loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

وقفة

قردة «الشمبانزي» على مقاعد البرلمان!


تحدثنا بقدر من الاسهاب قبل اسبوعين عن كيف ولماذا تتعرض الديموقراطية الليبرالية في الغرب للضغط وللضرب ما ادى الى تراجعها؟
وكما هو معروف فان البرلمانات هي القلب والعمود الفقري للنظام الديموقراطي، وفي بريطانيا، ام الديموقراطية الغربية ومهدها وحاضنتها، فان البرلمان فيها يمر الآن بمرحلة حرجة ومقلقة من الانقسام والتشرذم وسيطرة الانفعالات والنقاشات الحادة على اعماله وبالأخص حول موضوع «بريكست» او خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ الى درجة ان رئيس مجلس العموم جون بيركو وصف الحالة مؤخراً بأنها «أسوأ جو يشهده البرلمان» وبالنتيجة فقد اصبح اداء البرلمان وأعضاؤه يتعرض لامتعاض وتذمر المجتمع البريطاني وتهكمه وتنذره وسخريته.
واذا كان الفن هو نبض حياة المجتمعات ومرآة لمتغيراتها الفكرية؛ فقد صادف وجودي في لندن الأسبوع الماضي الاعلان عن عرض لوحة زيتية كبيرة في المزاد العلني في الثالث من هذا الشهر. وقد نظمت المزاد دار «سوذبيز» وهي مؤسسة مرموقة متخصصة في اجراء المزادات للأشياء والمقتنيات الأثرية او النادرة او المميزة.
اللوحة رسمها الفنان البريطاني الغرافيتي «بانكسي» واسمها «ديفولفد بارلمنت» او «البرلمان المنحدر» يصور فيها الفنان قاعة البرلمان البريطاني وقد ملأ مقاعدها قردة من فصيلة «الشمبانزي». وقد اهتمت جميع وسائل الاعلام البريطانية بهذه اللوحة، وأكد المتخصصون في الفن والسياسة انها تعكس الواقع، وأنه لن يكون هناك وقت افضل من هذا الوقت لطرح هذه اللوحة للمزاد، فقد تحول ما يدور في البرلمان البريطاني خلال الأشهر والأسابيع القليلة الماضية الى مسلسل تلفزيوني درامي ليس بالنسبة للمملكة المتحدة فقط بل بالنسبة لكل اوروبا والعالم ايضاً. وقال رئيس قسم الفن المعاصر في دار سوذبيز: «نحن نشير هنا الى تراجع مستوى اقدم ديموقراطية برلمانية في العالم الى سلوك حيواني نشاهده على شاشات التلفزيون». وكان من المتوقع ان تباع هذه اللوحة بسعر يتراوح بين 1.5 و2.5 مليون جنيه استرليني، الا انها بيعت بقيمة وصلت الى اكثر من 9.8 ملايين جنيه استرليني.
حالة الانشقاق والتخبط التي يمر بها البرلمان البريطاني نتجت عن فشل مجلس العموم في اتخاذ القرار والموقف الحاسم لتنفيذ نتيجة استفتاء 2016 والانتقال ببريطانيا الى مرحلة ما بعد «بريكست»، او ما بعد عضوية الاتحاد الأوروبي، كما انها نتجت في الأساس عن تصاعد التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي يمثلها في بريطانيا رئيس الوزراء بورس جونسون وجماعته، وهو تطور ادى الى تصاعد الصراع والانشقاق في المجتمع البريطاني وأصبح المشهد بالفعل يدعو الى التندر والسخرية والى التذمر والقلق.
بريطانيا تمر الآن بمأزق سياسي، فالشعبويون مثل الطائفيين والأصوليين والقوميين يجلبون معهم الانشقاق والصراعات في المجتمعات، ورغم رسوخ وتجذر الممارسات والحياة الديموقراطية في بريطانيا فانها ليست محصنة ولم تشذ عن هذه القاعدة فأصبحت التطورات في الساحة السياسية البريطانية تنذر بتغيرات جذرية.
والبريطانيون حائرون، فقد تسرب وتوغل الانشقاق والصراع الى اعلى المؤسسات الدستورية، رئيس الوزراء اصدر امراً صدقت عليه الملكة يقضي بتعليق اعمال البرلمان لشهر واحد استعداداً وتوطئة لحسم موضوع «بريكست»، الا ان اعضاء مجلس العموم رفضوا الأمر واعتبروا هذه الخطوة تجاوزاً لدور البرلمان وانتهاكا وتهديدا للنظام الديموقراطي البريطاني، ورفعوا القضية الى المحكمة العليا التي اصدرت حكماً الشهر الماضي بالغاء القرار، وأكدت فيه ان الذات الملكية قد دُفعت الى التصديق على قرار غير دستوري.
وبما انه ليس محظوراً في السياسة نبش القبور وفتح الملفات القديمة عند الضرورة، فقد وجه معارضو جونسون تهمة الفساد له على خلفية جريمة جنائية محتملة تتعلق بسوء استخدام منصبه، وتتلخص التهمة في ان سيدة الأعمال الأميركية جينيفر اركوري تلقت معاملة خاصة من صديقها جونسون عندما كان عمدة لمدينة لندن في الأعوام من 2008 الى 2016، حيث الحقها بالبعثات التجارية التي كان يقودها، وأن شركتها، نتيجة لذلك، تلقت آلاف الجنيهات على هيئة منح مالية.
ان الساسة البريطانيون يدركون عدم صلاحية جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا العظمى، الا انهم لا يجدون اي خيار آخر افضل منه، وهم لذلك وعلى كل حال يفضلونه على البديل الوحيد وهو منافسه رئيس حزب العمال البريطاني «جرمي كورباين» الذي يعد الناخبين باتباع سياسات شديدة الانحراف لليسار عندما يتقلد سدة الحكم، وتعهد باتخاذ وتنفيذ خطوات وقرارات تشمل مصادرة 10 % مِن اسهم الشركات الكبرى لصالح الدولة، واجراء عمليات تأميم كاسحة، والغاء المدارس الخاصة بضمها الى سياق التعليم الحكومي، وتقنين نظام اربعة ايام عمل فقط في الأسبوع، وغيرها من الوعود المقلقة للكثيرين.
وقد اكدت مجلة الـ «ايكونوميست» البريطانية في عددها الأخير: «أن الأقدار قد شاءت ان تواجه بريطانيا في هذه المرحلة الحرجة الخيار بين اسوأ رئيس وزراء وأسوأ رئيس للمعارضة في تاريخها».
حيال هذا المشهد يمكننا ان نتوصل الى جملة من التساؤلات والخلاصات والعبر اهمها؛ ان الديموقراطية الليبرالية تمر الآن بمرحلة اختبار عصيبة او احتضار في الغرب وغيرها من الدول، وأن هناك تمردا متزايدا على المؤسسات والصيغ القائمة وعلى السياقات التقليدية، وأننا ربما كنا منبهرين ومنخدعين بما كنا نظنه او نصفه بالقيم والمبادئ الغربية، وأن الديموقراطية وصناديق الاقتراع لا تشكلان عائقاً او سداً منيعاً في وجه التطرف بل انهما الجسر والنفق الذي عبر من خلاله المتطرفون الى كراسي الحكم، هكذا فعل هتلر وموسوليني وعشرات غيرهم، وهكذا فعل الاخوان المسلمون في مصر ولو لفترة قصيرة. وهذا ما حصل ويحصل في ايران وتركيا، وهكذا فعل الشعبويون والمتطرفون للوصول الى كراسي الحكم في عدد متزايد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة والهند وغيرها، كما يمكننا ان نستنتج ان السياسة لم تعد في حاجة الى عمالقة وقامات سامقة، وأن الساسة لم يعودوا في حاجة الى لبس الأقنعة والتظاهر بالاستقامة والنزاهة والاتزان والرزانة، وأنه لا مانع من ان يظهروا على حقيقتهم ويكونوا مشاكسين ومناكفين ومتقلبين او حتى كذابين، ولا مانع من التنكر للقيم والمبادئ ولم يعد مستنكراً انتهاك الأساليب والأعراف والتقاليد السياسية والدبلوماسية المستقرة.
ويمكننا كذلك ان نتساءل هل الغرب يعيش الآن في حالة انقلاب على قيمه ومثله كردة فعل طارئة تجاه تحديات العولمة والارهاب والبطالة المتفاقمة وتدفق المهاجرين؟ ام في حالة «ردة» واستيقاظ واستنهاض لغرائز ظننا انها اندثرت؟ الم تكن ممارسات الاستعباد والاستعمار والتمييز والتهميش والاقصاء بضائع غربية في الأساس، نحن العرب كنا من بين ضحاياها لفترة من الزمن؟ أليست الشعبوية بضاعة غربية في الأساس ايضاً انتعشت وازدهرت في اوروبا في القرن الماضي بشكل واضح ولافت وتصادمت مع قوى المجتمع فيها فنشبت الحروب الكونية التي خلفت الدمار وحصدت الملايين من ارواح البشر؟ هل احتاجت اوروبا الى فترة نقاهة تمكنت من اجتيازها مؤخراً فعادت حليمة الى عادتها القديمة الى اصلها وتراثها، وخرج الشعبويون والغلاة المتطرفون من جحورهم ومن خلف استار الظلام الى النور والى العلن بأعلامهم وبيارقهم وراياتهم وطبولهم ودفوفهم وسيطروا بسهولة على الساحة والتربة التي كانت مهيأة في الواقع؟ لذلك فقد لمعت وجوه مثل دونالد ترامب وبورس جونسون وغيرهما، وصعدت الأحزاب اليمينية في فرنسا وألمانيا بسرعة وحققت نتائج متقدمة في الانتخابات، وهذا ما يؤكد انها تعكس اتجاهات وتيارات كامنة وقائمة في المجتمع والشارع السياسي، من بينها تيارات متطرفة قريبة او شبيهة بالنازية والفاشية.
مع ذلك فمن الأفضل ان نكون متفائلين، وأن نؤمن بأن المجتمعات الغربية قد تم تضليلها، وهي في الأساس مقتنعة ومؤمنة ومتمسكة بالديموقراطية وقيمها ومبادئها، وأنها ستدرك حتماً بأن ديموقراطيتها قد ظُلمت واختطفت وسُلبت وجُردت من قيمها، وأن هذه المجتمعات ستنتفض وتهب لتخليص وتطهير وتحرير ديموقراطيتها واستعادتها واعادة الاعتبار اليها بالطرق والوسائل السلمية والدستورية.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد