loader

إيمانيات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كربلاء.. مسرح العظمة والإنسانية


كربلاء مسرح العظمة، مسرح الإنسانية، مكان جاهز للمكارم والبطولات، إنّ مسرح كربلاء يمكن تشبيهه بأيّ معرض تاريخي خالد، لكنّه ليس كأيّ معرض عادي، إنّه يمثّل معرضاً للروح المعنوية والمعرفة الإنسانية، ففي معرض كربلاء العظيم يستطيع المرء أن يُدرك عظمة القدرة الأخلاقية والروحية والمعنوية للبشرية.
في معرض كربلاء العظيم، تستطيع الإنسانية أن تفهم وتستوعب القدرة البشرية على العطاء والتضحية والظهور بمظهر التحرّر والدفاع عن الحقّ، إنّ عظمة واقعة كربلاء تكمن أوّلاً وأخيراً في شخصية سيِّد الشهداء وأصحابه وأنصاره.
حادثة كربلاء في واقعها تجسّد الإسلام في كافة أبعاده ونواحيه، تجسّد فيه المبادىء الإسلامية وجوانب العقيدة كافة، وقد تجسّد عملياً في هذه الحادثة في السياق الفكري وفي سياق العمل، وفي مرحلة التحقّق والتطبيق. إنّ حادثة كربلاء عبارة عن تمثيل وتصوير واقعي لجنود الإسلام، تجسّد تماماً في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة) (التوبة/ 111).
معركة عاشوراء على الرغم من قصرها، لكنّها حظيت في تاريخ البشرية بأهميّة كبرى، وقد أصبحت من أعظم المعارك تأثيراً على الأرض، فهي لا تزال وبعد مرور السنين الطوال مؤثرة في نفوس الأُمّة فتحرك إلى النهوض والتمسك بالحقّ، إنّها ثورة ولكنّها قدوة للثورات، فقد تألقت في سماء هذا الشرف، ويتسائل المرء كيف كانت هذه الثورة وعلى قصرها هي معركة التاريخ وأوسعها تأثيراً في الناس، لأنّها معركة قامت من أجل إصلاح أُمّة، وأساسها المبدأ الصحيح، إنّها تهدف إلى تقويم المجتمع بأكمله.. فلهدف كان أسمى.
ولكي نعرف عظمة تلك الثورة وقيمتها في التاريخ لابدّ أن نضعه في ظروفه ووقته المحدود. إنّ كلمة يقولها مؤمن في مواجهة الطاغوت هي كلمة عظيمة، وأنّ راية يحملها الصالحون في زمن الردّة هي راية مقدّسة، أي ظرف ثار الحسين ومن تبعه، فقد التفّ حول الحسين (عليه السلام) رموزاً وأبطالاً لا يضاهون في سماء البشرية، فكان قمر بني هاشم رمزاً للبطولات، وعنواناً للتضحية والفداء.
مَن يقرأ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) يجدها كتاباً مفتوحاً يقرأ فيها كلّ معاني العظمة والنبوغ وانتصار الدم على السيف والدعوة إلى الحقّ والخير والسلام. وأعداءه هم الذين خرجوا على القانون واستباحوا الحرمات وقتلوا النِّساء والأطفال والشباب وهم الذين خسروا الحرب وباؤوا بالخزي في الدُّنيا والعذاب في الآخرة
إنّ ملحمة كربلاء من أهمّ الأحداث العالمية، بل من أهمّ ما حققته البشرية من إنجازات رائعة في ميادين الكفاح. حيث كانت في واقعيّتها معرضاً صادقاً لبيان معاني الإنسان العقائدي، وأنّ المتمعّن في تاريخ قضايا واقعة كربلاء يلاحظ عمق الجذور التاريخية لهذه الواقعة، فإنّها ليست واقعة كارثية فحسب، ومظهراً من مظاهر الفداء العظيم النادر، بل إنّها واقعة عجيبة من زاوية التبرير الروحي والمعنوي لطلب النهضة الحسينية.
كانت أهداف الحسين (عليه السلام) ومقاصده عن علم وحكمة وسياسة وليس لها نظير في التاريخ، فإنّه لم يزل يسعى إلى القتل والشهادة لتحقيق ذلك المقصد العالي، ولم نجد في التاريخ رجلاً ضحّى بحياته كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام). المصائب التي تحملها ثورة الحسين (عليه السلام) في طريق إحياء دين جدّه تفوقت كثيراً على مصائب أرباب الديانات السابقين، ولم ترد على أحد منهم. صحيح إنّ هناك رجالاً قُتلوا في طريق إحياء الدِّين ولكنّهم لم يكونوا كالحسين (عليه السلام)، فإنّه ضحّى بنفسه العزيزة في طريق إحياء دين جدّه وفداه بأولاده، وأخوانه، وأقربائه، وأحبابه، وأمواله، وعياله ولم تقع هذه المصائب دفعة واحدة حتى تكون في حُكم مصيبة واحدة بل وقعت متتالية الواحدة بعد الأُخرى، ويختص الحسين (عليه السلام) دون غيره بتواتر أمثال هذه المصائب كما يشهد له التاريخ.
إذا كانت الحاجة إلى الفداء تنتهي في يوم من الأيّام، فإنّ عطاء الحسين (عليه السلام) قد انتهى، ولكن ما دام الفداء ضرورة يومية لدحر العدوان القائم يومياً، فعطاء الحسين (عليه السلام) لن ينتهي. وتبرز أصالة الأُمّة واضحة من خلال دروس يوم عاشوراء، فقد علّمنا الحسين (عليه السلام) كيف نعيش، عندما علّمنا كيف نموت. لأنّ مَن لا يعرف كيف ينتهي، فهو لا يعرف حتماً كيف يبدأ، ومَن لا يفهم الشهادة، لا يفهم الحياة. إنّه يريد أن يقول لنا: «علينا أن نفتش عن الشهادة في أيّة زاوية من زوايا الأرض وفي أي زمن، لأنّ القتل في سبيل الله يبقى أبداً أفضل من الموت على فراش المرض».
ونحن حين نستعيد أجواء عاشوراء، فإنّما نستعيدها لنعتبر بها ونتعلَّم منها، ونعيشها من أجل أن نكون في المرحلة التي تكمل تلك المراحل، لأنّ الحسين (عليه السلام) كان خطوةً متقدّمة في المسيرة الإسلامية الطويلة التي لن تنتهي حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، إنّه كان يتمثَّل بهذه الآية الكريمة: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب/ 23).


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد