loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الوصايا


ليس هذا الموضوع جديداً، ولكنه يتناول موضوعاً مهماً سبق لنا أن تطرقنا إليه في يوم الأربعاء الموافق للثامن عشر من شهر يناير لسنة 2012م. ولكن مقالنا هذا يطرح أمر الوصية والوصايا من جانب آخر غير الجانب الذي سبق لنا ذكره. فلقد كان موضوعنا المشار إليه يتطرق إلى الموضوع نفسه، ولكن في إطار محدود، وكان عنوان ذلك المقال هو: «نهج علماء المسلمين في النصح لولي الأمر» وكان مقارنة بين وصيتين إحداهما كانت مما أوصى به القاضي أبويوسف: يعقوب بن إبراهيم، الخليفة العباسي هارون الرشيد. وكانت الثانية رسالة بمثابة وصية كتبها الشيخ عبدالله الخلف الدحيان، ووجهها إلى الشيخ سالم المبارك الصباح الذي كان أميراً على البلاد في الفترة من سنة 1917م إلى سنة 1921م، وقد جرى الشيخ عبدالله الخلف في رسالته هذه مجرى علماء الأمة حين يوجهون نصحهم إلى أولياء الأمور، وذلك تلبية منهم لواجبهم الديني، وهو امتثال للحديث الشريف الذي ينص على أنَّ: «الدين النصيحة» وقد سأل الصحابة الأجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن؟ فقال: «لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، ولا شك في أن الإخلاص لله ولكتابه ولرسوله أمر مهم وتوجيه الناس إلى ذلك من الوصايا المهمة. أما باقي الحديث فهو ما حدث من الإمامين الكريمين اللذين ذكرنا قيامهما بما وجب عليهما من هذه الناحية.
وقبل الانتقال إلى تقديم الأمثلة فإننا ينبغي أن نذكر شيئاً عن المعنى اللغوي للوصية. ولقد ورد في كتاب لسان العرب ما يشفي الغليل من هذه الناحية فهو يقول: «معنى أوصى الرجلُ رجلاً آخر أنه عهد إليه بشيء ما» (أي كلفه بعمل بعينه)، وفي الحديث الشريف: «استوصوا بالنساء خيراً»، وفيه أن الرسول الكريم يوصي أمته بالنساء.
والوصاة والوصية ما أوصيت به غيرك من الناس، ولفظ الوصية في القرآن الكريم، كما نراه في قوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم»، معناه يفرض عليكم، وقد مَدَحَ الله عباده المؤمنين الذين نفى عنهم الضلال وجعلهم على الهدى فقال: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».
ولقد ورد ذكر الوصية في القرآن الكريم في عدة مواضع نذكر منها قوله تعالى:
1 - ما جاء في الآية رقم 132 من سورة البقرة، وهو: «ووصَّى بها إبراهيم نبيه ويعقوب يا بنيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون».
وكانت الوصية هي التمسك بالإسلام.
2 - وبعد عدة وصايات بدأت بالآية رقم 151 من سورة الأنعام، استمرت هذه الوتيرة في تقديم النصح للناس من الله سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيقول:
«ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشُدَّه، وأوفوا الكيل، والميزان بالقسط، لا تُكلّف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا ذلك وصَّاكُم به لعلكم تذكَّرون».
ومن الوصايا وصية الإنسان عن نفسه يُكلِّف بها من يراه أهلاً لها، وفي عدة آيات أولها الآية رقم 106 من سورة المائدة يقول عز وجل:
«يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا نكتُمُ شهادة الله، إنا إذاً لمن الآثمين».
فهذه وصية من هو مقبل على لقاء ربه، ولذلك فقد كانت الاحتياطات مشددة من حيث نوع الشهود وحلفهم، وكون ذلك بعد الصلاة دلالة على أنهم على دين الموصى. وقد استمر القول الكريم في الوصية حتى نهاية الآية رقم 108م، فتعالى الله أحكم الحاكمين.
وهذه الأمثلة كافية وإن كانت هناك ثلاثة مواضع غيرها. يذكر القرآن الكريم الوصية على طرق متعددة.
إذن فإن للوصية - كما رأينا - معنى واسِعاً، منه ما يقصد به توجيه النصح لمن يستحق التوجيه، ومنها ما يوصى به الرجل ورثته بعد وفاته، أما ما نريد الحديث عنه هنا فهو المعنى العام. كما ورد في كتب اللغة التي أشرنا منها إلى ما ذكره ابن منظور في كتابه «لسان العرب» آنفاً.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي جعل للوصية أو (الوصاة) موقعاً مهماً في الحياة الاجتماعية منذ الإسلام على ما رأيناه من اتساع معانيها، وتكرار ذكرها في القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية الشريفة.
ولا يمنع ذلك أن تقديم الوصية كان من أعمال البشر حتى قبل الإسلام، وهذا ما تدل عليه بعض القصائد حين نرى فيها إشارة إلى وصايا كبار القوم لمن هم دونهم سنّاً أو مقاماً. وسوف نرى ذلك.
****
جاء ذكر الوصية في الشعر العربي القديم، فقد اعتاد الآباء في ذلك الوقت على توصية أبنائهم أو أبناء قبيلتهم بأمور ينبغي عليهم الالتزام بها إذا ما أرادوا أن تبقى مكانتهم سامية بين الناس.
وهذا هو الشاعر ميمون بن قيس المشهور بالأعشى المعروف بشعره المطرب الذي كان الناس يتغنون به حتى سمّى هذا الشاعر: صناجة العرب، وكان من قبيلة بكر بن وائل، وله خال شاعر مشهور هو المسَيَّب بن عَلَسْ، وقد طوف الأعشى بأماكن متعدة ومدح الملوك وكبار القوم في زمنه. وكان قد سمع عن الإسلام وأحب أن يسلم، وفي طريقه مر بقريش فلم يروا أن في إسلامه نفعاً لهم، بل فيه ضرر كبير لأنه شاعر مشهور، وكأنه بوق دعاية للدين الذي كان جديداً وقت ذاك، وقد أغروه بالمال وغيره، وطلبوا منه العودة من حيث أتى، ويستطيع أن ينتظر سنة أخرى يراجع فيها نفسه، فإذا عزم آنذاك فبإمكانه الذهاب إلى المدينة المنورة واعتناق الدين الإسلامي.
وكان قد أعد قصيدة عزم على إلقائها، أمام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومطلعها:
ألم تَغْتَمِضْ عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السليمَ المسهَّدا
(السليم: الملدوغ من حية أو عقرب).
وفيها يحدث عن ناقته:
فآليت لا أرثي لها من كلالةٍ
ولا من حَفَىً حتى تزور محمداً
متى ما تًناخي عند باب ابن هاشم
تُريحي وَتَلقَيْ من فواضله يدا
نبيٌّ يرى ما لا ترون، وذكره
أغار، لعمري، في البلاد وأنجدا
وفي باقي القصيدة ذكر لبعض أركان الإسلام، ولكنه مع كل ما قاله في قصيدته انصاع إلى ما طلبته منه قبيلة قريش واتخذ سبيله إلى قريته في نجد. ولكن الله سبحانه وتعالى لم يمهله، فألقته ناقته من فوق ظهرها ليسقط على الأرض ميتاً، ويدفن هناك في سنة 629م.
ولقد ذكر الأعشى الوصية في شعره وبيّن أهمية الالتزام بها، وكان لا بد لنا من ذكر شيء عن حياته وشعره قبل أن نصل إلى هذه المرحلة فها هو يذكر وصية قالها سيد قومه، وهو فيما يبدو في أواخر أيامه وقد اهتم بإبلاغ القبيلة بما يجب عليها أن يقوم به حتى تحتفظ بمكانتها، يقول الأعشى:
إنّ الأعَزّ أبَانَا كَانَ قَالَ لَنَا:
أوصيكمُ بثلاثٍ، إنّني تلفُ
الضّيْفُ أُوصِيكُمُ بالضّيْفِ، إنّ لَهُ
حَقّاً عليّ، فَأُعْطِيهِ وَأعْتَرِفُ
وَالجَارُ أُوصِيكُمُ بِالجَارِ، إنّ لَهُ
يوماً منَ الدّهرِ يثنيهِ، فينصرفُ
وَقاتِلوا القَوْمَ، إنّ القَتْلَ مَكْرُمَةٌ
إذا تلوّى بكفّ المعصمِ العُرُفُ
فهذه نصيحة مجرِّب في مجتمع له عادات خاصة، وبما ورد من هذا الباب هذه الأبيات التي قالها الشاعر محمد بن بشير الخارجي. وهو من شعراء العصر الأموي، وكان يعيش في البوادي القريبة من المدينة، له شعر كثير، وقد ورد ذكره في عدد من الكتب القديمة التي كتب مؤلفوها عن الشعراء، ومما تنبغي الإشارة إليه أنه خارجي نسبة إلى بني خارجة، وهم فرع من قبيلة عدوان الكبيرة، وليس خارجيَّ المذهب.
ونحن هنا نختار له بعض الأبيات التي تدلنا على مكانته في الشعر، وتصرُّفه فيه. وفي الوقت نفسه فإن ما نختاره له مما فيه الوصية والنصيحة.
اختار له أبو تمام في كتاب «الحماسة» هذه المقطوعة الجميلة في ألفاظها ومعانيها وهي قوله:
ماذا يكلِّفُكَ الرَّوْحاتِ والدُّلَجَا
السَّيْرَ طوْراً وطوراً تركَبُ اللُّجَجَا
كَمْ مِنْ فَتىً قَصُرَتْ في الرِّزْقِ خُطْوَتُهُ
ألفيتَهُ بِسِهامِ الرزق قد فَلَجا
لا تَيْأَسَنَّ وإنْ طالَتْ مُطالبَةٌ
إذا استعنَت بصبرٍ أنْ ترى فَرَجا
أخْلِقْ بذي الصبرِ أنْ يحظَى بحاجته
ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبواب أن يَلِجَا
قدِّر لرجلك قبل الخَطْوِ مَوْضِعَها
فَمَنْ عَلاَ زَلَقاً عن غِرّة زَلجَا
ولا يَغُرَّنْكَ صَفْوٌ أنتَ شارِبُهُ
فربما كان بالتكدير ممتزجَاً
وها نحن نرى هذا الشاعر وقد جمع في أبياته القليلة هذه النصيحة والحكمة، حتى لقد صار قوله: قدِّر لنفسك قَبْلَ الخطو موضعها، مما يردده الناصحون الذين يطلبون من الذين يوجهون إليهم أقوالهم أن يتحرُّوا الهدوء، والإقدام على الأمور بمزيد من التأني والتأكد من سلوك الطريق القويم الذي يصل به المرء إلى حاجته دون أن يتعرض إلى مكروه.
وفي الشعر الكويتي النبطي قصائد كثيرة فيها النصح وفيها الوصية. وقد اشتهرت من ذلك قصيدة للشاعر صقر النصافي. وهو شاعر كبير من شعراء الكويت الذين أبدعوا في الشعر النبطي، وجاؤوا منه بقصائد رائعه بها أجود المعاني وأحلى العبارات.
وَلِدَ هذا الشاعر المبدع في الكويت سنة 1878م، وتوفي بها في سنة 1948م. واشتغل في عدة أعمال منها المشاركة في رَحَلَاتٍ صيد اللؤلؤ أسوة بغيره من أبناء وطنه، وكانت له علاقات جيدة مع كثير من الشعراء، وله مراسلات شعرية معهم.
وكان يقول شعره في كافة الأغراض التي اعتاد الشعراء على التطرق إليها من مديح ووصف وغزل وهجاء وعتاب وغير ذلك.
وكان غزله من النوع العفيف الذي ليس فيه ما يخدش الحياء، حتى لقد ذكر في إحدى قصائده عجبه من تغير طباع الناس، وذلك بغلبة سوء الظن على نفوسهم حيث قال في ذلك:
لا والله إلا صار طبع العرب شينْ
من داج بين ابيوتهم برّقوا بَهْ
الحِبْ شان، وشيّنوه الخبيثينْ
اللِّي من أوَّل چد مشوا في ادروبه
إِمْنَ أولٍ نوصَلْ ونمشي جِرِبينْ
وْزولي ليا منه بدا رحَبوا بَهْ
واليوم صاروا كِلّهم لي عَدِوِّينْ
كِثْرَتْ نمايِمهُمْ، وْخِلِّي حكوا بَهْ
يقول:
لقد ساءت طباع الناس، وغلب الشك عليهم، فهم يرقبون بأعينهم كلَّ من يجول بين مساكِنِهِمْ، ولقد صار الحب العفيف أمراً سَيِّئاً بِسَبَبِهِمْ، وكانوا من أهله فيما مضى من زمانهم، ولكنهم الآن يُبدون العداوة ضدي، ويتنكَّرون لي.
أما وصيته فجاءت في قصيدة طويلة من الوزن المروبع، وجهها إلى أولاده، ذاكراً أسماءهم واحداً بعد الآخر، وكانت وصية ونصيحة في الوقت نفسه، ومنها قوله:
قال من وصى عْياله
وِدَّهْ إلهم بالشكاله
خابر راعي الرزاله
بالمجالس تشنعه
يا امهلي شوف اخوانكْ
شانهم من صوب شانكْ
عندما يزعل إلسانكْ
عنهم الغيظ ادفعه
وأنت يا علي افتكرْ
خل قولي لك ذِكِرْ
رِبْعهْ الطيب شكر
والردي لا تتبعه يا مْسَلَّمْ وأنا ابوك
العرب لو صاحبوك
ما يسرك غير أخوك
كل ما يامر طِعَهْ
يا عيالي كلكم
إفطنوا في حلكم
التنازع ذلكم
والتصافي منفعه
إجهدوا لله بطاعه
وإتبعوا راعي الشفاعه
قبل يومٍ فيه ساعه
عند ربي مرجعه
هذا؛ ولمزيد من المعلومات عن هذا الشاعر، انظر كتابنا: «الأغاني، في التراث الشعبي الكويتي»، ص 221، وما بعدها.
وكذلك ديوان الشاعر، وهو مطبوع.
ومن شعراء الكويت النبطيين الذين أبدعوا في قصائد الوصايا والنصح الشاعر الكبير زبد الحرب، فإن له شعراً غزيراً، ورائعاً في موضوعات كثيرة ومنها موضوعنا هذا الذي نتحدث عنه، ومما قاله في إحدى قصائده ناصحاً:
أوصيك عِز النفس إن كنت رَجَّالْ
النفس هِي مفتاح خبثك وطيبه
وْبالك اطَّالِعْ حاجةٍ عند الانذالْ
يحيل دونها اطويج لوهي جريبهْ
وبالك إترادِدْ من إذا قال فَعَّالْ
عِزِّي المن هو صار شرعه طليبهْ
واحذر عن النمام يا طَيِّب الفالْ
اللي طعامه عْروض ربعه بْغيبهْ
إلى آخرها، وهي طويلة كثيرة الوصايا والنصائح قالها بعد أن كبر سِنُّه، وصار ممتلئا بخبره السنين التي عاشها، والحياة التي عركها وعركته، وكان مطلع قصيدته هذه هو:
بن حرب شاب وتاب عن بدع الأمثال
قلبه ضعيف والقوافي صعيبهْ
(انظر: ديوانه المطبوع بعناية ابنته الأستاذة غنيمة زيد الحرب).
****
ونعود الآن إلى الوصايا من جانبها الديني، وقد سبق لنا القول عن حث القرآن الكريم على الوصية، وقدمنا الدلائل على ذلك كله. وهذه نماذج من الوصايا التي وردت بها وثائق رسمية صدرت من قضاة الكويت على فترات ماضية من الزمن. ولقد أطلق على هذه الوثائق اسم: الوثائق العدسانية لأن مصدرها عدد من القضاة كونوا سلسلة ذهبية في تاريخ القضاء الكويتي وكلهم من آل عدساني الكرام.
ولقد صدرت بهذه الوثائق وأمثالها موسوعة أُطلق عليها اسم: «موسوعة الوثائق العدسانية» قام برعاية طباعتها ونشرها الأخ الكريم فهد عبدالرحمن المعجل، جزاه الله خيراً. وكان الذي وثّقها وجعل لكل وثيقة منها بعض التعليقات مع تعليق أحد المهتمين، فالشكر لهما على ما فعلا ونحن في انتظار الأجزاء الأخرى من هذه الموسوعة القيمة لأن ما بين أيدينا الآن إنما هو الجزء الأول منها.
أما ما يتعلق بقضاة الكويت بصورة عامة، فقد تم لنا تناول تاريخهم في مقال من مقالات الأزمنة والأمكنة نشر في المجلد الثالث من مجموعات هذه المقالات، وذلك في الصفحة رقم 248. وكان نشر المقال أصلاً في جريدة الوطن يوم الأربعاء الموافق للثامن عشر من شهر يونيو لسنة 2008م. ولذا فلا داعي للعودة إلى الحديث في هذا الموضوع، ولكننا نقدم نماذج من الوصايا التي اخترناها من المجموعة التي أشرنا إليها آنفاً، وهي:
1 - الوثيقة الأولى هي التي صدرت في سنة 1848م. وهي تحتوي على وصية شاملة، تمت على يد الشيخ القاضي عبدالله بن محمد العدساني، وقد كان الموصِّي هو المرحوم عيسى بن محمد المخيزيم. أما الوصية فهي عامة فيها نصائح يستفيد منها كافة المسلمين وفيها توجيه لورثة الموصي، وهي كلها تدل على مدى إيمان هذا الرجل، وعزمه على أن يلقي الله سبحانه وتعالى وقد أبرأ ذمته من كل شيء، وهذا ما سوف نراه في الوصية التي هذا هو نصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
صح لديَّ ما ذكر وأنا العبد الفاني عبدالله بن محمد العدساني،،،
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، هذا ما أوصى به الرجل البالغ العاقل الحر الرشيد عيسى بن محمد بن مخيزيم في حال صحته، وثبوته، وكمال عقله، بأنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمؤمنين إخواناً، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من خلف من أهله وجيرانه أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وأوصى بأن وكيله على ابنته منيرة، وثلث ماله ابنه سليمان، وأوصى بأن عبيده بأجمعهم أحرار لوجه الله تعالى، فمن أراد منهم أن يقعد عند ابنه سليمان فليفعل، ومن أراد أن يظهر عنه فلا يمنعه ابنه ويعطيه من الثلث كما يعطون سائر المعتقين عند إعتاقهم، وأوصى ابنه المذكور بالمحافظة له في أعمال البر في كل الأوقات الفضيلة وعدم الغفلة عن ذلك، وأوصاه سعة الصدر على أخته ومن تحت يده من العبيد والرفق بهم، وأن لا يكلفهم ما لا يطيقون، والله سبحانه وتعالى المستعان على كل أمر مهم والموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. جرى وحرر في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1264هـ».
وكنا قد نشرنا مقالاً من مقالات الأزمنة والأمكنة عن المرحوم عيسى بن محمد المخيزيم صدر في يوم الأربعاء الموافق 23/6/2010م.
2 - الوثيقة الثانية: وهي ليست مما يُطلق عليه اسم: الوثائق العدسانية، لأنها لم تصدر عن قاض منهم، ولكن ذكر العدساني ورد فيها باعتبار أن مصدر الوصية وهو عبدالرزاق بن سليمان المديرس وكَّل على ثلث ماله السيد يوسف بن عبدالعزيز العدساني.
ونص الوصية هكذا:
«بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
هذا ما أوصى به الرجل الحر الرشيد عبدالرزاق بن سليمان المديرس، في حال صحته وكمال عقله، بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من خلف من أهله وجيرانه أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصى أَنْ يكون بيته الذي هو ساكن فيه وقفاً على عياله، وعيال عيالهم، من الذكور ليس الإناث، وأوصى الوكيل على ثلث ماله يوسف بن عبدالعزيز العدساني يعمل له مثل ما يعمل الحي للميت من أفعال البر، ويوسف المذكور هو الوكيل على عياله، يقبض إرثهم إلى أن يرشدوا، ويعطي كل ذي حق حقه، والدكان الذي شمالي الدكان الذي نازله ابن بطي مكتوب باسمي، وهو خاصة الوالدة وملك لها... وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، 22 ربيع الثاني سنة 1310هـ، كتبه عن إقراره الأقل عبدالله بن السيد حسين».
هذا وقد صدرت هذه الوصية في سنة 1892، وشهد عليها المرحوم خضير المشعان.
وكنا قد نشرنا مقالاً من مقالات الأزمنة والأمكنة عن المرحوم خضير، وهو ضمن المقالات التي وردت في المجلدات التي تجمعها.
3 - الوثيقة الثالثة، هي تثبيت وقف وقفه المرحوم فهد بن علي السهلي، وحرره القاضي محمد بن عبدالله العدساني. ونصها كما يلي:
«السبب الداعي إلى تحرير هذه الأحرف الشرعية، هو أنه قد أوقف وحبس فهد بن علي السهلي، ما هو له وفي ملكه، وتحت تصرفه، وهو الدكاكين المحدودين قبلتا الطريق النافذ، وشمالاً ملك حمود المقهوي، وشرقاً بيت عبدالعزيز المقهوي، وجنوباً الطريق النافذ، على عشيات وأضحيتين لأمه شريفة، وأبوها مرشد، وأمها فايزة، وأَخِيهِ عبدالله بن علي السهلي والوكيل على الدكاكين عبداللطيف ابن أخيه عبدالمحسن، يعمل من مصالح الدكاكين، ومن بعده من تولى الورقة من ذرية السهول الذكور، ومن بعدهم من يتولى الورقة من ذرية السهول الإناث، وقفاً صحيحاً شرعياً، محبساً، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمن بَدَّلَهُ من بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه، ومن اعترضه ببيع أو إرث أو هبة، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لئلا يخفى، جرى وحرر في 28 صفر سنة 1312هـ.
وقد صدرت في سنة 1894م.
شهد بذلك عن إقراره مبارك العذبي الصباح، شهد بذلك عن إقراره عبدالله بن محمد الراشد الهاجري، شهد بذلك عن إقراره أحمد ابن عبدالعزيز العريفان، شهد بذلك عن إقراره محمد بن فارس الدبوس».
4 - وهذه وثيقة كتبها عبدالعزيز بن محمد العدساني وكان قد حل محل القاضي محمد بن عبدالله العدساني الذي كان في رحلة إلى حج بيت الله الحرام.
وهذه وثيقة تعبر عن ذاتها، وصَّى بها المرحوم أحمد بن إبراهيم الوزان، في سنة 1917م، ونصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
هذي هي وصية أحمد بن إبراهيم الوزان المؤرخة سنة ألف ومائتين وسبعة سبعين،،،
الحمد لله الذي أمر بالوصية قبل حلول المنية، والصلاة والسلام على محمد وآله أنوار البرية وبعد، هذا ما أوصى به أحمد بن إبراهيم بن مهدي، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأن الخليفة من بعده علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، ثم موسى الكاظم، ثم موسى بن علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم الحجة القائم المنتظر، صلوات الله عليهم أجمعين، هذا من أمور آخرته، وأما في أمور دنياه فالوكيل على ثلثي جاسم يأخذ أول: .................. على الذرية وبيت أم حجي، حق خميس وأمه، وحق جاسم من رأس المرفوع أربعمائة ريال، وحق عيال أمانوه خمسين ريال من ثلثي، ودكان أبوي وقف على أبوي وأمي، على أضحية وختمات، ما أحد له في دكان أبوي ورث، وباقي الدكاكين ورث، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، حرر نقل هذه الورقة العبد الفاني عبدالعزيز بن محمد العدساني.
حرر هذا النقل في 2 شوال سنة 1335هـ.
ويبدو في النص فراغ غير واضح في أصل الوثيقة، ولكن المدلول العام على الوصية واضح جداً.
5 - وهذه هي الوثيقة الخامسة، وهي آخر ما رأينا عرضه هنا. وهي وصية تمت على يد الشيخ القاضي عبدالله بن خالد العدساني في سنة 1929م، وكان الموصي هو المرحوم عبدالله بن ساير الشحنان، وهو جد الأفاضل آل ساير المعروفين الآن، وكان في الوصية يقر أولاً بواجباته الدينية، ثم يطرح ما يوصى به، وقد كانت الوصية مفصلة ووافية بالغرض، مما يدل على رغبة الموصي في إبراء ذمته والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بإيمان صادق.
ونص الوصية كما يلي:
«الحمد لله سبحانه،
ثبت ما ذكر لدي وأنا العبد الفاني عبدالله بن خالد العدساني، قاضي الكويت،،،
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه وحزبه، أما بعد، فهذا ما أوصى به الرجل البالغ، العاقل، الرشيد الحاج عبدالله بن المرحوم الحاج ساير الشحنان، كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن عذاب القبر حق، وأن الجنة والنار حق، وأن الصراط حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من خلف من أهله وجيرانه أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله، إن كانوا مؤمنين، وأوصى بأن ثلث ماله على يد أخيه الحاج مبارك بن المرحوم ساير الشحنان، وأوصى بأن يعطى من ثلث ماله لأخويه من أبيه وهما أحمد، وخليفة، لكل واحد ألفين ربية، ولولد عمه محمد الناصر ألف ربية، ولأخته منيرة ألف ربية، والباقي يعمل فيه الوصي الحاج مبارك المذكور وجوه الخير من صدقة، وأضحية، وكل فعل خيري، وأوصى بأن الوصي على أولاده حتى يرشدون هو الحاج مبارك المزبور، ومن بعده الوصي على الثلث والأولاد هو ابنه علي، يعمل فيه كل عمل خير، وشهد على هذه الوصية براك بن عبالمحسن بن خميس، ومحمد المنيس، وحسبنا الله وكفى، نعم المولى ونعم النصير، حتى لا يخفى، تحريراً في 26 ذي القعدة 1347هـ، شهد بذلك عند إقراره براك العبدالمحسن الخميس، شهد بذلك عند إقراره محمد العبدالعزيز المنيس، صحيح عبدالله ابن ساير الشحنان».
****
هذا هو ما يتيح لنا المجال ذكره عن الوصايا التي صدرت، وقد ابتدأناها بالماضي القديم حتى وصلنا إلى تقديم أمثلة لوصايا أبناء الكويت في العصر الحديث ولا يزال الناس يقومون بهذا العمل إلى يومنا هذا وكاتب العدل في الكويت خير شاهد على ذلك. ولكننا أردنا بما قدمناه من أمثلة أن نُبَيِّن أن أهل الكويت كانوا حريصين على إصدار الوصايا وفق ما رتَّبه الشرع الشريف. وقد جرت عادتهم على ذلك حتى وقتنا هذا.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات