loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

سُلَّمُ الشِّعر


ستقول: وَهَلْ للشعر سُلَّم؟
وسوف يأتيك الرد بنعم. ألم يقل الحطيئة الشاعر (جرول بن أوس):
الشعر صعب وشديد سُلَّمُهْ
إذا ارتقى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ
زلَّت به إلى الحضيض قدمُهْ
إن وصول الشاعر إلى الشعر الجيد المعبر تمام التعبير عما في نفسه من خلجات ليس أمراً سهلاً، بل هو معاناة شديدة لمحاولة إدراك الكمال فيه، ولكي يصل إلى المستوى المطلوب، ويحظى برضا قرائه ونقّاده فإنه ينبغي أن يصبر على مرارة العمل، والبحث عن الجودة حتى يصل إلى ما يريد، وعندما يبلغ مبلغ الإتقان فيصير كبقية كبار الشعراء المحلقين، فإنه سوف يشعر بعد ذلك بارتقائه سُلَّماً صعباً. فالشعر عند الحطيئة على هذه الحال، ولذا فإنه يرى الشاعر معرضاً للانهيار من شاهق إذا صعبت عليه الإجادة وزلّت قدمه إلى الحضيض، وبذلك فإنه يكون قد عجز عن أن يرتقي سلم الشعر، ويصبح من المجيدين من الشعراء، وإذن فإن للشعر مكانة عالية لا يصل إليها الشاعر إلا بمزيد من التجريب وتعويد النفس وشحذ العبقرية.
ألا نستطيع بعد ذلك أن نقول إن للشعر سُلَّماً؟
وإضافة إلى ذلك، فإن من المعروف أن الشاعر الذي يقدر عمله الشعري يحرص على أن يقدّمه في أحسن صورة وأتم سبك، وأجمل معانٍ، وهذا الأمر لا يتم إلا إذا قام بمراجعة عمله أكثر من مرة، وثقفهُ بمهارته الفنية حتى يستقيم وذلك كما يفعل صانع الرماح والسهام حين يثقفها بمعنى حين يزيل إعوجاجها وما فيها من نتوءات تؤثر على عملها. وإذا أتم الصانع ذلك جاء إنتاجه دقيقاً يؤدي الغرض عند الحاجة إليه، والشاعر الحصيف يقوم بذلك تجاه شعره حتى يجعله متناسقاً، قوي اللغة والمعاني.
تحدّث الصحابي كعب بن زهير بن أبي سُلمى رضي الله عنه، في هذا الشأن عندما ذكر شعره وشعر شاعر آخر من الشعراء الذين بالإمكان مقارنتهم به، وهو الشاعر المعروف الحطيئة، وهذا لقبه أما اسمه فكما ذكرناه فيما سبق: جَرْوَلُ بن أوس:
يقول كعب بن زهير:
فَمَنْ للقوافي شانها من يحوكها
إذا ما ثَوَى كعبٌ وَفَوَّزَ جرولُ
يقول فلا يعيا بشيء يقولُهْ
ومن قائليها من يُسيء وَيَعْجَلُ
يقومها حتى تقوم متونُها
فَيَفْصِلُ عنها كل ما يُتَمَثَّلُ
كَفَيْتُك لا تلقى من الناس شاعراً
تنخل منها مثل ما أَتَنَخَّلُ
يقول هذا الشاعر:
من للقوافي (الشعر بِعامَّة) يستطيع أن يقومها ويزيل ما بها من عيوب حين (يَحُوكُها) بمعنى يضع صياغتها، وذلك إذا مات كعب ولحقه بالموت جرول (الحطيئة).
إن الواحد من هذين يقول شعره بلا إعياء ولا تردد، في الوقت الذي يكون الآخرون فيه على عجلة في القول، وشدّة في السوء.
إنه يتولى تقويمها بإزالة المعْوَجّ منها، فيُخرج منها أفضل ما يُتَمثَّل به من شعر.
إنك -أيها القارئ- مهما قرأت أو سمعت من شعر فإنك لن تجد مثل ما يقوله الاثنان: كعب وجرول، فهما خَيْرُ من يتنخل أي يختار الألفاظ والمعاني، فيأتي الشعر منها على أفضل صورة.
وقوله: كل ما يتمثل: كل جيد من الشعر يُردِّدُهُ الناس كما تُردد الأمثال العامة. ومن أجل ذلك فإننا نجد الشعراء النبطيين الكويتيين يطلقون على الإشعار لفظ الأمثال، مما يوحي بأن استعمال هذا اللفظ قد تحدَّرَ إليهم من الفصحى عن طريق شعرائها، ومن هذا قول كعب الذي نُشير إليه هنا.
ومما قاله الشاعر زيد الحرب وفيه تضمين لهذا اللفظ قوله في قصيدة يشكو فيها زمانه:
بن حرب شاب وتاب عن بدع الأمثال
قلبه ضعيف والقوافي صِعِيبهْ
إِمْنَ أول من قوة الحيل والحال
سيم الحديد إذا عَتَا ما يجيبهْ
واليوم من ضيم الليالي والأهوال
ليشِدْ في عِنُقَهُ تُقُوده سبيبهْ
ففي الشطر الأول من أول بيت من أبيات هذا الشاعر ذكر للفظ (الأمثال) ويقصد بها القصائد. وقوله: بدع الأمثال هو ابتداعها. وهو قد توقف عن قول الشعر لأنه أصبح كبير السن ضعيفاً لا يستطيع احتمال عبء جيشان المشاعر عندما يعتزم نظم القصيد.
والشعر فن جميل، يعبّر الشاعر الموهوب من خلاله عن الجمال أينما كان، ففيه وصفٌ للجمال البِشرى، والجمال الذي تحلو به الطبيعة. وهو يُعبِّر عن أشواق الشاعر وحنينه، وعن إعجابه بما يراه من عجائب في هذا الكون الواسع.
في الشعر وصف لنواحي الحياة نراه في خرير مياه الأرض وخضرة أشجارها، وتفتُّح أزهارها، وتغريد طيورها. ونراه في جمال السماء وما يظهر فيها من ألوان تتحفنا بها الشمس والقمر والنجوم وباقي الكواكب السيّارة التي تضفي على الكون جمالاً أيَّ جمال.
وفي الشعر تعبير عن ابتهاج الشاعر حين يرى ما يسعده، وحزنه حين يحل به ما يُجِزعُه، وبه يعبّر عن كل ما يعتمل في نفسه من خواطر ومشاعر الحب والبهجة والحزن، والفخر والحماسة.
ونحن حين نقرأ شعر الشعراء العرب نجد كل ذلك فيه، وحين نقرأ شعر الشعراء من أبناء الكويت فإننا لا نَفْتَقِدُ فيه ذلك.
ونستطيع هنا أن نضرب مثلاً بأبيات قالها الشاعر الكويتي فهو صالح العسكر مُنَبِّهَاً نفسه - باعتباره شاعراً - إلى قدوم فصل الربيع، مبيناً أنه فصل الأنس والحياة المزهرة الذي يحلو فيه النشيد وتعذُبُ القصائد.
يدعو الشاعر العسكر نفسه كي ينهض من رُقاده فقد آن أوان الاستيقاظ، ويدعو إلى صياغة قصيدة فريدة في هذا اليوم البديع بحيث تكون مختلفة عن القصائد الأخرى التي يقولها غيره من الشعراء، لأن هذه الفريدة التي يدعو نفسه إلى إبداعها سوف تكون أسنى الفرائد، فهي كما يتخيلها ويصفها:
غراءُ يُغْضي النَّيرا
ن لضوئها قبل الفراقدْ
والدر في الأصداف قبـ
ـل الدُّرِّ في جيد الخرائدْ
تروى محاسنَها الكوا
كب للعرائس والنواهدْ
غَرِّدْ فكم أطربت معبـ
ـبوداً ولم جَنَّحتَ عابدْ
أَسْكِرْ بها الوادي على
فرح الأقارب والأباعدْ
ودع الحُداة يُرَقِّصُو
نَ بها الدراري في الفدافد
ويستمر متحدثاً بقوله: أنت شاعر حر، صادق التعبير، ولذلك فأنت تُعنى بشعرك، وتهتم بتقديمه في أحلى الصُّور، وأقوى ما يدل عليه الشعر من معانٍ. وأنت إضافة إلى ذلك تصون شعرك فلا تَبْذُلُهُ لأيٍّ كان، وتأبى أن ينزل عن المستوى العالي الذي تطمح أن يكون عليه.
والشعر ما هفت النفو
س له، وبعض الشعر كاسدْ
والشعر ما اضطرم الشُّعـ
ـور به، وإلا فَهْوَ باردْ
والشعر في الأشراف عـَ
ـيٌّ خالد، والمال نافِذْ
ولآلئُ الوجدان ظلـ
ـمٌ، أن تُصاغ لغيرِ ناقِدْ
هذا هو الشعر الذي تتوق النفوس إلى سماعه، وإلى النظر في معانيه، وما يمثله من أفكار وأخْيلَة وهو الشعر الذي كان الشاعر القديم يعني به ويتولى مراجعته وتثقيفه قبل أن يعرضه على محبي سماع الشعر والرواة الذين يروونه.
إن الشاعر القديم لم يكن يقدم قصيدة من قصائده قبل أن يكرر قراءتها لكي يتجنب ما قد يجده في بيت من أبياتها من اختلاف في المعنى أو الوزن الشعري. وهو بذلك كأنه يمر بها على آلة هي في ذهنه ولكنها شبيهة بتلك الآلة التي يثقف بها صاحب الرماح أو النبال رماحه ونباله.
ولفظ (ثقف) في الفصحى من الألفاظ ذات المعاني العالية ففيه من المعاني الحذق والمقدرة على الإجادة، وسرعة التعلُّم. ويقال: هذا رجل ثَقِفٌ بمعنى أنه مدرك للأمور حاذق وماهر، ومن هنا وصلت إلى عصرنا كلمة: الثقافة بمعناها العام، حتى أصبح الرجل المثقف ممن يُجعل في عداد أكثر الناس استحقاقاً للتقدير والإعجاب.
***
والشعر أمر محبَّبٌ، وأمره عجيب، فهو مَبْثُوثٌ في أرجاء الدنيا منذ أمد بعيد، وهو وإن كان قد عرف في بلادنا العربية، وجاءتنا قصائده من العرب القدماء بما فيها من إتقان وإجادة، فإنه جاء منهم مباشرة، وقبل أن يتصلوا بغيرهم فتلحقهم فيه شبهة التقليد لما هو منتشر في أماكن أخرى، ومن هذه الأماكن بلاد اليونان القديمة التي اشْتُهرتْ بشعرائها وأدبائها وفلاسفتها.
بدأ الشعر العربي بما يقوله بعض أبناء العرب من أبيات مفردة، وأخرى لا تزيد في الموضوع الواحد عن ثلاثة أو خمسة أبيات. ثم ظهرت مع مرور الزمن هذه القصائد التي عرفناها منهم، وقد دلَّتنا عليها المعلقات التي كانت قصائد طويلة تُعَلَّقُ -قبل الإسلام- على أستار الكعبة المعظمة.
وهذه القصائد التي علقت كانت في عددها ما بين العشر والسبع بحسب الروايات الواردة. ومما هو معروف أننا قد تلقينا كتباً تحصيها، وتشرحها، وذلك بعد زمن طويل من إبداع الشعراء لها لأنها كانت قد ظهرت في العصر الجاهلي، ولكنها لم تدرس وتجمع إلا بعد الإسلام.
لقد حرص العرب الأوائل على وضعها حَوْلَ الكعبة لعدة أغراض، كان الأول منها هو دلالتها على قبيلة الشاعر الذي قالها، فهو يفخر بقومه وَيُعدِّدُ مكارمهم. ومن الأغراض -أيضاً- إثارة انتباه بقية الشعراء إلى أن الإجادة لها تقدير، وما عليهم إذا أرادوا أن يحصلوا على التقدير من قومهم إلا أن يُبْدِعُوا شعراً راقياً جميلاً.
لقد كانت هذه المعلقات نماذج راقية للشعر العربي في زمانها ولا تزال تحتفظ بقيمتها الفنية حتى يومنا هذا، ومن أجل ذلك نعت الشعر بأنه: ديوان العرب.
وإذا أردنا أن نعرف شعراء المعلقات فإننا نذكر منهم امرأ القيس وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حِلِّزة، وزهير بن أبي سُلمى، ولبيد بن ربيعة، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد.
ألّف محمد بن القاسم الأنباري كتاباً كبير الحجم جمع فيه قصائد هؤلاء الشعراء ذَوِي المعلقات. وقام بتحقيق الكتاب شيخنا الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، وقد صدر مطبوعاً في سنة 1963م. وفي الكتاب إيضاح كامل لقصائد هؤلاء الشعراء التي نالت شهرة بسبب اختيارها للتعليق على أستار الكعبة دون غيرها من القصائد. ولكونها قد صدرت عن شعراء لهم مكانة مرموقة في دنيا القصيد.
وكان العلماء العرب بعد الإسلام قد اهتموا بالشعر، فجمعوه، ونقدوه ودرسُوه، ثم درَّسوه. فكان في ذلك حفظ له، وحفظ لقواعد اللغة التي جاء على أساسها، ومن أجل هذه الجهود برز من أولئك العلماء رواةٌ كالأصمعي والمفضّل الضبِّي. ومُؤَرِّخُونَ أرَّخوا لهذا الشعر، كان منهم محمد بن سلام الجمحي (139هـ - 231هـ) - (756م - 845م)، الذي ألّف كتاباً قَيِّماً ذكر فيه الشعراء العرب وآثارهم، وتحدث عن نشأة الشعر عندهم، وقَدَّمَ لكتابه هذا بمقدمة مهمة شارحة لأوضاع الشعر العربي منذ بداياته الأولى، إلى أن وصل به إلى أيام زمانه التي كان يؤلف خلالها كتابه المذكور.
ولقد قال في بداية الكتاب: «ذكرنا العرب وأشعارها، وفرسانها وأشرافها، وإذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وسادتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يجهله عالم، ولا يستغني عن علمه ناظر في أمر العرب ثم يقول:
«فبدأنا بالشعر».
وعبَّر عن إجادته لعمله هذا حين ذكر صناعة الشعر، وأُصُول قوله، فذكر ما يلي:
«والشعر صناعة وثقافة، يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات؛ منها ما تألفُهُ العين، ومنها ما تثقفُهُ الأذن، ومنها ما تَثْقَفُهُ اليد، ومنها ما يَثْقَفُهُ اللسان.
(الثقافة: الخِدْقُ، وضبط الأصول).
وهذا الكتاب هو طبقات فحول الشعراء المطبوع في مجلَّدين كبيرين، حققهما، وقدَّم لهما شيخنا الأستاذ أبو فِهْرٍ: محمود محمد شاكر رحمه الله.
وهذا الذي ذكرناهُ هو جُلُّ ما يمكن أن نوجزه من الحديث عن الشعر العربي الذي اتسعت بُحوره بعد الإسلام، وكثُر عدد شُعَرائه، فوصلتنا عنهم دواوين كثيرة شملت أغراضاً شعرية متعدِّدة، ولقد برز في عهد الإسلام من الشعراء فحول لا نستطيع أن ننسى منهم: الفرزدق وجريراً والأخطل وذا الرمة والراعي النميري وغيرهم.
***
ونحن إذا عدنا إلى ما يقابل الشعر العربي في عَالَم الشعر، فإننا نذكر ما ورد عن اليونان، فقد جاء عنه في تاريخهم ذكر كثير وواسع، وهو - كما قلنا - قديم بالنسبة للشعر العربي، وله أصول مختلفة، وأغراض متعدِّدة، إضافة إلى أن له أشكالاً أخرى غير أشكال الشعر العربي المعهود لنا.
ولقد ألّف الدكتور محمد مندور (الناقد المشهور)، كتاباً أجمل فيه الحديث عن فن الشعر، وسمَّى كتابه هذا بالإسم نفسه، وقد بدأه بمقدمة، ثم بفصل جعل عنوانه: «الشعر وفنونه»، وفي هذا الفصل فقرة سوف تكون كافية للدلالة على المراد إذا استعرضناها هنا، وهي:
تميز الشِّعرُ منذ عهد الإغريق، واعتمدوا له ثلاثة فنون هي: شعر الملاحم، والشعر التمثيلي، والشعر الغنائي، بينما عرف العرب - فقط - الشعر الغنائي من بين هذه الفنون الثلاثة.
وقد برز من أولئك الشعراء القدماء (من غير العرب) هوراس الذي كتب «فن الشعر» من خلال قصيدة طويلة له. وكان قد ولد في سنة 65 قبل الميلاد، ونزح إلى أثينا في سنة 44 قبل الميلاد. ثم غادر إلى روما وانشغل بالشعر وأنواع الكتابة إلى أن مات في السنة الثامنة قبل الميلاد. وهو يُعَدُّ من أقدم شعراء المنطقة المشار إليها، وله آثار لا تزال معروفة. غير أننا نعود فَنُوَكِّدُ أن الشعر العربي في وقت بروزه إبان عصر المعلقات لم يكن على صلة بأوروبا أو بشعرائها.
***
ولقد سبقت منا الإشارة إلى أن الشعر العربي قد بدأ في الاتساع، فتعددت أغراضه، وكثر عدد شعرائه، حتى صار الشعر الذي ورثناه من أسلافنا شعراً غزيراً يضم إنتاجاً عالي القيمة متعدد الأغراض، ويجدر بنا أن نذكر من أغراضه المديح والفخر والحماسة وشكوى الزمان، والوصف الذي جرى في الشعر على عدة أشكال، وعدة موضوعات، فهناك وصف الرياض والأنهار الجارية، والبساتين والفواكه بأشكالها المختلفة، وهناك أوصاف أخرى للسيف والقلم والهلال والنجوم الشمس، والربيع، والصباح والمساء والبحر والصحراء، والحروب وما يتصل بها، والطير والحيوان.
وفي هذا الشأن أورد الشيخ أحمد بن إبراهيم الهاشمي في الجزء الثاني من كتابه: «جواهر الأدب»، أنواعاً تتضمن الموضوعات التي ترد في الشعر، ومثّل لها بعدة أمثلة مما قاله كبار الشعراء العرب، وجعل كل ذلك في ثلاثين باباً، آخرها هو باب الدعاء. ومنه بيت للشاعر البحتري الذي قال من قصيدة له:
حاطه الله حيث أمسى وأَضْحَى
وتولاَّهُ حيث سار وَحَلاَّ
***
ونحن في نهاية المطاف نرى أن من المهم أن نقدم نماذج لا بد من تقديمها من أشعار أولئك الذين ارتقوا سُلَّم الشِّعر، وهم رجال تفخر بهم العربية وتعتز، ويذكر الناس لهم إنتاجهم الشعري الجليل القدر، بغض النظر عن طول قصائدهم أو قِصَرها. ودون تمييز بين المقلِّين والمكثرين من الشعراء، إذ ربما وجدنا شاعراً له شعرٌ قليل، ولكنه مجيد في ذلك يأتي بأعذب الألفاظ، وأجود المعاني، وأقربها إلى النفوس.
وهذه هي النماذج التي اخترناها:
1 - الشاعر ضمرة بن ضمرة النهشلي، شاعر حكيم من حكماء بني تميم القدماء، له ذكر في كتب الأدب والتاريخ وشعر جيد يتداوله الرواة منه قوله يُعاتب زوجته التي لامته في بذله من ماله لأقاربه وأبناء عمومته فيقول:
بكرتْ تلومُك بعد وهن في النَّدى
بسلٌ عليك ملامتي وعتابي
أأضرُّها وبُنَيُّ عَمِّي ساغب
فكفاك من إِبَةٍ عليَّ وعابِ
أرأيت إن صرخت بليل هامني
وخرجت منها عارياً أثوابي
هل تخمشن إبلي عليَّ وُجُوهَها
أو تَعْصِبَنَّ رؤسها بِسلابِ
يتحدث هذا الشاعر عن نفسه، ذَاكِراً ما حدث له من امرأته التي قامت إليه لائمة له على الكرم (النَّدى) فيقول لها: إن ملامتك وعتابك لي حرام عليك، فكيف احتفظ بما لدي من مال وأدع أبناء عمي جياعاً، دعي هذا وابتعدي عن لومك لما فيه من خزي وأمر معيب.
أرأيت أن لو حَلَّتْ مَنِيَّتي، وخرجت من دنيايَ عارياً، أتخمش عليَّ هذه الإبل وجوهها أسفاً، أو تعصب رؤسها حزناً؟
2 - هذان بيتان جميلان فيهما تعبير عن الوجد، وقد ورد ذكرهما في بعض المراجع، ولكن هذه المراجع لم تذكر اسم قائلها، بل ذكرت أنه أحد الأعراب، وهو يقول واصفاً تلك الفتاة التي يُعْجَبُ بها قائلاً:
وحديثها كالغيث يسمعه
راعي سنين تتابعت جدباً
فأصاخ يرجو أن يكون حياً
ويقول من فرح هيا ربَّا
يقول: حديثها يسعدني كما يسعد المطر (الغيث) رجلاً مرت به السنون جدباء لا مطر فيها، وعندما سمع ما يدل على المطر تمنَّى أن يكون هذا السحاب الذي يسمع هزيم الرعد فيه من بعيد جالباً للمطر الذي تحيا به أرضه، وهو لشدة فرحه يهتف قائلاً: يا رب.. يا رب..
وفي البيتين من ألفاظ اللهجة الكويتية: الغيث بمعنى المطر، وراعي: بمعنى صاحبي، فنحن نقول: راعي السيارة، أي صاحبها، ولفظ أصاخ بمعنى أصغى واستمع، وفي اللهجة نقول: أتصوَّخ، للمعنى نفسه.
3 - قال الشاعر سويد بن عامر المصطلي:
لا تأمنّنَّ وإن أمسيت في حرمٍ
إن المنايا بجنبي كلِّ إنْسانِ
واسلك طريقك فيها غير محتشم
حتى تلاقيَ ما يُـمنِي لك المائي
فالخير والشر مقرونان في قَرَنٍ
بكلِّ ذلك يأتيك الجديدانِ
ليس المرء في مأمن من الموت، فهو قريب من كل إنسان، فما عليك إلا أن تسير في حياتك قدماً، حتى تصادف ما هو مقدَّر لك.
إن الخير والشر طريقهما واحد، والليل والنهار (الجديدان) يأتيان دائماً بواحد منهما.
وقد رويت هذه الأبيات الثلاثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: «لو أدرك هذا الإسلام».
***
كان لا بد لنا أن نطوف في مجالات الشعر، لأنه رمز من رموز الثقافة الإنسانية وهو للعرب مثل ما هو لغيرهم صورة الحياة والمعبر عن الأشواق، وكان الشعراء المجيدون من أبناء أمتنا العربية يفخرون بشعرهم ويرونه في غاية الإبداع والإمتاع، فهذا امرؤ القيس أمير الشعر الجاهلي، يتحدث عن شعره فيقول مفتخراً به:
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي
قوافيَ تعجب المتمثلينا
لذيذات المقاطع محكمات
لو أن الشعر يُلْبَسُ لارتُدِينا


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد