loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

وقفة

شبابنا والفن المسرحي المحاصَر


نعاني ونشتكي من انحراف قطاع واسع من شبابنا وانزلاقهم الى هاوية التطرف والعنف والى دهاليز الجريمة والرذيلة والارهاب، ولعل الذين يؤمنون بـ «نظرية المؤامرة» يعتقدون، وقد يكونون محقين، بأن ثمة مؤامرة كبرى قد تمت حياكتها والتخطيط لها وتنفيذها بنجاح واحكام تهدف الى تعطيل تقدم الشعوب العربية والاسلامية من خلال عرقلة وشل مسيرة الثقافة والفنون فيها وعن طريق محاصرة الشباب العرب والمسلمين في زاوية ضيقة مظلمة وابعادهم عن اشعاع وأنوار الثقافة والفنون وحرمانهم من اشباع حاجاتهم ورغباتهم منها ومن مزايا وفوائد مختلف تجلياتها؛ فقيل لهم ان المسرح حرام والسينما حرام والموسيقى حرام والرسم والتصوير حرام والنحت حرام، وبذلك تتولد لديهم وتنمو حولهم مساحة واسعة  من الفراغ النفسي والذهني والروحي يتم استغلالها والنفاذ اليها وتلويثها بأفكار التخلف والتعصب والتطرف والانحراف وما يؤدي اليه ذلك من انخراط وانجراف نحو العنف والجريمة والارهاب.
ان الذين يسعون الى ابعاد الشباب العربي والمسلم عن الفنون بشكل خاص يدركون أنها تشكل نشاطا ابداعيا يدخل في جميع نواحي الحياة بما في ذلك النواحي العلمية والتكنولوجية، وأن الفنون تلعب دورا أساسيا في تحقيق التوازن النفسي عند الانسان، وتنمي مواهبه وتوسع مداركه وتعمق احساسه بالجانب الجميل في الانسانية والحياة، وتكسبه القدرة على النقد والحكم والتقييم، وتجعله قادراً على التمييز بين القبيح والجميل والصواب والخطأ والخير والشر والنافع والضار، وتعزز القيم والمبادئ النبيلة في نفسه ووجدانه، وعند التعاطي مع الفنون أو ممارستها تتكسر وتتوارى نوازع العنف والسخط والغضب في النفس فتلين وتستقر في هدوء وسكينة ما ينعكس ايجابيا على سلوك الفرد وعلاقته بمحيطه فينبذ الكراهية والتطرف والعنف وينحاز الى قيم السلم والمحبة والتعايش والتعاون.
لذلك تحرص الأنظمة والمجتمعات الراقية على رعاية الفنون ودعمها والارتقاء بها، وتسعى في المقابل قوى الاستغلال والظلام الى مطاردتها ومحاصرتها وخنقها وتجريم وتكفير من يتعاطاها أو يقترب منها.
ان النص القرآني المقدس يخلو من أي اشارة صريحة للتحريم المزعوم وبالأخص تحريم الممارسة المسرحية، الا أن أصحاب نظرية التحريم من المسلمين يعتمدون على تفاسير محددة لأحاديث منسوبة الى نبي الأمة عليه أفضل الصلاة والسلام تحظر كل ما هو تشخيص أو تصوير فني للانسان، وهي تفاسير في أحسن أحوالها تعطي الاعتبار للمتن والسند وترا جم الرواة ولا تهتم بالنظرة النقدية والتحليلية. كما ان تلك الأحاديث جاءت في وقت اقتضت فيه الضرورة محاربة الوثنية وعبادة الأصنام والخشية من الردة والشرك، ويفسرها فريق آخر من المفسرين والعلماء على أنها تحريم للتشخيص بغرض التبجيل أو لصنع أي تمثال بغرض العبادة أو أي صنم للآلهة التي كان المشركون يعبدونها ويسجدون لها ويقدمون لها القرابين أو أي رسم للصلاة أو التبرك، وليس حظرا أو تحريما للأعمال الفنية المرتبطة بالرسم أو بنحت التماثيل والمجسمات.
ومع ذلك فقد استقر في أذهان البعض منا تحت تأثير غلاة المشتغلين بالدين، أن الاسلام قد حرم ممارسة الفنون البصرية جملة وتفصيلا. ونبذ كل أشكال التعاطي معها.
ان ما دعاني للتوقف عند هذه المحطة وكتابة هذا المقال هو الخبر الذي نشر أخيراً عن فعاليات «مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة» الذي نظمت الدورة الثامنة منه دائرة الثقافة في حكومة الشارقة في شهر سبتمبر الماضي في مقر المركز الثقافي لمدينة كلباء الاماراتية، بهدف تحفيز الابداع واكتشاف وصقل المواهب الشابة واثراء المجال المسرحي بالمزيد من الرؤى التي تدفع بالحراك المسرحي العربي نحو آفاق أكثر مواكبة وحداثة؛ حيث أقيم هذا المهرجان بالتزامن مع «ملتقى الشارقة للبحث المسرحي».
مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة يأتي ضمن سلسلة من الأنشطة والفعاليات التي تقام في الشارقة والمتعلقة بالحراك المسرحي في الدول العربية وتشمل «مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي» و«ملتقى الشارقة للمسرح العربي» و«مهرجان الشارقة للمسرح المدرسي» و«أيام الشارقة المسرحية» و«مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي» وغيرها من الأنشطة المشابهة التي تقام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والتي تعكس ادراك دولة الامارات العربية المتحدة لأهمية النشاط المسرحي، والتي ستسهم بشكل محسوس في كسر وفك الاهمال أو الحصار المفروض والمضروب حول المسرح في وطننا العربي.
ولا شك أن هناك مبادرات ومشاريع وبرامج مشابهة أخرى في دول أخرى في العالم العربي الا أن اهتمام دولة الامارات بالمسرح يبدو أكثر بروزا ويستحق كل الاكبار والتقدير والاشادة والثناء، فالمسرح تاج الفنون وسمي بـ «أبي الفنون»، وهو من أسمى الفنون التعبيرية التي عرفتها البشرية واهتمت بها ورعتها بالمساندة والدعم والتجويد والتطوير، وهناك مقولة منسوبة لشكسبير جاء فيها: «أعطني خبزا ومسرحا أعطك شعبا مثقفا».
ولذلك فان المسرح في دول العالم المتقدم يحتل مرتبة متقدمة في الحياة اليومية، ويتم من خلاله تحقيق الأهداف التربوية والتنموية والأمنية لهذه الدول، كما أن المسرح من الوسائل التي تسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتوفير حلول لمشكلات المجتمع.
ولننظر الى أوروبا وكل ما تتمتع به من تطور وتقدم ورقي والتي من بين أسبابها الاهتمام بالمسرح ورعاية الفنون المسرحية، ولنر ما يحظى به المسرح فيها من مكانة رفيعة مرموقة وما يتمتع به الفن المسرحي من تنوع وثراء متميز، وهو ما يشكل امتدادا واستمرارا لتاريخ وارث قديم متوارث أرسى قواعده الاغريق والرومان الذين اهتموا بالفنون المسرحية وشيدوا لها المسارح والمدرجات الكبرى.
وحتى في هذه الأيام حيث ينغمس وينشغل الشباب في الغرب حتى النخاع بالتكنولوجيا الحديثة ومعظم تجلياتها ومنها وسائل التواصل الاجتماعي، فانهم لم ينسلخوا أو يتخلوا عن تراث وثقافة المسرح، فعندما نزور عواصم ومدن الدول الغربية نرى كيف أن المسارح ودور وصالات العروض تعج بالرواد من مختلف الأعمار ما يعكس حيوية هذه الشعوب ونضجها.
وسنتوقف للاشارة المختصرة السريعة عند جانب من انجازات دولتين أوروبيتين فقط؛ بريطانيا وألمانيا  في هذا المجال.
فالعاصمة البريطانية لندن تعتبر من أهم عواصم الفن المسرحي في أوروبا، وهي مألوفة لدى الكثيرين منا، نتردد عليها باستمرار ويشدنا اليها دائما ذلك التألق والتعلق بالفن والثقافة، وهي مدينة عامرة دائما بمهرجاناتها ومسارحها النشطة وحفلاتها الموسيقية وعروضها الفنية المتنوعة، وأن منطقة «وست اند» فيها التي لا تزيد مساحتها عن 18 كيلومترا مربعا مكتظة بمسارح عريقة يبلغ عددها 40 مسرحا. وفي لندن ترعرع ولمع الأديب والروائي والشاعر البريطاني العملاق وليم شكسبير الذي ألف 38 مسرحية ما يزال المسرح البريطاني يواصل عرضها باستمرار وبأساليب ابداعية متجددة حتى بعد مضي أكثر من 400 عام على وفاة شكسبير دون أن تفقد أيا منها روعتها وجاذبيتها.
وماذا يعني أن يستمر الاقبال الكثيف في لندن على المسرحية الموسيقية المعروفة «فانتوم أوف ذا أوبرا أو شبح الأوبرا» التي يتم عرضها منذ أكثر من 20 سنة دون انقطاع، وهي المسرحية الموسيقية الأشهر بين جميع المسرحيات الموسيقية؟
وماذا عن المسرحية أو الملحمة الموسيقية الرائعة «لي ميزارابل أو البؤساء» التي عرضت في لندن لأول مرة في العام 1985؟ هذه المسرحية تجسد رواية البؤساء المشهورة للروائي الفرنسي فيكتور هوغو، وقد شاهد المسرحية حتى الآن أكثر من 55 مليون شخص حول العالم.
أما ألمانيا التي تحفل بالثراء المسرحي فانها توصف بأنها جنة المسارح في أوروبا، ففيها تمتلك الدولة وترعى وتمول نحو 150 دارا للمسرح، اضافة الى ما يزيد على 280 مسرحا خاصا تعنى بمختلف الاتجاهات والتقاليد الفنية والانتماء الجهوي والثقافي. ويتردد نحو 35 مليون شخص من مختلف الأعمار سنويا على نحو 110 آلاف عرض مسرحي وسبعة آلاف حفل موسيقي في ألمانيا.
لقد حضرت قبل بضع سنوات أحد العروض الموسيقية المقامة في دار الأوبرا البافارية في شارع ماكسيميليان بمدينة ميونخ، ودار الأوبرا في ميونخ تعتبر من بين أشهر دور المسرح الرائدة ليس على مستوى ألمانيا فحسب بل على مستوى العالم بأسره، فهي من أروع المعالم التراثية والمعمارية القديمة، ويستطيع الفرد أن يتنفس ويلمس بداخلها عبق الحضارة وعراقة التاريخ  والذوق الرفيع المنعكس في الزخارف واللوحات والابداع الفني والموسيقي. أكثر من ستمئة ألف شخص من مختلف دول العالم يقصدون دار الأوبرا البافارية سنويا ليستمتعوا بمشاهدة أشهر البرامج تنوعا واثارة في العالم.
«برتولت برخت» روائي وكاتب ألماني معروف كتب مسرحية اسمها «99 في المئة.. الخوف والبؤس في الرايخ الثالث» وهي مسرحية تعالج أساليب الفاشية وتأثيرها على عقول الناس، وقد عرضت المسرحية في بداية عقد الثلاثينيات من القرن الماضي الا أن النازيين أوقفوا عرضها وطاردوا مؤلفها ما اضطره للهرب من ألمانيا، والآن يتم اعادة عرضها على ضوء تنامي الحركات  الشعبوية واليمينية المتطرفة التي تحمل بذور النازية والفاشية الجديدة.
وهنا أيضا يبرز دور امارة الشارقة في ترويج ثقافة المسرح بالوطن العربي عندما باشرت الهيئة العربية للمسرح بالشارقة ترجمة هذه المسرحية ومن ثم أدائها باللغة العربية.
فتحية لكل من يعمل على تحرير عقول شبابنا المنحرف وتخليصهم من قبضة الغواية والتخلف والتضليل وتشجيعهم على المساهمة بكل ثقة في كل ما يؤدي الى التحاق أمتنا بركب الرقي والتقدم والتطور.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد