loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل حيث لا ديموقراطية يترعرع الفساد


الطرح العالي والمتكرر، المحق، لشعار محاسبة المفسدين ومواجهة ظاهرة مرض الفساد، في ساحات وشوارع مدن الوطن العربي، يدل على أن تلك الظاهرة قد قادت المجتمعات والمواطنين الى أقسى درجات الاستغلال المادي والمعنوي البشع، وأنها أصبحت أهم سبب للتراجعات التنموية العربية، وبالتالي للفقر والتخلف. وككل ظاهرة مجتمعية تكمن من ورائها شتًّى العوامل والأسباب التي سمحت لها أن توجد وتتعاظم وتستمر، جيلاً بعد جيل. ولعلًّ أهم وأقوى تلك العوامل هو غياب المؤسسات والممارسات الديموقراطية في الحياة السياسية والاقتصادية العربية.
في غياب الديموقراطية الحقيقية، غير المظهرية، تغيب مبادئ وممارسات الشفافية، تضعف نظم وأدوات المساءلة والعقاب، يسهل التلاعب بالدساتير والقوانين، حتى ولو كانت مثالية في منطوقاتها، وتتداخل بصور غامضة انتهازية صلاحيات وحدود السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويُمنع الاعلام المجتمعي من الاقتراب من ساحة الفساد والمستفيدين منه. هذا الارتباط الوثيق بين ظاهرة الفساد ومدى توفّر القيم والأنظمة والمؤسًّسات الديموقراطية سيوجد جواً من الشكوك حول الوعود التي تطلقها الأنظمة العربية غير الديموقراطية بشأن استعدادها لمحاربة الفساد والمفسدين. فاذا كان الفساد قد نمى وترعرع في ظلًّ تلك الأنظمة فانًّ محاربته لن تكون على يد أصحابها الملطًّخة بكل قذارات الفساد.
من هنا يستطيع الانسان أن يتفهًّم اصرار شباب الحراكات الجماهيرية على تبديل الأسس التي قامت عليها أنظمة الحكم، وبالتالي تبديل رجالاتها، كشرط وجودي لانسحابهم من الساحات والشوارع. انه اصرار يدل على وعي سياسي عميق وعلى ممارسة نضالية كفؤة مجدية. انهم يفهمون بعمق المثل القائل بأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.
لكنًّ الأمر يجب ألا ينتهي عند ذلك الرّفض العام، اذ إن هناك تفاصيل يحتاج الشباب الى أن يعوها :
فهناك الارتباط الوثيق بين تنامي الفساد وممارسة مبادئ النيولبرالية الرأسمالية العولمية التي تعلي من مبادئ التنافس المجنون في الأسواق الحرًّة غير المنضبطة وترفض بشدًّة تدخًّل الدولة في الحياة الاقتصادية. تلك الأجواء الاقتصادية لا يمكن الا أن تؤدي الى ممارسة الفساد، كأحد أسلحة التنافس. هذا النظام الفاسد هو الآخر يجب دحره.
وهناك الأهمية القصوى للدور الذي يجب أن تلعبه العديد من قوى المجتمع المدني في محاربة الفساد ومنع نموًّه. فمكافحة الفساد هي عملية متكاملة ومتعاضدة بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع. فالأحزاب والنقابات ومختلف الجمعيات تستطيع أن تكوّن جماعات ضغط في مراقبة ومحاربة الفساد. وجمعيات حماية المستهلكين يمكن ان تلعب أدواراً أساسية في عمليات فضح التلاعب والمتلاعبين. والاعلام المستقل النظيف يجب أن يلعب دوراً قيادياً في تثقيف المواطنين بشأن الضرائب وصرفها، وبشأن البيروقراطية الادارية التي بتعقيداتها تفسح المجال للرشوة والاختلاس دون أن تلاحظ بسهولة، وبشأن مظاهر الترف المجنون في حياة الفاسدين، وبشأن اسماع أصوات الناس العاديين وشكاواهم من خلال رسائل القراء أو اللقاءات معهم.
ولما كان مسؤولو البلديات أقرب الى نبض الحياة اليومية للمواطنين من غيرهم من المسؤولين الآخرين فان باستطاعتهم لعب أدوار مهمة في مجال مكافحة الفساد في الساحة المحلية.
مشكلة الفساد هي، اذن ليست مشكلة سلطة دولة فقط، بل انها، أيضاً، مشكلة مجتمع, والذين يطالبون بأن تقوم سلطات الدولة بواجباتها، عليهم أن ينخرطوا بقوة في تنظيم قوى المجتمع المدني لتقوم بواجباتها هي أيضاً. ولما كان داء الفساد قد استفحل وانهك الجسم العربي فان موضوعه سيحتاج الى مواجهته لمجموعة من الخطوات الضرورية. فهناك حاجة الى تحاليل وتشخيصات دورية مستمرة لأشكال الفساد وتجلياته.
وهناك حاجة الى فضح دائم لعوامل الفساد التي تكمن من ورائه وتقود اليه. وهناك حاجة لتقييمات دورية مستمرة لمدى نجاح وسائل مكافحة الفساد واجراء تعديلات في تركيباتها لجعلها وسائل ناجعة.
وبالطبع فاننا لا نحتاج أن نبدأ من الصًّفر، اذ هناك أدبيات هائلة في هذا الحقل، من مثل معايير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ومن مثل تجارب عشرات المجتمعات الأخرى الناجحة. تحية للحراكات الجماهيرية العربية، وعلى الأخص شبابها وشاباتها، في شتًّى مدن العرب التي رسَّخت بقوة واصرار شعار مكافحة الفساد، رسًّخته كشعار أساس في الحياة السياسية والاقتصادية العربية، ليضاف الى شعارات الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد