loader

الأزمنة و الأمكنة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

ما هي معالم الغد الجديد؟


صدر لي في اليوم الخامس عشر من شهر ديسمبر لسنة 2017م مقال نشرته جريدة «النهار» بعنوان: الأمس والغد»، وقد حاولت أن أقدّم فيه صورة عن أفكار رجل من رجال البحث عن المستقبل الذين صرفوا همّهم إلى النظر في أمور الحياة وشؤون إدارة الكون، وهو الأمريكي: بيتر دراكر، الذي صار له صيت كبير في مجال التنبؤ بما هو قائم من أمور الحياة وفق ما يراه من وقائعها الجارية.
ولقد تبيّن لنا في المقال السابق كم كان هذا الرجل معروفاً في تخصصه، ذائع الصيت في التخطيط الإداري والتنظيم، وعميق الثقافة، ذا إلمام بكلِّ آراء الفلاسفة الذين أبدوا أراءهم في الكون ونظامه، وطُرُق سير الحياة، وعادات الناس وسلوكهم، ونظراتهم إلى حاضرهم ومستقبلهم حتى إذا أقبل على الكتابة وإبداء الرأي بعد مدة من الممارسة العلمية والبحث النافع، أَنْجَزَ كثيراً من الأبحاث، ودلَّ قومه على كثير من الأمور التي أفادتهم.
لقد ذكرنا أن دراكر كان أحد قُرَّاء المستقبل في زمنه، وأنه أفضل من تحدّث عن الإدارة في العالم، كما كان أفضل من مارسها عملياً، وقد صدرت له كتب أخرى، ونذكر منها إلى جانب الكتاب الذي بين أيدينا الآن، وهو: «معالم الغد الجديد»، كتاباً آخر له هو: «ممارسة الإدارة».
ونذكر مما تم تأليفه عنه كتاباً عُنْوانُه: «بيتر دراكر، أفضل مدير في العالم»، وهو من تأليف روبرت هيللر، وقد ترجم إلى اللغة العربية ونشر بها.
ولعل ما صدر له من مؤلفات من أهم ما يدل على نشاطه وعلى ثاقب فكره، وتنوع اهتماماته، وعند إلقاء نظرة سريعة على بعض ذلك فإننا نجد ما يدل على عبقريته، وعلى أن كل ما قيل عنه حقيقة ثابتة.
ومن ذلك:
أ - له كتابان أحدهما «نهاية رجل الاقتصاد»، والثاني هو «مستقبل رجل الاقتصاد»، وعنوان كل كتاب من هذين الكتابين يدل على توجه المؤلف القائم على البحث في المستقبل إيجاباً وسلباً.
ب - كتاب «مفهوم الشركة»، وهو يتضمن دراسة قام بها لشركة جنرال موتورز في سنة 1945م.
جـ - ونظر إلى مستقبل أمريكا فألف كتابه: «أمريكا في السنوات العشرين القادمة»، وهو يدل على اهتمام بالدراسات المستقبلية التي عُرف بها.
د - وكتب سيرته الذاتية في كتاب أطلق عليه اسم: «مغامرات متفرج»، وهو غير مترجم، وهذا أمر يؤسف له.
ولعل هذه المختارات من كتبِهِ أن تدل على تنوع عمله، وثقة الناس به.
***
وبعد، فها نحن نعود الآن إلى موضوعنا الذي أشرنا إليه فيما مر من حديث، ولا بد هنا من أن نذكر أن أهمية هذا الرجل الفكرية والعملية جديرة بأن يُكتبَ عنه أكثر من مقال. ولذا فليس بمستكثر عليه أن نعود إلى مقالنا الذي صدر في سنة 2017م لكي نتكلم عن دراكر مرة أخرى.
وأود أن أشير منذ البداية إلى أننا الآن في غد جديد، ولا تعجب، فهو جديد بالنسبة للكتاب الذي هو الآن بين يدي واسمه: «معالم الغد الجديد»، وقد ألّفه رجل من أبناء النمسا، وهو - أيضاً - من سكان أمريكا. ذلك الرجل هو: بيتر دراكر، المولود في العاصمة النمساوية فيينا في شهر نوفمبر لسنة 1909م، وقد توفي في شهر نوفمبر لسنة 2005م، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين سنة.
وقد اشتهر بيتر دراكر بأنه كاتب مستقبلي إذ كان دائباً على البحث في توقعات المستقبل لا من ناحية النظر في الغيبيات، ولكن من ناحية أخرى هي ناحية الفكر، ودراسة سير التاريخ، وطبيعة الأحداث التي تمر بالبشر، وتكاد توحي بما ينتظرهم من أمثالها وهذا كله بارز في كتاباته كلها. وإذا عدنا الآن من حيث ابتدأنا فإننا نرى الكتاب قد جرى تأليفه من قبل مؤلفه في سنة 1959م، وترجم ثم طبع في بيروت بعد ذلك مباشرة، وحيث إنه يتحدث عن المستقبل وقد مر على تأليف الكتاب في يومنا هذا ما يقرب من الستين سنة، فنحن - إذن - في المستقبل الذي عناه المؤلف، وهذا هو عين ما أشرنا إليه في بداية مقالنا هذا.
كان بيتر دراكر يستشرف المستقبل في كل كتاباته، وهو كثير الكتابة في هذا الحقل، ولكنه يعني بالنشر على هيئة مقالات يقدمها متوالية في المجلات التي تعنى بأمثال ما يكتبه هو وغيره.
كتاب «معالم الغد الجديد» الذي هو بين أيدينا الآن وهو بين أيدينا منذ صدر، ولكن هذه إعادة نظر فيما سبقت قراءته حتى نستطيع أن نتبين حركة الحياة وفقاً لما تنبأ بها هذا الكاتب القدير فنرى هل كان مصيباً أم مخطئاً في توقعاته كلها أو بعضها.
والكتاب المذكور يحتوي على تسع وخمسين مقالة لا يخرج أيٌّ منها عن الهدف المرسوم للكتاب. ونحن مهما أردنا أن نوجز حديثنا عن محتويات الكتاب، أو عن أفكار مؤلفه، فإن المجال سوف لا يكون كافياً لأن ما كتبه كثير ومتشعب، وكل فقرة من فقرات كتابه تحتاج إلى حديث موسع حتى نستطيع أن نستدل تماماً على ما وراء كتاباته من أفكار. ولكننا سوف نذكر أولاً بَعْضَ عنوانات ما كتب ثم نختار من ذلك ما يمكن أن نتحدث عنه فتكون فيه الدلالة على أفكار دراكر وما كان يعنيه في كتاباته الكثيرة طوال حياته.
يبدأ الرجل ببداية مهمة تدل على كافة مَا كان يهتم به أثناء دراساته المتعددة، فالمقالة الأولى عنوانها: استشراف العالم من جديد، فهو يريد أن ينظر إلى العالم نظرة غير النظرة السائدة، وقد مثل لذلك بحكاية قد حدثت أحداثها منذ زمن، ثم جرى تمثيلها على المسرح في مدينة نيويورك. وكان محور المسرحية يدور حول حادث جرى في سنة 1925م، وهو يدور حول محاكمة مدرس كان يدرس في إحدى المدارس هناك، وقد أُدين بأنه شرح لطلابه نظرية داروين في النُّشُوء والارتقاء. وهي نظرية جرى حولها صراع كبير، وكان تعليمها للنشء محرماً في ذلك الوقت، ولقد بيّن الكاتب بعد عرضه لما حدث في المسرحية أن أفكار الناس تتغير، وما هو مقبول يصبح غير مقبول والعكس كذلك تماماً، ثم يقول: «إن التفسير الجديد للعالم هو قبل كل شيء نوع من المعاناة»، وهو بالفعل كذلك فتلك الخلافات الكثيرة التي سادت المجتمعات القديمة في أمريكا منذ نيوتن إلى عهد دراكر كلها خلافات كان ينبغي حسمها، ولا يكون ذلك إلا بعقل راجح، وحسن تناول لكل الأمور التي ينبغي ألا تُناقَشَ إلا بروح مَرِنَة.
وهو يقول أخيراً إن الأمر يحتاج إلى أساس نصل به إلى نتائج بحثية مهمة وصادقة. «وذلك ينبني على قدر من الإدراك الفني، والتحليل النفسي، وقد أحرزنا الآن ذلك الأساس، ولكن ذلك تم فجأة خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة».
ثم يضع بعد هذه البداية عنواناً جانبياً هو قوله: «الكل هو مجموع أجزائه»، وهو منذ بداية هذه الفقرة يؤكد دور الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596م - 1650م)، بالتأثير في الفكر الغربي بصفة عامة. وهو يرى أَنَّ هذا الفيلسوف قد حدد أفكاره بأكثر مما صنعه أولئك الذين سبقوه من العلماء والفلاسفة بمن فيهم نيوتن الذي بدأ المؤلف حديثه به.
ولقد قدم ديكارت لعالمنا الحديث فرضية مهمة عن طبيعة الكون، ونظام سيره، وبناء على المفاهيم التي صاغها بهذا الشأن وضعت الأكاديمية الفرنسية - بعد جيل من رحيل ديكارت عن دنيانا - تعريفاً للعلم بأنه المعرفة القاطعة للأشياء بمسمياتها.
وكان التلخيص الممكن لتعريف الأكاديمية هذا هو: «الكل نتيجة لجزئياته» وهذا تبسيط للتعريف يسير وفق ما نبَّه إليه ديكارات.
وانشغل هذا الفيلسوف في كثير من الفروع المتعلقة بنظريته حول العلم والعالم فنظر في الهندسة التحليلية وقد أدت دراساته إلى الإعلان الذي صرح به رجل جاء بعده بمدة طويلة، ونسج على منواله في تعرف العلم والعالم، فقال عبارة موجزة ولكنها مهمة وجامعة يقول فيها: «أنا أعرف ما أستطيع قياسه»، ذلك أن ما يستطيع المرء قياسه من الأشياء، إنما هو ما يستطيع الإحاطة به من كل جانب، وبذلك فهو يصل إلى معرفته به.
واستمر دراكر في سرد تفصيلات كثيرة تتعلق بهذه العبارة التي وردت قديماً وسار عليها كثير من العلماء والفلاسفة إلى تغيير أمور كثيرة بسبب التطور الناشئ عن ازدياد المعارف وكثرة الباحثين، وكانت هذه الأبحاث محصورة في نقطة واحدة هي نقطة الكون، ولكنها بسبب البحوث العديدة اتسعت، أو تغيرت النظرة - بصور ما - إلى اتجاه آخر، وهو بعد أن ذكر عدداً من المفاهيم الجديدة المتعلقة بما بدأ به قال:
«ولا يتفق أيٌّ من هذه المفاهيم الجديدة، أيما اتفاق، مع الفرضية القائلة: «الشكل هو مجموعة أجزائه»، إنها على العكس تماماً من ذلك، فالأمر يساير فرضية جديدة هي على التحقيق: الأجزاء موجودة حين النظر إليها نظرة كلية»، لقد وضعنا أمام نقطتين ولكنه يؤكد أن النقطة الثانية هي الأولى بالاتباع.
ومما يسترعي النظر ما أورده في ص 19 من الكتاب حين قال مؤكداً لما سبق:
«أما نحن في الوقت الحاضر، فإننا في (فكرتنا) عن العملية نفترض أن النمو والتَّغَيُّر والارتقاء هي كلها الوضع العادي والحقيقي، وأن عدم وجود التغيير، وفقدان الارتقاء، والعجز عن النمو هي النقص والاضمحلال، ثم التَّعفن فالفناء، وإدراكنا لصحة هذه الفرضية آخذ في التزايد كل يوم».
وفي هذا ما يدل على اَُنّ فكر هذا الرجل الذي كان يرى أن الفلسفة الحديثة للأمور تقول: «إن الأصل في كل شيء هو الحركة لا الجمود، وهذا هو الذي يحرك الكون وتنمو به الحياة».
إذن فإن هذا هو ما يريد أن يقوله لقرَّائه، ولكنه مع ذلك يظل متابعاً لما بدأ به من عرض للأفكار التي سادت قبل عصره، ويظل يردد ما يلي:
بقيت أفكار ديكارت عالقة بأذهان العلماء فترة طويلة من الزمن، ولكن اينشتاين عاب على هؤلاء قصورهم عن رؤية مفهوم حقيقي للنظام الكوني، ما عدا السَّبَبِيَّة التي أحياها ديكارت، ولم يتحرر واحد منهم من التعلق بها، ويضيف ما معناه: ونحن الآن في رحلة نستطيع أن نقول عنها إن بحثنا خلالها ليس البحث عن الهدف من وجود الكون، ولكنه هدف يرمي إلى معرفة: ماذ نريد أن نعرفه مما يهدف إليه الكون.
ينفي الكاتب حتمية التقدم، ويقول: لم نعد نؤمن بحتمية التقدم، فكيف بأوتوماتيكيته؟، بل نحن نمارس دائماً عملية الخلق (الابتكار) الهادف الموجَّه كما نمارس التغيير على الدوام، وهذا يدل على أنه لا يرى أن التقدم يأتي من ذاته، ولكنه يأتي بالعمل الذي يقوم به الناس الذين ينظرون إلى المقبل من شؤون الحياة، فالتقدم أمر مطلوب، ولكنه لا يأتي إلا ببذل الجهد البشري.
إن الأجهزة الحكومية وما أشبهها، وكذلك المدارس، وكافة مراكز البحوث تحولت إلى أجهزة تبحث عن الجديد وتحث على تحقيقه. وتحاول الخلق بدلاً من الجمود الذي كان يسيطر عليها، وهذا أمر جيد فقد صار الإبداع أسلوباً جديداً في العمل، ونظرة مختلفة إلى الكون.
وقد استتبع ذلك مزيداً من الانتباه إلى حتمية التقدم عن طريق توسع في البحث والاستقصاء، وبذا وجدنا تحركاً عظيماً يؤدي إلى مستقبل أفضل، واستطعنا أن ننتقل بخطوات جادة وواضحة إلى التقدم المنشود، وذلك عن طريق العمل العلمي السليم والدقيق، فلم ننتظر أن يتحقق لنا ما نريد دُونَ توجُّهٍ منا وعمل.
ومع ذلك فإننا ونحن نلاحظ حسنات القيام بالبحوث حول تجديد الأعمال بصورة عامة فإننا نرى أمراً مهماً قد يكون عقبة في طريق غير العازمين على العمل من أولئك الذين لا يريدون بَذْلَ جهد مُكْلِف. ذلك أن البحوث لها ثمن، وقد عبر المؤلف عنها بقوله إنها بالوعة أموال. فلنقدم المال لكي نحصل على ما نريد.
***
هذا هو المدخل الذي دخل به بيتر دراكر إلى موضوعات كتابه الذي نتحدث عنه، وهو: «معالم الغد الجديد»، ولعل من الواضح أن هذا الرجل وهو كاتب قدير، ومفكر لامع، كان في كتاباته على كثرتها يعتمد المقالات، ولا يطيل في البحوث. فهو يفكر ثم يسطر ما يفكر به على هيئة المقالات لكي ينشرها في الصحف، وكانت صحف زمانه تتسابق إلى نشر مقالاته لما تحتوي عليه من جدة وطرافة وفكر صائب، وهو وإن كان ذو إنتاج غزير وقراء كثيرين إلا أن نظرتنا إلى هذا الكتاب ينبغي أن تكون بعيدة عن عنوانه، وهذا من أجل سبب واضح يبدو لقارئه من تتبع العنوان واستعراض الفهرس، ثم متابعة كل موضوع من الموضوعات الواردة فيه تتبعاً خاصاً غير مرتبط بسلسلة أفكار مترابطة، ويكفي أننا سوف نرى في هذا الفهرس تسعة وخمسين موضوعاً متنوعاً وَمُتَتَابعاً على هيئة تكاد أن تكون غير مترابطة.
ونتساءل الآن:
ماذا نجد في فهرس الكتاب بعد المقدمات التي قدمها وأخذت صفة فلسفية عميقة لا يدركها القارئ إلا بمزيد من الجهد وإعمال الفكر. فنرى الموضوعات التي وردت بعد ذلك على الصورة التي يمكن أن نقوم بتقسيمها إلى أقسام لكي يسهل تناولها، وذلك كما يلي:
1 - لن نعود إلى المقدمات الفلسفية لأن الإشارة إليها في بداية حديثنا هذا كافية، ولأن الربط بينها وبين الموضوعات الأخرى الواردة في الفهرس ضعيفة.
2 - نستطيع أن نقسم الموضوعات الرئيسية في الكتاب مما يتعلق منها بموضوع النظرة إلى المستقبل وفق التقسيم التالي:
أ - بيان عن المجتمع وظروفه وتطلعه إلى التطور،ومقته للجمود.
ب - طرق الإصلاح والتجديد التي ترفع من شأن المجتمع. وأهمها العناية بالتنظيم والإدارة.
جـ - ضرورة التطلع إلى الآفاق الجديدة التي ترفع من شأن الأمة ومقارنة الوضع الحالي بالعمل المنتظر، مع الإشارة إلى أهمية العلم ودوره في تيسير أمور الحياة. بالإضافة إلى التمكن من القدرة على الإدارة.
وفيما يتعلق بالنقاط الثلاث التي تقدمت الآن فهي تضم خلاصة ما يعنيه الكاتب لا من كتابه فحسب بل من فكره كله، وهو كما سوف نرى يفكر في منظومة إنسانية جديدة لها وضع مختلف أطلق عليها اسم: «المنظمة الجديدة».
وهو يرى أن هذه المنظمة الجديدة هي التي تخلق مجتمعاً تغلب عليه طبقة وسطى من الخبراء الموظفين، وتخلق مجتمعاً يتعدَّى حدود الفردية والجماعية معاً.
كانت الطبقة التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد سنة 1945م طبقة جديدة من العاملين منهم الكَتَبَةُ ووكلاء البيع والخبراء والموظفون، وزاد عددهم الإجمالي كما زادت نسبتهم إلى عدد السكان، وكان ذلك قد حدث بعد فترة طويلة من سيطرة رجال الأراضي الزراعية الذين كانت الأعمال بأيديهم، ويواصل المؤلف حديثه عن المنظمة الجديدة التي سبق له أن أوضح شأنها، وذكرناه في هذا المقال بناء على ما قرأناه له مما كتب. نقول: يواصل ذلك بالإشارة إلى أن مما ورثناه من الأمم التي سبقتنا معيارين نستطيع أن نقيس بهما المجتمع أو نصف شيئاً منه وهما:
1 - الجماعة.
2 - الفردية.
ثم يقول مختصراً كل ما مضي:
«وقد شرحنا ما يتعلق بالمنظمة الجديدة ص 147 فقلنا إنها منظمة شرحناها - بما فيه الكفاية - وذكرنا أنها منظمة تكون للفردية فيها نصيب كما يكون للجماعة نصيب آخر، ولكنها ليست فردية، كما أنها ليست جماعية بل أوسع من هذه وتلك».
ثم يخبر بأنه من واقع بحثه، وتجربته الشخصية ومن ملاحظاته بصفته مراقباً للحياة وكاتباً عنها أننا على أبواب آفاق جديدة (من المفروض أننا نعيشها اليوم) وقد مر منها في وقت ما كتب ذلك الصراع بين العالم الشيوعي ونقيضه، وأكد أن هذا الصراع يفتح أمام العالم أربع جبهات كلها ميادين للتحدي، وهي:
1 - كان هناك تحدٍّ في المجال الثقافي نتج عنه المجتمع المثقف.
2 - الميدان الاقتصادي وما يخلقه التطور في هذا الميدان من فرص للتقدم وإبعاد الخطر الحربي.
3 - وفي المجال السياسي، لما يدعو إلى انتهاج سياسات اجتماعية منسقة.
4 - أما في المجال الحضاري فإن ملاحظة المؤلف حوله غريبة إذ يقول: «لقد أخذت حضارة الشرق في التلاشي، وهذا يخلق فراغاً رهيباً».
وهذه الأمور كانت تحتاج منه إلى شرح واسع لا تكفي فيه المقالات الكثيرة التي وردت في كتابه: «معالم الغد الجديد»، وهو على الرغم من إشاراته الواضحة إلى ضرورة التغيير، والبحث عن سبل التقدم والرقي، واتخاذ طرق لاتفاق الأعمال في كافة ميادينها فإنه يُجْمِلُ كثيراً في عرضه للأمور التي يطرحها بحيث يكون تتبع ما يكتبه صعباً للقارئ الذي يريد أن يستفيد منه.
ولقد طاف في جهات مختلفة، وقدم آراء كثيرة بعضها متداخل، وبعضها يعبر عن رأيه الخاص الذي قد لا يعجب كثيرين غيره، وهو إلى جانب ذلك كله يكتب عن موضوعات يحتاج كل واحد منها إلى مزيد من الإيضاح والتفصيل مثل:
التقدم والمنافسة فيه.
التخطيط أو عدم التخطيط.
الحرية ونظامها.
المسؤولية الاجتماعية في التعليم.
الأعمال المنتظرة.
ولكنه يضع فصلاً كاملاً عنوانه: «الشرق الذاوي» وفيه أنحى باللائمة على (كيبلنغ) الشاعر الإنجليزي الذي قال: «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا». وقال إنهما على الرغم من قول هذا الشاعر فإنهما التقيا، ولكن على وجه من وجوه اللقاء. يقول:
«لقد التقيا في عالم فوضوي يُهدِّدُ بالانفجار»، ومن أجل ذلك فإن نظرته للشرق نظرة تدل على امتهانه له بينما كان من الأوْلَى به أن يكون غير متحيز لأنه رجل علم، والعلم يأبى الانحياز إلا إلى الحق.
وَلَعَلَّ من أهم ما يدل على انحيازه ذلك القول الذي نَقَلْنَاهُ عنه حين أكد أن حضارة الشرق قد أخذت في التلاشي، وتركت فراغاً رهيباً. وكان ينبغي أن ينظر إلى هذه الحضارة على أنها أم الحضارات، ويعرف أن العلوم التي يفخر بها في بلاده إنما هي نتيجة لجهود علماء مسلمين من الشرق لهم دور كبير، وكانت كتبهم مما يجري تدريسه في دور العلم الغربية في بداية النهضة.
ولكننا قد نلاحظ أنه يريد أن يوجه لوماً إلى الجانب المقابل للغرب في الدول الشرقية التي كانت ترأسها روسيا، غير أن التعميم الذي ساقه هو تعميم فارقه التوفيق.
***
هذا عرض سريع لبعض أفكار الكاتب بيتر دراكر التي وردت عنه في كتابه: معالم الغد الجديد، وهي أفكار لنا ملاحظات على بعضها ذكرناها في الوقت الذي نحن على يقين من أنه لو استمرت به الحياة إلى عصرنا هذا لكانت له أفكار أخرى بحكم ما حدث من تغيّرات كثيرة. ونحن نسترجع الآن ما بدأناه عندما ذكرنا أنه كان من مواليد سنة 1909م، وأنه عمّر طويلاً ولم يَـمُتْ إلا وهو في الخامسة والتسعين، وإذا قدرنا أن جهوده الفكرية قد وهنت في العشرين سنة الأخيرة منها، وجدنا أنه كان يعيش في عصر ماض وأن توقعاته لم تكن كلها صادقة. فالشرق التي ذَكر عنه ما ذكر غير الشرق الذي عاش حياته الذهنية وهو يشاهده، وانهيار هذا الشرق الذي كان يتوقعه لم يحدث بل لعل ما حدث هو الأفضل، نعم حدثت تغييرات كثيرة ولكنها كانت غير قريبة من توقعات دراكر، وعلى الأقل في الكتاب الذي ذكرناه.
***
هذا ولا أزال أرى مجلة البعثة الكويتية التي كان طلاب البعثات الكويتية في القاهرة يصدرونها في موضع مهم من ذهني ومتابعتي، لأنها كانت تحتوي على كل ما يتعلق بالكويت وأبنائها، ولا أزال أنظر إليها باعتبارها مرآة صادقة تُظْهِرُ صورة الكويت على صفحاتها منذ صدورها في منتصف أربعينيات القرن العشرين إلى أوائل خمسينيات القرن ذاته. وكلما طرَحتُ موضوعاً، وجدت واحداً من أبناء الكويت قد كتب عنه بما يقرب من فحواه أو معناه.
وفي موضوعنا هذا الذي طرحنا فيه أفكار بيتر دراكر، وهو موضوع يتعلق بالمستقبل رأينا في المجلد السادس من المجلة التي أشرنا إليها، وفي الصفحة الخامسة منه ما يؤكد ما ذهبنا إليه، من احتواء هذه المجلة على كثير مما يعتبر في صميم الأعمال الفكرية التي تخص العالم، كما تخصُّ الكويت باعتبارها جزءاً منه.
كتب المقال في البعثة واحد من الطلاب الذين كانوا يدرسون في مصر، ورمز إلى اسمه بالرمز (ق)، أما عنوان المقال فهو: «عام جديد... وعالم!..
والكاتب يستعرض حالة العالم في شهر يناير لسنة 1952م، ويأسف لحالة العالم الذي يقبل عليه العام الجديد وهو في أشدِّ حالات البؤس من حيث عدم الاستقرار والدمار الذي يشمل عدداً من دوله، ويميت عدداً كبيراً من أبنائه، وكل ذلك بسبب الحروب التي تخلفت عنها المآسي الشديدة التي عانت منها الشعوب أَشَدَّ أنواع المعاناة.
ويرى كاتب المقال أن العالم في دعوته للسلام على ألسنة العقلاء من أهله يعرف أن أساس ذلك كله هو التطاحن على المصَالح والنفوذ، والسيطرة على الغير.
ولذلك فإنه يقول ما نصه:
«إن حروب الماضي كانت سعياً وراء النفوذ والسلطان، ولكنها اليوم حروب اقتصادية، مادتها ولحمتها الإبقاء على المنافع، أو توسيع رقعة التعامل، وأصبحنا لا نسمع أن للدول هذه نفوذاً سياسياً في القطر الفلاني! فحسب، ولكننا نسمع قبل ذلك أن لها منافع اقتصادية تريد المحافظة عليها، والإبقاء على مصادر بقائها.
لقد جرّب الإنسان، حتى في أحداثه المفردة، أن العيش في الخطر خير من انتظاره، فالانتظار يزعزع في النفوس كل رواسي الأمل، ويستشري المرض في جذور أشجاره المباركة، ولكن الخطر، في الخطر ذاته، لا مناص من أن تقرر النفس مصيرها، وهي عالمة أن أمامها حلان، إما الفناء وأما البقاء.
والعالم اليوم تتمثل فيه هذه الحالة، فالحرب لا تعرف نوعين من الحياة تدعو لهما، فهي ليست خيراً ونعيماً مقيماً لبعض الناس، وجحيماً لبعضهم الآخر، ولكنها دموع ودماء وعرق يسبح الناس في بحارها».
وهذا الذي قدمنا يدل على أن الدنيا كلها تتكون من عالم واحد، فالأمراض السياسية والاجتماعية واحدة، وها نحن نرى واحداً من الغرب وآخر من الشرق يتحدثان حول أمر واحد.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات