loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الأديب التونسي: عثمان الكعَّاك


هذا رجل له باع طويل في دنيا الأدب والفكر، وله اهتمام بالعمل المشترك مع غيره في إحياء التراث الشعبي، وله انصراف إلى جمع شمل أدباء وطنه، وإلى رعاية النشر الثقافي فيه. ولذا فقد كان من أعماله أنه تولى أمانة دار الكتب الوطنية في تونس.
عرفت هذا الرجل في ثلاثة مجالات:
- عن طريق النشر.
- رأيته وجلست معه في بلده تونس.
- ثم التقيت به في الكويت عندما جاءنا زائراً، وهذه المجالات الثلاثة تحتاج إلى تفصيل يبيّن للقارئ كيف كانت، وما هي نتائجها؟
ولقد كانت البداية عن طريق النشر، ذلك أنني اطلعت على إشارات عنه، وعن جهوده في ميدان التراث الشعبي في مجلة كانت تصدر في بلد عربي قريب منّا، ثم اطلعت على كتاب من تأليفه، صدر في البلد نفسه وعنوانه: المدخل إلى علم الفلكلور، وقد صدر في سنة 1964م، وهو وإن كان صغير الحجم فإنه جم الفائدة، وهو يدل على القيمة الفكرية التي يتمتع بها كاتبه، عثمان الكعّاك.
نشرت الكتاب وزارة الإرشاد في بغداد، العراق، وقد قدّم للكتاب الأستاذ عبدالحميد العلوجي بمقدمة موجزة ولكنها ذات أهمية بالنسبة للدلالة على المؤلف.
وكان الأستاذ العلوجي من المهتمين بالفلكلور، ومن أعماله أنه كان مديراً لتحرير مجلة التراث الشعبي التي كانت تصدر في وطنه.
تبدأ المقدمة بالثناء على الأستاذ الكعاك وتبين آثاره، في عالم الثقافة، حيث جاء فيها:
عَرفْت بغداد الأستاذ عثمان الكعاك شيخاً وقوراً، اشتعل رأسه شيباً، وتحيّر في وجهه ماء الشباب.. وعَرَفَتْهُ قمة شامخة من قمم الفكر العربي في مخاضه الفلكلوري الراهن، كما عرفته بصيراً بمسالك خمس لغات أجنبية يرتضع منها ما يشاء إنعاشاً لبحث أو تقويماً لدراسة.
ومما يتبين من المقدمة أن الأستاذ الكعاك قد زار بغداد في أكثر من مرة، وفي كل مرة له نشاط يتعلّق بما اختص به أكثر من غيره وهو الميراث الشعبي الذي ورثه أولئك الناس عن أهليهم.
يقول الأستاذ العلوجي في ذلك:
وقد رأته بغداد يتأمل ملامحها الاجتماعية، ويفحص أشياء أبنائها، وواجهات دكاكينها وأبواب مساجدها، وأساليب زيارتها، ومنائرها وأمراس حماليها، ونداءات باعتها، وأجلة دوابها وعناوين مخازنها التجارية، والتماسات شحاذيها، وصناديق صباغي أحذيتها، ومآكلها المعروضة فوق أرصفة شوارعها، ومصنوعات صابئتها، وأزياء أهلها.. وغير ذلك مما انتهبته عيناه في محافل بغداد ودروبها.
إنه كان، بعينه الفولكلورية، يعقد صفقات رابحة مع تراثنا الشعبي، ويقارن نتيج اليد العراقية بما يماثله في تونس، وقد شوهد يهتز، طروباً، كلما تناصرت القربى، وتلاحم التناظر بين خصائص التراث الشعبي العربي العام.
لقد كانت زيارته المشار إليها في المقدمة زيارة لها صلة بفن الفلكلور أو علم الفلكلور كما أطلق الكعاك عليه في عنوان كتابه.
وهذا الكتاب صغير الحجم ولكنه كبير الفائدة، فقد جاء في سبع وخمسين صفحة، ولكنه ألمَّ بكل ما يتعلق بهذا الفن الجميل الذي له نكهة التاريخ، وفيه روح الشعب، والتعبير عن نواحي حياته.
وقد كتبه كله في جلسة واحدة من واقع محفوظاته ومطالعاته، ومن واقع ما رآه أثناء تجواله حول الأحياء الشعبية، والأسواق، ومراكز العمل التي تنتج كل ما له علاقة بالتراث القديم.
ولشدة الإيجاز الملحوظ في هذا الكتاب، فإن قارئه يراه وكأنه فهرس يضم الموضوعات التي ينبغي أن يحيط بها دارس الفلكلور، والممتهن بِـمِهنِه من مِهَنِهْ.
بدأ الأستاذ عثمان الكعاك عمله في هذا الكتيِّب ببيان عن نشأة الفلكلور، فذكر أنه مجموع الإبداع الشعبي مما أنتجته الشعوب في ميادين مختلفة منها ما يتعلّق بالعقائد والثقافة والفن والإعمار ومختلف الصناعات اليدوية. وعندما نقول إن من بين هذه المجالات مجال العقائد، فنحن لا نقصد بذلك العقائد المتصلة بالأديان السماوية. ولكننا نقصد العقائد التي تعتقدها عامة الشعوب القديمة التي لم تصل إليها دعوات الحق، ولم يتصل بها أمر رسل من الله سبحانه.
ثم قسّم مجمل نتاج الفلكلور إلى ثلاثة عناصر، هي:
1 - بقايا العصور القديمة، وقد مثّل لذلك.
2 - الشعائر، وبعض هذه الشعائر مما هو قيد التنفيذ حتى الآن، ولكن ذلك دون أن يكون باعتقاد ديني، وإنما بحسب العادة الشعبية، وقد ذكر من ذلك بعض العادات التي تسود في المجتمع التونسي.
3 - ومن أنواع الفلكلور ما تبقي في أذهان بعض الشعوب من العلوم التي سادت عندهم، مثل علم التنجيم القديم، ومثل الطب في صِيَغِهِ الأولى، والزراعة التي كان لها وجود منذ العصر الحجري.
4 - وتضاف إلى ذلك المتبقيات من الآثار الفنية، ويتمثّل ذلك في الموسيقى البدائية، وفي بعض أنواع الرقص المستمد من القديم.
5 - بقايا سلطات النَّفْس والضرر مثل:
- الإصابة بالعين (الحسد).
- طقوس تسخير الجن للخير أو الشر.
ثم حدثت بعد ذلك بزمن طويل بعض التحولات التي طرأت على سلوك المجتمعات المختلفة وعلى الأخص ما مثل له المؤلف فيما يتعلق بالمجتمع التونسي الذي ينتمي إليه، وقد قدّم لذلك أمثلة كثيرة منقولة عن كل من هم أقدم زمناً، وبخاصة فيما يخص مرور السنين، وما جرى اقتباسه من الأمم الأخرى حين يحتفلون بمناسبات مرور كل سنةٍ عليهم. وقد أطلق على ذلك كله اسم الاقتباس، لأنه رأى بعض الشعوب تقتبس بعض العادات السائدة عند شعوب أخرى، فتسير على ما تراه قائماً عند غيرها، وبذلك تتنامى مسألة إحياء التراث القديم، ويتم الاتصال عن طريقة بين كافة الأمم.
وانتهى الأستاذ عثمان الكعاك من حديثه عن نشأة الفلكلور لِيَنْتَقِلَ إلى حديث آخر في الموضوع ذاته، فكتب عن هذا فصلاً عنوانه: دراسة الفلكلور، وقد بدأ بالرد على سؤال قدمه، وهو:
- كيف تتم دراسة الفلكلور؟
وقد ذكر أن لهذه الدراسة أصولاً ثلاثة، الأصل الأول منها هو: تَعَرُّفُ هذا الفن وبيان أنواعه وصلته بغيره من العلوم والفنون، إضافة إلى تحديد أقسامه وبيان أنواعه والعائلة التي ينتمي إليها.
والأصل الثاني هو جمع مصادر البحث التي تتعلق بهذا الفن، وهي نوعان: مصادر عامة، ومصادر خاصة، ومصادر قديمة وأخرى حديثة، وقد ذكر كل ذلك بإيجاز شديد، ولكنه جليل الفائدة فقال:
فالمصادر القديمة هي:
أولاً: كتب البدع وإصلاح المنطق (الطرطوشي، ابن الحاج... إلخ).
ثانياً: كتب الحسبة التي تحدثت عن الصناعات.
ثالثاً: كتب مناقب الأولياء التي تحدثت عن الوسط المادي (الأسواق، الشوارع، الميادين، الدكاكين، الحياة الخارجية في المدينة أو القرية)، وعن الحياة الاجتماعية (الأكل، اللباس، المواسم، العادات، علاقات الناس... إلخ).
رابعاً: كتب القصص والملاحم (ألف ليلة وليلة، جحا، قصة عنترة، فاطمة ذات الهمة... إلخ).
خامساً: الشعر الوصفي (الطرديات، الحمريات، الصاحبيات، الإخوانيات، الطربيات... إلخ).
سادساً: الرحلات العربية (ابن جبير) أو الأوروبية.
سابعاً: كتب التاريخ.
ثامناً: كتب النوازل والأحكام.
تاسعاً: الكنانيش وهي التقاييد والمذكرات الخاصة مما يتخذه الناس حتى العوام منهم لتسجيل الحوادث التي شاهدوها أو مرت بهم.
وأما المصادر الحديثة فهي:
أولاً: ما كتبه الإفرنج عن الفولكلور عامة أو موضوعاً موضوعاً.
ثانياً: ما كتبه العرب في الموضوع نفسه ولو بصورة تقدره والفولكلور ليس كتابياً فقط، بل هو تَسْجِيليّ وتصويري وشيئي:
(أ) التسجيلي: يُوجِبُ على الباحث أن يصطحب معه آلة تسجيل لضبط ما يلي:
1 - الأغاني.
2 - أصوات الباعة.
3 - اللهجات المختلفة.
4 - صراخات وهتافات الجماهير في الأسواق والمهرجانات والمواسم والحفلات العائلية.
وعلى الرغم من صغر حجم هذا الكتاب فهو لا يتجاوز سبعاً وخمسين صفحة، غير أنه شمل كل ما يحتاج إليه الباحث في الفولولكلور، أو الراغب في جمع الآثار التراثية المتعلقة به. فهو إلى جانب ما أشرنا إليها فيما مر بنا من الحديث يواصل عرضه لموضوعه عن طريق عرض طرق البحث في هذا المجال الشعبي المهم، تبيّن المصادر التي تنبغي العودة إليها من كتب ومجلات ومتاحف وخرائط وغير ذلك.
وهو يرى بعد ذلك أن البحث يحتاج إلى وضع خطة مدروسة يسير عليها الباحث حتى يستطيع أن يقدم العمل الملائم في مجال التراث الشعبي.
ثم يمضي في سرد طرق البحث بحيث لا يترك مجالاً إلا وذكره، مثل أن يقوم الباحث بإعداد جذاذات (بطاقات) لرؤوس الموضوعات بأنواعها المختلفة، وكذلك جمع الصور ذات العلاقة بموضوع بحثه، وَتَضُمُّ كافة التسجيلات الصوتية المتصلة به.
ويختم ما تقدم بفصل عنوانه: موضوع الفولكلور وعائلته، وفيه تفصيل جيد لكل نواحي العمل في هذا النوع من الفنون معتبراً أن هذا الفن هو عبارة عن دراسة حياة الإنسان بصفته فرداً أو جماعة، وما انجز في حياته هذه من علوم وفنون وآداب، وحاله فيها من عقائد وعادات وأوهام أيضاً.
أما ما يقصده بقوله (وعائلته) فإنه يذكر هنا الإنسان وعائلة هذا الإنسان منذ الولادة إلى الوفاة، وما يعرض له من زينة خارجية وطبيعية. ولا ينسى أن يذكر صحة الإنسان ومرضه، وعلاقته بالقوى الخارقة غير المرئية التي يتخيلها، ثم الإنسان والقوى الطبيعية التي يلتقي بها في حياته، فالإنسان مع اللوازم الخارجية كَالـمسْكَنِ والملبس، وما يتعلق بأعمال الحياة من دور عبادة، ومحلات تجارة وغير ذلك.
ويضيف إلى ذلك: الطعام، والملابس، والأعياد والمناسبات، وأشياء كثيرة أخرى يصعب إيرادها هنا لكثرتها، لأن المسائل الشعبية داخلة في كثير من الأمور كالطب الشعبي والموسيقى الشعبية والرقص وكثير غير ذلك.
ولم ينس أن يدرج ضمن برامج الفولكلور كافة اللهجات، وأنواع الادب الشعبي المختلفة، والتمثيل.
وفي ختام عمله أوجز بعض الصفات المهمة التي تتميز بها فنون الفلوكلور بكافة فقال:
أ - إنه السِّفر الكبير الذي نجد فيه الموضوعات الحية التي تغري الشاعر، والكاتب الروائي والمسرحي وغيره...
ب - وهو الموضوع الحي اللذيذ الذي يطلق العنان للخيال، والغوص على معاني الحياة.
جـ - ثم إنه متحف حي يصوّر حياة الشعب وتاريخه وإبداعاته، وآدابه، ويعبّر عن أحاسيسه.
د - الإنتاج الشعبي عنصر من العناصر التي بها جذب للسياح، وتنمية للاقتصاد، فهو من الأسس المتينة التي تُسْهم في نمو اقتصاد الأمة.
وفيما قدمناه عن هذا الكتاب الكفاية، بل إن فيه كل ما يحتاج المرء إلى معرفته عن محتواه وعن فن الفولكلور أيضاً.
****
ولقد آن الأوان هنا للحديث عن هذا الرجل من حيث معرفتي به، والواقع أنني قرأت عنه قبل أن أراه، وكان مما قرأته هذا الكتاب الذي تم عرضه آنفاً في هذا المقال. وكنت اَمُرُّ بِوقتٍ أميل فيه إلى الاهتمام بالتراث الشعبي، وأنا لا أزال على هذه الحالة إلى اليوم. وعندما سنحت لي فرصة السفر إلى تونس في منتصف ستينيات القرن الماضي وجدتها وسيلة للاتصال بعثمان الكعاك ومعرفته عن قرب.
وفي ذلك الوقت كان أخي وأستاذي فاضل خلف يسكن في تلك البلاد، ويعمل في سفارة الكويت بها ويعرف كل الأدباء والعلماء والمثقفين في تونس.
وعندما وصلت والتقيت بالأستاذ فاضل طلبت منه أن يتكرَّم بترتيب لقاء مع هذا الرجل المهتم بالتراث الشعبي أكثر من أي واحد آخر سمعت به. وتم اللقاء واسْتَمْتَعْتُ بحديث الكعاك، واطلعت على خبرته العميقة في المجال الذي أبحث عنه، واقترحت عليه أن يزور الكويت ليطلع على تراثها الشعبي، ويقدم ما لديه من اقتراحات من أجل الحفاظ عليه، وقد لبّى الرجل الدعوة وحضر فيما بعد.
وكنت في ذلك الوقت أعدُّ رسالة لنيل شهادة الماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، تحت إشراف أستاذي عبدالسلام محمد هارون، وعلمت وأنا أعد الرسالة وكانت عن كتاب المقرب في النحو، ومؤلفه ابن عصفور. (علي بن مؤمن بن محمد الحضرمي الإشبيلي - وفاته في سنة 1271م).
وعلمت مما قرأته عن صاحب كتاب المقرب أن الرجل كان أندلسياً من أهل أشبيلية، فانتقل إلى تونس وعاش فيها إلى أن توفي، وعلمت أن قبره في تونس، ولذا طلبت من الأستاذ الكعَّاك أن يدلني عليه من باب العلم بالشيء، لأن رؤيتي لقبر ابن عصفور لا يقدّم ولا يؤخر في إعداد الرسالة، ولقد وجدت الأستاذ الكعاك لا يعرف المكان، ولكنه وعدني بأن يسأل المهتمين بعلم النحو هنا، لأن هذا النحوي الشهير يُهمهم، ولأنه غير مختص بالنحو فيعرف كثيراً عن أنباء النحويين، ولكنه اجتهد، وأبلغني بالمكان فذهبت إليه بناء على وصفه، وبمعية أحد الأخوة من أبناء تونس الخضراء.
أما آخر ما أشرت إليه في بداية مقالي هذا فهو لقائي بالأستاذ عثمان الكَعَّاك في الكويت. وكان كما يلي:
استضافت الكويت هذا الرجل في زمن لاحق بذلك الزمن الذي لقيته فيه بتونس، وكنت سعيداً بهذا اللقاء، وحرصت على أن يجد عندنا الراحة وأن يطلع على ما لدينا من نشاط في مجال الفنون الشعبية وما يتعلق بها. ورتبت له زيارات إلى بعض الأماكن التي توقعت أنه سوف يجد فيها ما يريد أن يعرفه عن الفولكلور الكويتي، وكان من ضمن الزيارات زيارته لمركز الفنون الشعبية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وكنت آمل أن يستفيد هذا المركز من خبرة الرجل التي سوف ينالها العاملون فيه بلا مقابل، ولكنني لاحظت أنه لم يَلْقَ كل الاهتمام هناك، وذلك لأمور لا أريد ذكرها اليوم لأن المتسبب فيها لم يعد موجوداً، وأنا على يقين من أنه ترك لهم أوراقاً كتبها عن ملاحظاته واقتراحاته، فلم نجد أَثَراً لذلك. ولم تطل مدة إقامته في الكويت لسببين أولهما ارتباطه بأعمال كثيرة في بلاده، والثاني أنه لم يجد الجو الملائم الذي يبحث عنه، ويستطيع أن يقدم له شيئاً من خبرته.
****
ومن هنا ننتقل إلى الحديث المباشر عن الأستاذ عثمان الكعاك بصفاته المختلفة ابتداء من نشأته ودراسته، ثم انتهاء بما قام به من أعمال في مجالات الثقافة المختلفة التي ارتفع بها ذكره لا في تونس وحدها، بل في عدد من الدول وعلى الأخص منها الدول العربية التي زار أكثرها، وأسهم مع أبنائها في كثير من الأنشطة الثقافية المهمة.
عثمان الكعاك مؤرخ، وفولكلوري، ومهتم بكل ما يعنيه التراث الشعبي، ولم يكن اهتمامه فقط منصباً على التراث التونسي بل تعدَّاه إلى العالمية فصار يهتم بكل ما يتعلق بهذا الفن.
ولد في منطقة (قَمْرتْ) وهي ضاحية من ضواحي شمالي تونس، وذلك في اليوم الخامس عشر من شهر أكتوبر لسنة 1903م، وكانت أسرته عريقة الأصول، تمتد جذورها إلى الأندلس، وقد عُرِفَ من أبنائها عدد من ذوي الفضل ورجال العلم والأدب، بل والقانون.
ولقد بدأ الكعاك دراسته في معهد يطلق عليه اسم المعهد الصادقي، ومن هذا المعهد حصل على شهادة إتمام الدراسة الثانوية، وكان يتمنَّى - يومذاك - أن يكمل دراسته العليا في خارج وطنه، ولكن الحرب العالمية الأولى كانت قد اشتعلت فاقفلت الطريق التي تحقق آماله الدراسية، فاضطر إلى البقاء في تونس والالتحاق بالمدرسة العليا للغة والآداب العربية، وكان يرأس هذه المدرسة واحد من كبار المستشرقين الفرنسيين. ولقد اهتم عثمان الكعاك في أثناء دراسته بالترجمة والتاريخ، وواصل دراسته حتى نال دبلوم الدراسات العليا في اللغة والآداب العربية.
ولقد كان الجو العام في تونس عقب الحرب العالمية الأولى يحتوي على إرهاصات تحركات شعبية تدعو إلى استقلال البلاد. وكان عثمان الكعاك بين أولئك الشباب الذين انخرطوا في مجال العمل الوطني الداعي إلى الانعتاق من سَيْطَرةِ المُحْتَلِّين. ومن أجل ذلك فقد التحق بالحزب الحر الدستوري، وهو حزب تونسي كبير وشهير وله عدد من المنتسبين الذين يؤيدون دعواه، ولم يكتفِ الكعاك بذلك، بل انضم إلى مجموعة داخل هذا الحزب كانت تدعو إلى الكفاح، وإعداد الشعب لخوض معركة التحرير، وقد تزعم هذه المجموعة أحمد توفيق المدني، وكانت له شهرة في وقته، ومن المشاهير الذين كانت تتردد أسماؤهم بيننا في ذلك الوقت - إضافة إلى المدني - محيي الدين القليبي، وزين العابدين السنوسي.
كانت سلطات الاحتلال تفرض على تونس حظراً يمنع من الصحافة ما يخالف رأيها، وذلك منذ سنة 1911م، ولكن هذه السلطات ألغت ذلك في سنة 1921م، فتوجه عثمان الكعاك إلى هذا المجال المهم والتحق بالتحرير في مجلة الحزب الذي ينتمي إليه وهو الحزب الحر الدستوري، وكان اسم المجلة الفجر، كما شارك هذا الرجل في تحرير جريدة (الصواب) التي كان يصدرها أحد أبناء تونس.
كان الكعاك يوجِّه مقالاته إلى مواطنيه داعياً إلى التحرر من الاستعمار، واللحاق بركب التقدم والحضارة، ويذكرهم بتاريخ وطنهم العريق. ولقد انتبه إلى هذه المقالات زعيم الحزب الشيخ عبدالعزيز الثعالبي (وقد سبق له أن زار الكويت قديماً)، فاختاره عضواً في اللجنة التي تزود الصحف الوطنية بمقالات تُعَبِّر عن موقف الحزب وتتحدث عن رَأْيَهِ في الأحداث الجارية.
وهي لجنة تضم عدداً من المثقفين من أبناء تونس الذين امتلكوا ناصية البيان، وأصبحت لهم القدرة على التعبير بلسان الحزب. وبذا انتشرت مقالات الكعاك في مختلف الصحف. وكانت القضايا التي يثيرها في تلك المقالات محط اهتمام كافة القراء.
وهناك نشاط آخر التفت إليه الأستاذ عثمان الكعاك فوجه همَّه إليه، ونجح فيه نجاحاً باهراً، ذلك هو النشاط في المجال الثقافي، وكان ذلك كما يلي:
- بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، تحرك النشاط الثقافي في تونس، فجرت انتخابات في جمعية من الجمعيات الثقافية في تلك البلاد هي جمعية قدماء الصادقية، ففاز أخوه مصطفى الكعاك برئاستها بفضل مساعدة أخيه عثمان له. ولقد وجد هذا الأخير في هذه الجمعية مجالاً للتعبير عن أفكاره المتعددة وفرصة للدعوة التي بدأها في جريدة الحزب الدستوري وبذلك فقد نشط في الكتابة وفي إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوة التي تُعقد ضمن الفعاليات التي تقوم بها الجمعية المذكورة، ويحرص كثيرون من المواطنين على حضورها.
- وكان هذا النشاط المكثف مدعاة إلى قوة الاتصال بين المثقفين المنتمين إلى الحزب الدستوري، فتعاونوا على إقامة عدد من المشروعات ذات الطابع الثقافي والعلمي بما يتناسب مع تطلعاتهم. فخاضوا في مجالات واسعة من مجالات الثقافة العامة.
- وفي ذلك الوقت أجمع رأي المثقفين والأدباء على ضرورة تشكيل هيئة تجمع شملهم، وَتَعَاوَنَ معهم الكعَّاك على إنشاء ما أطلقوا عليه اسم: الرابطة القلمية واتخذوا إجراءات التنفيذ التي كان منها تشكيل المكتب المؤقت لإدارة الرابطة، ولكن قوات الاحتلال الفرنسي أفشلت هذا المشروع، وكان الكعاك عضواً في المكتب المؤقت التي أُنيطت به إدارة الرابطة.
وكان هذا الاهتمام الوطني الذي يبديه هذا الرجل في مسألة إحياء الشعور القومي والإحساس بالمواطنة مما دفعه - ولا شك - إلى البحث عن الأصول الشعبية المتوارثة في وطنه. ومن هنا إلى جانب اهتمامه بالتاريخ اتجه إلى دراسة الفلكلور والتخصص فيه بعد طول ممارسة.
****
أما في المجال العَمَلي الذي يتخذ الصفة الرسمية، فقد بدأه الأستاذ عثمان الكعاك بعد انتهاء الحرب حين جرى تعيينه في سنة 1944م في إدارة القسم العربي من المكتبة العامة، ولقد قام بهذه المهمة خير قيام، وأضاف إلى المكتبة مقتنيات فاخرة من المراجع المهمة بين مطبوع ومخطوط، ومع انشغاله بكل ذلك، فقد واصل الكتابة، وإلقاء المحاضرات والمشاركة في كل ما يدعو إليه الحراك الوطني التونسي في ذلك الوقت من إحياء، وإثارة للحماس بين أبناء الشعب.
وعني في ذلك الوقت بالمسرح، وأسهم مع أحد أصدقائه في إنشاء لجنة مهمتها الدفاع عن المسرح التُّونسي، وقد تولى في هذه الأثناء مهمة تدريس تاريخ المسرح في مدرسة التمثيل العربي.
واستقلت تونس في سنة 1956م، فقررت حكومة الاستقلال تحويل المكتبة العمومية، إلى مكتبة وطنية، واختارت عثمان الكعاك لكي يكون محافظاً لها، ولقد فضل أن تكون تسميتها دار الكتب الوطنية، ولقد استمر رئيساً لها إلى أن تمت إحالته على التقاعد في سنة 1965م. وفي هذه الأثناء كان الأستاذ الشاذلي القليبي وزيراً للشؤون الثقافية فاختاره مستشاراً له، وكلَّفه بإنجاز دائرة المعارف الموسيقية التونسية، ولقد عاجلته المنية قبل أن يتمكن من إنجاز هذا العمل المهم، ولكن الفضل له في وضع الخطوط العريضة لهذه الموسوعة وقطع شوطاً في إعدادها مما سَهَّلَ الاستمرار في الإنجاز.
وكان الأستاذ عثمان الكعاك خلال هذه الفترة يقوم برحلات متعددة إلى أماكن كثيرة من أنحاء العالم، وكان يشارك في الندوات ويلقي المحاضرات. ولقد وافاه أجله وهو في مدينة عنابة بالجزائر في شهر يوليو لسنة 1976م رحمه الله وجزاه خيراًَ على كل ما صنع.
****
كانت إنجازات هذا الرجل كثيرة، فإن له عدداً هائلاً من المقالات والبحوث والمحاضرات التي طبع بعضها ولم تحن الفرصة - بعد - لطبع باقيها، وله كتب مطبوعة تناولت كافة ما كان يهتم به من موضوعات، ومن ذلك:
1 - تاريخ الجزائر العام.
2 - بلاغة العرب في الجزائر.
3 - المجتمع التونسي في عهد الأغالبة.
4 - الحضارة العربية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
5 - المراكز الثقافية في المغرب العربي.
6 - البربر.
7 - التقاليد والعادات التونسية.
8 - ديوان القرطاجنِّي.
وغير ذلك.
****
الأستاذ عثمان الكعاك موسوعة بشرية بمعنى الكلمة، فهو مُلِمٌّ مُكثرٌ من المعارف، خائضٌ في بحر التاريخ والأدب، جاعل همّه في التراث الشعبي على النطاق الواسع مع الاهتمام بتراث تونس وباقي دول الوطن العربي.
إنه نعم الرجل.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات