loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

أمير الشعراء في الأندلس


إذا اطلعنا على كتاب «معجم البلدان» الذي ألفه ياقوت الحموي المتوفى سنة 1228م، وكان رجلاً علّامة، كثير الترحال، له عدد من المؤلفات القيِّمة، وجدنا في المجلد الأول من هذا الكتاب وصفاً رائعاً وواسعاً للأندلس بوضعها القديم، مما لا يسمح بسبب كثرة ما ذكر عن هذه البلاد بتقديم نبذة عنها، فكيف نستطيع ذكر ما كتب كاملاً.
وصف الأندلس وهي اليوم إسبانيا كما يعرف الناس بوضعها القديم فذكر زروعها وأنهارها والبحر الذي يحيط بها من ثلاث جوانب. وذكر الحياة فيها مما يسّرته طبيعتها، فصارت حياة أنس ونعم كثرت فيها العلوم والمدارس، وازداد عدد العلماء، وعظم قدر الشعر حتى جرى عليه تنويع كبير حين اخترع أبناء هذه البلاد فن الموشحات الذي كتبنا عنه يوماً في مقالة من مقالاتنا هذه.
ولا عجب أن ينهض الشعر في بلد مِثْلِ هذا، ينعم بطبيعة رائعة، وعناية بالعلم والأدب فكان أن وصلنا من الأندلس شعر كثير مما جاد به شعراؤها الذين يصعب إحصاؤهم وكانَ من أعلامهم ابن زيدون ولسان الدين ابن الخطيب.
ولقد اشتهرت في المشرق قصائد أندلسية كثيرة حتى بعد زوال الحكم العربي للأندلس، وعمد بعض الشعراء المحدثين إلى النظم على منوال تلك القصائد، مما لفت النظر إلى أصولها الأندلسية وشعرائها الذين أطلقوها.
ونحن هنا لا نجد موجباً للحديث تفصيلاً عن الموشحات الأندلسية، فقد كتبنا عنها فيما سبق، وقدمنا لها الأمثلة وذكرنا عدداً من شعرائها. ولكننا نريد في هذا المقال الموازنة بين قصيدتين جاءتا على نمط الموشحات أولاهما أندلسية خالصة كتبها الأديب الشاعر محمد بن عبدالله بن الخطيب الشهير بلقب: لسان الدين، وثاني الموشحتين قالها أمير الشعراء أحمد شوقي على نمط الموشحة الأولى.
وابن الخطيب رجل من نبلاء أهل الأندلس، كان أديباً ومؤرخاً وشاعراً، وكان من رجال الدولة، فقد تولى الوزارة، وكانت له حياة عامرة بالعمل، وقد خضع طوال حياته إلى كثير من الدسائس التي قام بها حُسَّادُه، وكان من ذلك أن أودع السجن ثم تم اغتياله فيه، فخسر الأدب بفقده كما خسرت السياسة.
ولد لسان الدين ابن الخطيب في مدينة غرناطة الأندلسية في سنة 1313م، ونشأ بها، وتبيّنت مقدرته على الأعمال، فتم اختياره وزيراً بها، ولكن حُسّاده لم يتركوه لشأنه فانتقل منها، وظل خاضعاً بعد ذلك للدسائس والمؤامرات إلى أن توفي في سنة 1374م على الصورة التي ذكرناها.
كان وفياً لعمله حريصاً على أداء ما يوكل إليه، وهو في الوقت نفسه حريص على علمه وأدبه، ومن أجل ذلك فقد كان يمضي نهاره في العمل الجاد في وزارته، ويمضي ليله في القراءة والتأليف، ولذا أطلق عليه الناس لقب: ذي الوزارتين.
ونتيجة لهذا الجهد الليلي الذي كان يبذله ذو الوزارتين في الوزارة والتأليف، فقد وجدنا له نتاجاً فاخراً من الكتب التي تعتز بها العربية، ووجدنا له شعراً فائق الجودة. ومن مؤلفاته:
الإحاطة في تاريخ غرناطة.
الحلل الموشية، في ذكر الأخبار المراكشية.
اللمحة البدرية في الدولة النصرية.
روضة التعريف بالحب الشريف.
نفاضة الجراب في أخبار الأندلس.
وَكُلُّهَا مطبوعة، وله مخطوطات أخرى كثيرة، إذ قد وصل عدد مؤلفاته إلى ما يقرب من ستين مؤلَّفاً.
ومما ينبغي أن يذكر هنا أن أحد علماء الأندلس وهو أحمد بن محمد المقري، ألَّف كتاباً عن لسان الدين ابن الخطيب، وهذا الكتاب هو: «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»، وقد اعتمد فيه على ما كان يكتبه هذا الوزير النابغة. وليس هذا هو الكتاب الوحيد الذي أُلِّف عنه، فقد صدر لمحمد بن أبي بكر التطواني كتاب: «ابن الخطيب من خلال كتبه»، وهو مطبوع في جزأين، كما ألَّف الأديب عبدالعزيز بن عبدالله كتاباً آخر هو: «الفلسفة والأخلاق عند ابن الخطيب»، وكلا الكتابين مطبوع. وهناك كتب لاحقة لا داعي لذكرها.
أما أمير الشعراء أحمد شوقي فهو لا يحتاج إلى تعريف من ناحيتين، الأولى قرب عهده منا، والثانية ما كُتب عنه من مؤلفات، وما له من إنتاج غزير في دنيا الشعر، ويكفينا منه ديوانه الكبير: «الشوقيات»، ومسرحياته الشعرية التي سبق بها غيره، مثل «مجنون ليلى»، و «قمبيز»، وغيرهما.
ولد في سنة 1868م، وتوفي سنة 1932م، وكانت ولادته ووفاته في مدينة القاهرة. وقد كتب الأستاذ خير الدين الزركلي عنه في كتاب «الأعلام»:
«نشأ في ظل البيت المالك في مصر، وتعلّم في بعض المدارس الحكومية، وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق، وأرسله الخديوي توفيق (حاكم مصر) سنة 1887م إلى فرنسا، فتابع دراسة الحقوق في مونبيليه، واطَّلع على الأدب الفرنسي، وعاد في سنة 1891م، فَعُيِّنَ رئيساً للقلم الإفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي، وندب سنة 1896م لتمثيل الحكومة المصرية في مركز المستشرقين بجنيف، ولما نشبت الحرب العالمية الأولى، ونُحِّي عباس حلمي عن الحكم، طُلب من شوقي أن يختار بلداً خارج مصر مَنْفىً له، فسافر إلى أسبانيا في سنة 1915م، وعاد بعد الحرب في سنة 1919م، فعُيِّن عضواً في مجلس الشيوخ إلى أن حانت وفاته».
وكما أشرنا من قبل، فقد نظّم أمير الشعراء شعراً كثيراً متنوع الأغراض، وكتب المسرحيات الشعرية، وأضاف إلى ذلك إبداعاً في النثر المسجوع، ولكنه عاد إلى الشعر فهو مجاله العزيز لديه.
اختاره الشعراء العرب أميراً لهم، وأُلِّفت عنه وعن شعره ومسرحياته كتب كثيرة، منها كتاب في سيرته ألّفه الأمير شكيب أرسلان، وممن ألَّف عنه أنطوان الجميل، وإسعاف النشاشيبي، ومحمد مندور، وشوقي ضيف، وكثيرون غير هؤلاء.
***
بعد هذا، فإن الموشّح الذي نريد أن نتحدّث عنه، هو موشّح شهير منذ أبدعه لسان الخطيب حتى يومنا هذا، فهو لا يزال يتردد على الألسنة ولازال المغنون يصدحون به لما فيه من رقّة وقوة وحُسن معانٍ، وإجادة سبك.
بداية هذا الموشح:
جادك الغيث إذا الغيث هَمَى
يا زمان الوصل بالأندلسِ
لم يكن وَصْلُكِ إلا حُلُماً
في الكَرَى أو خِلْسَةَ المختلسِ
إذ يقود الدهر أشتاتَ المنَى
ننقل الخطو على ما ترسِمُ
زُمَرٌ فرادَى وثُنَا
مثلما يدعو الحجِيجَ الموسِمُ
ويتكون هذا الموشح من عدة فقرات، ما اخترناه آنفاً إنما هو جزء من الفقرة الأولى التي اشتملت على مطلع الموشح، وقد جاءت من سبعة أبيات، بينما جاءت الفقرات الأخرى، وهي مكوّنة من خمسة أبيات فقط لِكُلِّ فقرة، وكان العدد المجمل لهذه الفقرات هو عشر بما في ذلك فقرة المدخل.
وفي هذا المدخل وصف جميل للأجواء التي مرت بالرجل في الأندلس فهو يقول: إن المطر جلل الرياض بالسنا، فابتسمت ثغور الورد، وإن زهر شقائق النعمان بعد ذلك المطر صارت ترتوي بما أَلَمَّ بها غب القطار الذي أنعشها، فكانت روايتها تلك كأنها رواية مالك بن أنس عن أبيه مالك، وهذا التمثيل يدل على تَطَبُّع الشاعر بطباع الفقهاء والمحدِّثين.
ويضيف أن الروض صار يكتسي بسبب المطر ثوباً معلَّماً بعلامات هي أنواع الورود وألوانها، حتى صار هذا الروض في أبهى ملبس، يمكن أن يراه المرء.
أما الفقرة الثانية ففيها يخبرنا ابن الخطيب عن الوقت الذي جرى فيه ذلك الوصف الذي قدمه في مقدمة موشَّحِهِ هذا، فيقول: إن ذلك كان في ليالٍ مظلمة، لا نرى فيها من ضياء غير ضياء غرر الجميلات التي تسطع في الظلام، فتنير المكان. وغرر الجميلات طلعتهن البهية، وحسن وجوههن.
ويتحسّر الشاعر على ما مضى من ايامه فيقول:
وطرٌ ما فيه من عيب سوى
أنه مر كلمح البصرِ
حين لذَّ النوم شيئاً أو كماهجم
الصبح هجوم الحرسِ
غارت الشهب بنا أو ربَّما
أثَّرتْ فينا عيون النرجسِ
ويمضي في فقرة لاحقة في ذكر المكان وما فيه من أزهار، ومياه خَرَّارة، وما ضم مِنَ الخِلاَّن.
وينادي في الفقرة الرابعة أهل الحي من وادي الغضاء قائلاً: إنكم تسكنون في قلبي، وأن وجدي بكم عظيم حتى لقد ضاق به الفضاء.
ثم يقول: أنا مقرّب منكم بقلبي بما يتحدث إليكم به من أمنيات على الرغم من بعده عنكم. ومع ذلك فإن الحب قائم لا يتغيّر نَحْوَكُمْ فهو يقول:
إن يكنْ جَارَ، وخَاب الأملُ
فَفُؤَادُ الصَّبِّ بالشوق يذوبْ
فَهْوَ للنفس حبيب أوَّلُ
ليس في الحب لمحبوب ذنوبْ
أمرُهُ مُعْتَملٌ مُمْتَثَلُ
لم يراقب في ضعاف الأنفُسِ
يُنصفُ المظلوم مِمَّنْ ظَلمَا
ويجازى البرّ منها والمسِي
وفي الفقرة السابعة حديث يائس عن الهموم التي سيطرت عليه، فهو كلما حاول النسيان عاده شوق جديد وحاله هذا مكتوب عليه لا مفر منه.
وقد أدى به ذلك إلى التسليم بالقضاء الذي تحتّم عليه، والصبر على ما لقيه من ذلك المحبوب الهاجر الذي لا أَمَلَ في أن يعود إلى ما كان عليه من وصال، ويترك ما هو فيه من خصام.
أما الفقرة التاسعة فهي مختلفة تماماً لأنه بعد رجوعه إلىخالقه في الفقرة السابقة، صار يثني هنا على الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا هو الموشح الذي جاد به ابن الخطيب. فاكتسب شهرة كبيرة، وردده الناس إلى يومنا هذا، ومن هؤلاء المرددين بعض أهل الغناء المحدثين، وقد رددتها في الكويت مجموعة مختارة من مدرسي ومدرسات الموسيقى في حفل كبير أقيم على مسرح معاهد التربية الخاصة، وذلك في إحدى المناسبات التي جرى الاحتفال بها في الكويت.
وهذا الموشح هو الذي أوحى للشاعر بل أمير الشعراء أحمد شوقي بموشح مماثل قاله على سبيل المعارضة التي يقصد بها مشابهة قصيدة شاعر لقصيدة أخرى قالها شاعر آخر، وقد جرت عادة النقاد على أن يهتموا بهذا النوع من الشعر لأنه يفتح أمامهم باب المقارنة بين شاعرين عندما يستعرضون شعرهما الوارد في القصيدتين أو الموشحين، ونحن هنا نحاول أن نسير على ما ساروا عليه، وهذا هو ما جاء عن أمير الشعراء:
كان أحمد شوقي يعيش في الأندلس في الفترة التي أشرنا إليها عندما تحدثنا عن حياته في بداية مقالنا هذا، ومن الطبيعي أن يبدو تأثره بأدب تلك البلاد وشعرها ما دام يعيش فيها ويتذكر ماضيها، وماضي أهلها، ومن أجل ذلك فقد أبت قريحته إلا أن تقدم هذه التحفة الجميلة التي تتصف بصفات كثيرة أدت به إلى اختيار النمط الذي أنشأ قصيدته عليه فأجاد:
أ- اختار الموشحات لأن الأندلس امتازت بهذا النوع من الفنون الشعرية.
ب - اختار موشح لسان الدين ابن الخطيب لأن هذا الرجل من أبناء الأندلس.
جـ - اختار معارضة الموشح الذي وردت فيه عبارة: يا ليالي الأنس بالأندلس، لكي ينسج على منواله لشهرة هذا الموشح.
د - ثم إنه اختار موضوعاً مهماً أدار موشحه عليه، فكان ذلك هو الموضوع الذي ذكر فيه صقر قريش الذي أسس الحكم العربي في الأندلس.
***
أوحت أبيات الموشح الذي صنعه لسان الدين ابن الخطيب لأمير الشعراء بموشح جميل، سار فيه على منوال الموشح الأول من حيث الوزن والقوافي ولكنه افترق عنه بما يلي:
أ- اختار الخليفة الأندلسي الأول صقر قريش لكي يكون مدار الموشح ففيه ذكره وذكر بلاده.
ب- اهتم بالتعبير عن وضعه الخاص في بلد بعيد يشكو فيه الغُرْبَةَ، ويأسى لحال هذا البلد العربي المسلم الذي وما آل إليه.
جـ - بدأ افتتاح موشحه ببيتين يصف فيهما حاله، ثم اتبعهما بعدة فقرات، مجملها ست وعشرن فقرة، تتكون كل واحدة منها من خمسة أبيات، لا ينسى في كل فقرة منها إعادة قافية السين كما كان يفعل ابن الخطيب.
أما وقد ذكرنا صقر قريش، فإنه لا بد لنا وأن نذكر شيئاً عنه، وبخاصة وأنه استحق ثناء التاريخ، واستحق أخيراً شِعْرَ أمير الشعراء.
وصقر قريش هو عبدالرحمن الأول، ويلقب بالداخل، وبصقر قريش وهو من السلالة الأموية المروانية، وكان من أعظم ملوك الأندلس (756م - 788م)، وقد فرّ من الشام بعد سقوط دولة بني أمية، ومرَّ بعدة دول، ولقي في بعضها مصاعب واضطهاداً، فدفعته نفسُهُ الأبية إلى الانتقال إلى الأندلس، لأنها كانت في ذلك الوقت مضطربة وأهلها من العرب كانوا منشقين، وقد استعان بمن معه وبمن سار على دربه من المقيمين هناك، فنال نجاحاً كبيراً حين احتل قرطبة وصار أميراً عليها في سنة 756م، واستمر حكمه في الأندلس مدة طويلة، وله فيها آثار معروفة، وكان له اهتمام بالعلم والأدب، وعناية بحفظ البلاد بكل وسيلة.
(انظر: الموسوعة العربية الميسرة، مجلد 3، ص 1601).
وبعد، فهذه بداية الموشح الأندلسي الذي جعل الشاعر أحمد شوقي عنوانه: صقر قريش، وهذا الموشح له فاتحة تبدأ من بيتين على نمط ما قاله الشاعر القديم:
من لنضو يتنزّى الما
بَرَّحَ الشوق به في الغَلَسِ
حنَّ للبان وناجَى العلما
ابن شرق الأرض من أَنْدَلُسِ
لقد شبّه نفسه بجمل هرم أضنته الحياة بكل أعبائها حتى صار يتوثبُ ألماً، وَهَدَّهُ الآن الشوق وأشدّ به ليلاً فثار حنينه إلى وطنه شجراً وتراباً، ولكنه يقول لنفسه كيف تفكر في هذا: أين بلادي في الشرق من الأندلس في الغرب، وراح يصف نفسه وهو على تلك الحال وقد اشتد به الحنين إلى وَطَنِه، وتكاثر عليه ألم جسمه ونفسه، وهو معذور في ذلك فإنه يعبر عن ألم شديد، وعن لوعة سببتها مغادرته لوطنه وأحبابه، فلا غرابة أن يغرد عدة فقرات من فقرات هذا الموشح ليكرر النواح على ما فات، ويصف نفسه وقد جلس في الليل باكياً مردداً أشعاره:
بلبل علمه البين البيان
بات في حبل الشجون اشْتَبَكَا
في سماء الليل مخلوع العِنان
ضاقت الأرض عليه شَبَكا
كلما استوحش في ظِلِّ الجنانْ
جُنَّ فاستضحك من حيث بكى
ارتدى برنسه والتثما
وخطا خطوة شيح مُرْعَسِ
ويُرى ذا حدب إن جثما
فإن ارتد بدا ذا قَعَسِ
إنها صورة واضحة لحال الشاعر في منفاه وقد فقد لذات العيش في وطنه وصار وحيداً في غربته، وزادته سنوات عمره بلاءً على بلائه، حتى صار وكأنه شيخ كبير السن متهدم الخلقة أحدب أقعس.
(مرعس: يمشي مَشْياً ضعيفاً لِكبَر سنِّه).
(القَعَسِ: ضد الحدب، وهو نتوء الصدر).
وعلى هذا المنوال سار شوقي في الفقرات الخمس اللاحقة، إلى أن جاء إلى الفقرة السابعة، فبدأ سيره في طريق مختلف، ففي هذه الفقرة وجَّه حديثه إلى الشباب قائلاً لهم: إن عنوان الشباب هو ما تضفيه عليهم ثمرات الحسب الزاكي المصفَّى. وتكفيكم إحَاطَةً بجدوى الكرم المحض مسيرة نقية باقية ما بقي الليل والنهار:
في كتاب الفخر (للداخل) بابْ
لم يلجه من بني الملك أميرْ
في الشموس الزهر بالشام انتمى
وَنَمَى الأقمارَ بالأندلسِ
قعد الشرق عليهم مأتما
وانْثَنَى الغربُ بهم من عُرُسِ
ثم صار يقص على الشباب حكاية صقر قريش كيف هو، وكيف تولى حكم الأندلس، وما هو حال الأندلس في زمنه. واستمرت الفقرات تحكي حكاية عبدالرحمن الداخل منذ وجد أن استمراره في المشرق ليس في مصلحته، وأن عليه أن يبحث عن طريق آخر يعيش فيه ويسود. وهكذا سار هذا البطل الذي أثنى عليه أعداؤه ومحاربوه، فلقد سمت نفسه إلى العز وعلت همته فخاض المخاطر.
وفي الفقرة ذات الرقم (21) نرى شوقي يكيل المديح لممدوحه، وهو مديح صادق لأن الشاعر لا يرجو من ورائه نفعاً مادياً ولا معنوياً، فقد كان ممدوحه في عداد الأموات حين قال هذا الموشح.
أيُّ مُلْكٍ من بنايات الهمم
أسس (الداخلُ) في الغرب وشادْ
حَكَمتْ فيه الليالي، وحَكَمْ
في عواديها قياداً بِقيادْ
سُلِبَ العِزُّ بشرق فرمَى
جانب الغرب بِعِزِّ أَقْعْسِ
وإذا الخيرُ لعبدٍ قُسِمَا
سَنَحَ السَّعْدُ له في النَّحَسِ
وتتبع في باقي فقرات الموشح كل ما يمكن أن يقال عن صقر قريش إلى أن توفي هذا الصقر، وواروه الثرى في قصره بقرطبة التي عاش مَلِكَاً لها.
ثم يقول الشاعر:
كنت صقراً قُرَشِيّاً عَلَماً
ما على الصقر إذا لم يُرْمَسِ
إن تسل أين قبور العُظَما
فعلى الأفواه أو في الأنفس
أنت يا عبدالرحمن الداخل رجل شجاع ومجازف وحاكم قدير لك سمعة نادرة المثال، وإنك وإن اختطفك الموت فسوف تبقى في نفوس الناس، ويبقى ذكرك على أفواههم إلى الأبد.
هكذا قال أمير الشعراء أحمد شوقي.
***
هذ الذي قدمناه كان نموذجاً من نماذج المعارضات الشعرية التي اعتاد شعراء العرب على نظمها، ونحن نرى أن الشاعر إذا عارض قصيدة لشاعر آخر بعيدٌ زمنه عنه، فإن ذلك دليل على إعجابه بالقصيدة التي يعارضها ورغبته في التشبه بذلك الشاعر.
ولقد رأينا في هذا المقال كيف عارض شوقي موشح لسان الدين ابن الخطيب، ولم تكن هذه هي المرة الأولى لأمير الشعراء في معارضاته للقصائد فقد وجدنا له:
أ- معارضته لقصيدة البحتري السينية التي مطلعها:
صنتُ نفسي عما يُدَنِّسُ نفسي
وترفعت عن جدا كل جبسِ
وقال شوقي على نمطها:
اختلاف النهار واليل يُنسي
فاذكرا لي الصِّبا وأيَّامَ أُنْسي
ب- ولما اطلع شوقي على قصيدة علي بن عبد الغني الحصري التي مطلعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غَدُهُ
أقيامُ الساعة مَوْعِدُهُ
عارضها بقصيدة نالت شهرة كبيرة وبخاصة بعد أن قام الفنان محمد عبدالوهاب بتلحينها وغنائها، ثم غناها من بعد عدد من المغنين، وهذا هو مطلع المعارضة:
مضناك جَفَاهُ مرقده
وبكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّده
حيران القلب مُعَذَّبُهُ
مقروحُ الجَفْنِ مُسَهَّدهُ
جـ- وعمت البقاع شهرة قصيدة لشوقي التي عارض فيها قصيدة للشاعر محمد بن سعيد البوصيري التي مطلعها:
أمن تذكُرِ جيران بذي سَلَمِ
مزجتُ دمعاً جَرَى من مُقْلَةٍ بِدمِ
وهي المسماة بالبردة، وعارضها شوقي بقصيدة سماها: نهج البردة، ومطلعها:
ريم على القاع بين البان والعلم
أحلَّ سفك دمي في الأشهر الحرم
وسبب ذيوع هذه القصيدة أن كوكب الشرق أم كلثوم شدت بها من ألحان الفنان رياض السنباطي.
ولم يكن أحمد شوقي وحيداً في هذا المسلك كما أن شعراء الكويت لم يتخلفوا عن ذلك، فلعدد من شعرائنا قصائد أو مقطعات صنعوها إما على سبيل المعارضة كما فعل شوقي، وإما على سبيل التشطير أو التخميس، وذلك بإدخال ألفاظ على ألفاظ الأبيات في قصيدة من قصائد شاعر سابق.
أ- قام الشاعر الكويتي داود سليمان الجراح بتشطير أبيات قالها ابو محجن الثقفي واسمه عمر بن حبيب، وأبيات الأصل هي التي سوف تأتي بين قوسين:
(عليك إذا ضاقت أمورك والْتَوتْ)
بأن تجعل المولى الكريم هو الذُّخْرُ
وهوِّن عليك الأمر ما اسطعت واعتصمْ
(بصبر فإن الصبر مفتاحه الصبرُ)
(ولا تَشْكُوَنْ إلا إلى الله وحده)
ولا تدعُ غيرَ الله إن مَسَّكَ الضُّرُّ
وشطر الشاعر داود سليمان الجراح أبياتاً للشاعر مهيار الديلمي فقال:
(بُعْدُ أحبابي كسائي الأرقا)
فرعَى الله أُويقات اللقا
كلما مَرَّ نسيم مِنْهُمُ
(مات صبري فلهم طول البقا)
(كنت بالشِّعْبِ وكانوا جيرتي)
ونعمنا زمنا قد سبقا
وترحَّلْتُ لإحراز العُلا
(فافترقنا، والهوى ما افترقا)
أما شقيقه الشاعر إبراهيم سليمان الجراح فقد جاء له أكثر من عمل من هذا النوع منه تشطيرٌ لأبيات أبي محجن الثقفي التي سبق لنا ذكرها حين قدمنا نموذجاً مما قاله الشاعر داود الجراح، وهذه الأبيات هي معارضة وتشطير في وقت واحد:
(عليك إذا ضاقت أمورك والتوت)
فليس لها طّيٌّ وليس لها نَشْرُ
بتفويضها لله ثم تحمُّلٍ
(بصبر فإن الضيق مفتاحه الصبر)
وآخرها:
(إذا لاح عسر فُارْجُ يُسراً فإنَّهُ)
محالٌ بأن يبقى على حاله العُسْرُ
ولا تبتئس من حادث الدهر بعدما
(قضى الله أن العُسْرَ يَعْقُبُهُ يُسرُ)
***
هذا نموذج من نماذج تفنُّن الشعراء في أشعارهم فهم في هذا النوع الذي قدمنا نماذج له يستوحون ممن سبقهم ما يدفعهم إلى القول على النمط نفسه، ولا شك في أن هذا لا يحط من قدر الشعراء المحدثين، فإن المعارضات الشعرية فن شعري قديم، وكذلك التشطير وما شابهه، إن هذا النوع مما يفتح للنقاد باب المقارنة بين شاعر وآخر، ولمزيد من الاطلاع على مثل ذلك فإن الدكتور زكي مبارك قد ألّف كتاباً أسماه: «الموازنة بين الشعراء»، وقد طبعته مؤخراً مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، فيسّرت للقراء حصولهم عليه، ومن يقرأ هذا الكتاب فإنه سوف يعرف قيمة هذا الفن.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد