loader

إيمانيات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الإمام الحسين (عليه السلام).. رسالة الوعظ والإرشاد


كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعيش الرسالة كإمام لها وكمسلم أيضاً، ويعتبر أنّ الرسالة تمثّل رِضا الله سبحانه وتعالى، وأنّ رِضا الله فوق كلّ شيء، لذلك كان يعيش أزمةً نفسيةً ليست شخصية، بل رسالية، ولذا عبّر عنها بقوله: «ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادةً، والحياة مع الظالمين إلّا برماً». فهو لا يريد أن يعبِّر عن حالة يأس، ولكنّه يريد أن يعبِّر عن حالة رفض، وأنّ الموت في خطِّ الجهاد يعتبر سعادةً، لأنّ الإنسان يؤكِّد رسالته ويؤكِّد انتماءه وموقفه وعبوديته لربِّه، أمّا الحياة مع الظالمين دون أن يواجههم، ودون أن يقوم بأيّ عمل، فإنّها تمثّل الحياة التي يبرم بها الإنسان، بمعنى أنّه لا يشعر فيها بالحيوية ولا بالحياة. لذلك، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يركّز على هذا الجوّ، من خلال تصوير المسألة في جانبها النفسي، إضافةً إلى الجانب الموضوعي: «ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه»، ثمّ يقول: «ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادةً، والحياة مع الظالمين إلّا برماً».
وهكذا نجد أنّ الحسين (عليه السلام) وهو يتحرّك، كان يريد أن يعمّق الرسالة في نفوس كلّ الذين ينطلق معهم، فعندما كان يقف مع معسكر ابن سعد، كان يعظهم بين وقتٍ وآخر، وكان يحاول أن يضعهم في أجواءٍ روحانية وعظية تنقلهم إلى الآخرة، وتجعلهم في مواجهة حقارة الدُّنيا، ففي غداة يوم عاشوراء، خاطبهم بقوله: «عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدُّنيا على حذر، فإنّ الدُّنيا لو بقيت لأحدٍ أو بقي عليها أحد، كانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرِّضا، وأرضى بالبقاء، غير أنّ الله خلق الدُّنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهرّ، والمنزل بلغة، والدار قلعة، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، فاتّقوا الله لعلّكم تفلحون».
فلو كانت المسألة عند الإمام الحسين (عليه السلام) مجرَّد مسألةٍ سياسية، لكان تحدّث معهم بلغةٍ سياسية، في حين نراه يتحدّث معهم بلغةٍ قرآنيةٍ وبلغةٍ وعظية، لأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعرف أنّ مشكلة المجتمع الإسلامي آنذاك، كما هي مشكلة المجتمع الإسلامي في كثيرٍ من المراحل، هي أنّ الناس قد أغلقوا قلوبهم عن الله سبحانه وتعالى، وأنّهم لا يفكّرون في الآخرة، وإنّما يستغرقون في الدُّنيا. ولذلك، عندما ندرس الكثير من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) في مسيرته من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى كربلاء، نرى أنّ كلَّ أحاديثه كانت وعظيةً تفتح القلب وتفتح الروح، لأنّه كان يريد أن ينتج مجتمعاً إسلامياً. صحيح أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يطلب أن يكون هو الذي يحكم، لكنّه لم يكن ليطلب الحكم لذاته، بل لرسالته، ليغيِّر الواقع من خلال تجربة الحكم.
ولذلك، لابدّ لنا من أن نقرأ الحسين (عليه السلام) رسالةً شاملة، فلا تقرأوه في السياسة وحدها، ولا تقرأوه في المأساة وحدها، ولا تقرأوه في الكثير ممّا يتعارفه الناس، بل اقرأوا الحسين (عليه السلام) كما تقرأون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع الفارق طبعاً، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «حسين منّي وأنا من حسين»، فهذا الاندماج بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والحسين (عليه السلام)، لم يكن اندماجاً نَسَبياً، بل كان اندماجاً رسالياً، لأنّ الحسين (عليه السلام) قد تحوّل إلى تجسيدٍ لرسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله هو التجسيد الحيّ للرسالة. لذلك، فإنّ هناك رسالةً اندمجت في رسالة، فالحسين (عليه السلام) منه، باعتباره انطلق من رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوده الرسالي، «وأنا من حسين»، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انطلق من الرسالة التي تجسّدت بالحسين في مرحلته، وهكذا يجب أن نفهم المسألة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد