانت الرجال تشد عليه وفيشد عليهم وقد تكاملوا ثلاثين الفا وهو رجل واحد فيشد عليهم فينهزمون بين يديه انهزام المعزى إذا شد بها الاسد. وعندما اضر العطش بالامام الحسين (عليه السلام)، اراد أن يصل الى المشرعة فحمل على الجيش وكشفهم عن الفرات فمد الحسين يده واغترف من الماء غرفة، وادنى الماء من فمه فجاءه سهمٌ من الاعداء في حلقه فامتلأت كفه دما فرمى الماء وانتزع السهم، ومد يده ثانيا ليشرب فناداه لعين من القوم: يا حسين اتتلذذ بالماء وقد هُتكت حرمك فلما سمع الحسين(عليه السلام) رمى الماء من يده وخرج من المشرعة وإذا بالخيام سالمة، وما استطاع ان يعود الى المشرعة خوفا على حرمه فنادى: يا قوم اسقوني شربة من الماء فقد تفتت كبدي من الظمأ، فاجابوه: يا حسين لن تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها، فقال الامام الحسين (عليه السلام): أأنا ارد الحامية لا والله بل ارد على جدي رسول الله واشكو اليه ما ارتكبتم مني وانتهكتم من حرمتي، فصاح ابن سعد: ما تنتظرون بالرجل ثكلتكم امهاتكم احملوا عليه فاحاطوا بالامام الحسين من كل جانب وافترقوا عليه أربع فرق، فرقة بالسيوف وفرقة بالرماح وفرقة بالسهام وفرقة بالحجارة. فكثرت جراحاته واعياه نزف الدم، فوقف ليستريح وقد اعياه الضعف فأخذ أبو الحتوف الجعفي حجرا ورمى به الحسين فصك به جبهته فسالت الدماء على وجهه الشريف فرفع الحسين ثوبه ليمسح الدم عن وجهه وعينيه فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شُعب وقع على قلبه فصاح الامام الحسين (عليه السلام): بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، فكلما اراد الامام الحسين أن ينتزع ذلك السهم من موضعه لم يتمكن، انحنى على قربوس سرج فرسه ثم استخرج السهم من قفاه، فانبعث الدم كالميزاب فوضع كفيه تحت ذلك الجرح فلما امتلات دما رمى به نحو السماء وقال: (هون علي ما نزل بي أنه بعين الله).
ثم وضع كفيه ثانية فلما امتلأت دما خضب به عمامته ووجهه ولحيته المباركة وهو يقول: هكذا اكون حتى القى جدي وأنا مخضوب بدمي مغصوب على حقي. بعد هذا انهارت قوى سيد الشهداء بسبب ذلك السهم المثلث المسموم، ما استطاع البقاء على فرسه، مال ليسقط من على ظهر الجواد الى الجهة اليمنى، فمال الجواد معه لكي لا يسقط فمال الحسين ليسقط الى الجهة اليسرى فمال الجواد معه لكي لا يسقط، فالتفت الامام الحسين (عليه السلام) قائلا: يا جواد لا طاقة لي على الجلوس على ظهرك، دعني اسقط على وجه الارض، فكأن الجواد قد فهم كلام الامام الحسين، حينها مد الفرس يديه ورجليه حتى ألصق بطنه على الارض ثم انزل الحسين برفق ولين، وجعل يحوم حول الامام الحسين، فصاح عمر بن سعد: علي بهذا الفرس فإنه من جياد خيل النبي، فركبت الفرسان في طلبه فصار يرمح بيديه ورجليه، فصاح اللعين عمر بن سعد: دعوه لننظر ماذا يصنع، فلما امن الطلب أقبل حتى وصل الى مصرع الحسين وصار يجمع العنان بفمه ويضعه في كف ابي عبد الله (عليه السلام) فكأنه يريد من الامام الحسين أن ينهض فلما يئس من نهوض الحسين أراد ان يخبر العائلة بمصرع الحسين فجعل يلطخ وجهه وناصيته بدم الحسين، حينها كانت النساء بالمخيم ينتظرن عودة الحسين بعد ان خفي صوته، فقالت احداهن: ما لي لا أرى لابن أُمي شخصا ولا اسمع له صوتا؟
قالت الاخرى: لعل الخيل حالت بيننا وبينه، فقالت السيدة زينب عليها السلام: حاشى لابن أُمي أن تضمه خيل او رجال، بينما هن في هذا الكلام وإذا بالفرس أقبل نحو المخيم يصهل صهيلا عاليا، فلما سمعت السيدة زينب صهيل الجواد التفتت الى سُكينة وقالت: عمه هذا ابوك الحسين قد أقبل قومي لاستقباله، قامت سُكينة الى باب الخيمة لتستقبل أباها وإذا بالفرس خال من الحسين (عليه السلام)، ملطخ بالدماء ملوي السرج - لطمت سُكينة وجهها وصاحت: عمه زينب لقد قُتل والله والدي صارت النساء محدقة بالفرس وهو مطأطأ الرأس الى الارض ثم توجه الى الميدان فتبعته بنات رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فصار الفرس دليلا لهن، السيدة زينب، سُكينة، رقية وام كلثوم وباقي بنات الامام الحسين ونسائه (عليهم السلام)، اقبلن في اثر الجواد حتى وصلن الى مصرع ابي عبد الله، وإذا الحسين يتقلب على وجه الرمال يمد يمينا ويقبض شمالا.
اقبلت النسوة احطن بالحسين، السيدة زينب عند رأسه، سُكينة عند رجليه، أُم كلثوم، رقية، باقي النساء احطن بالحسين من كل جانب، حينها السيدة زينب مدت يدها تحت ظهر الحسين رفعته حتى اسندته إلى صدرها ثم رفعت طرفها نحو السماء وقالت: اللهم تقبل منا هذا القربان.
ثم اعادت الامام الحسين (عليه السلام) الى مكانه، لكن الحسين لا يتكلم، فقالت له السيدة زينب: اخي كلمني بحق جدنا رسول الله -صل الله عليه وآله وسلم-، اخي كلمني بحق ابينا امير المؤمنين، اخي كلمني بحق أُمنا الزهراء، حينها فتح الامام الحسين (عليه السلام) عيناه وقال: أُخيه زينب لقد كسرتي قلبي وزدتي كربي أُخيه ارجعي الى الخيمة واحفظي لي العيال والاطفال قيل فرجعت النساء. وإذا بخولي بن يزيد أقبل يريد ذبح الامام الحسين (عليه السلام)، لكن لما نظر الامام الحسين اليه ارتعش بدنه ورمى السيف من يده وولى، ثم جاء لعين آخر فنظر الامام الحسين اليه فارتعد وولى، وهكذا كلما جاء احد ينظر اليه الحسين فيرتعد ويولي هاربا - فبعث عمر بن سعد لعنه الله في الجيش قائلا: فتشوا هل تجدون في الجيش كاتبا لا يعرف الحسين ولا يعرف محمد بن عبدالله ولا يعرف علي بن ابي طالب حتى يذبح الحسين؟ ففتشوا فوجدوا رجلا من النصارى فبعثه عمر بن سعد قائلا خذ هذا السيف وانطلق الى ذلك الصريع وائتنا برأسه فأقبل ذلك الرجل حتى دنا من الحسين فعرف الحسين أنه من النصارى فقال له: أخا النصارى هل قرأت الانجيل؟ قال: نعم، قال: اقرأت الاسم الفلاني والفلاني قال: نعم، فقال الامام الحسين: اتعرف من هم اصحاب هذه الاسماء؟ قال: لا ولكني اعلم ان النصارى يحترمونها ويقدسونها، فقال الامام الحسين (عليه السلام): أما الاسم الاول فهو اسم جدي محمد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأما الاسم الثاني فهو اسم أبي علي بن ابي طالب، فقال النصراني: أنت الحسين بن بنت محمد؟ قال الحسين: نعم، فقال النصراني: سيدي أنا اشهد أن لا اله الا الله وان جدك محمد رسول الله وأنك عبده ووليه، فقال له الامام الحسين (عليه السلام): إذن خذ سيفك وذب عن حرم رسول الله. بينما هم كذلك وإذا بالشمر لعنه الله قد أقبل الى الحسين (عليه السلام)، هذا والسيدة زينب عليها السلام منكبة عليه وتبكي وإذا بكعب الرمح بين كتفي السيدة زينب واللعين يقول لها: قومي عنه يا زينب، قالوا: وقعت السيدة زينب مغمى عليها فلما افاقت وإذا برأس الامام الحسين على رأس الرمح، وإذا بشيبة الامام الحسين مخضبة بدمائه فصاحت: واخاه واحسيناه. وفي رواية اخرى انه عندما قال الامام الحسين (عليه السلام) للسيدة زينب (عليها السلام) أُخية ارجعي الى الخيمة واحفظي لي العيال والاطفال، فتركته السيدة زينب وعادت الى الخيمة، فرأت الكون قد تغير فأقبلت الى الامام علي زين العابدين ابن الامام الحسين (عليهم السلام) وقالت: يا ابن أخي مالي أرى الكون قد تغير، قال: عمة زينب ارفعي طرف الخيمة، فرفعت السيدة زينب طرف الخيمة فنظر الامام زين العابدين (عليه السلام) نحو المعركة مليا، ثم قال: عمة زينب اجمعي العيال والاطفال في خيمة واحدة، عمة زينب البسي ازارك، عمة تهيأي للسبي، قالت: يابن أخي ما الخبر؟ قال: عمة هذا رأس والدي الحسين على رأس الرمح، لما نظرت السيدة زينب رأس أخيها لطمت وجهها وصاحت: واخاه واحسيناه. لكن حتى بعد استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء لم تسلم تلك الانامل الكريمة من ايدي الاعداء، فقد روي انه بجدل بن سليم الكلبي أقبل الى الامام الحسين وهو جثة بلا رأس، عاري اللباس ما تركوا عليه شيئا يُسلب، نظر هذا اللعين الى خاتم في خنصر الحسين (عليه السلام)، فحاول ان يخرجه ما تمكن لأن الدماء قد جمدت عليه، فتناول اللعين قطعة سيف من الارض وصار يحز خنصر الامام الحسين (عليه السلام) الى ان فصله واخذ الخاتم.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات