loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

هيكلة العقل العربي «1-3»


ثمة أشياء لو تعاطينا معها بعقلانية الشجن فإننا قد نبكي كثيرا على ما أصاب العقل العربي من تشوهات، وثمة محاذير رافقتني وانا احاول التفكر فيما تحلى به صبرنا الطويل بذهنية حاصرتها المتناقضات، وتوهتها المغارات، وألقت بها التيارات المضادة في مهب رياح عاتية، وفي خضم أمواج متلاطمة.
العقل العربي يعاني من التشوهات البنيوية، ويعجز عن توفير العلاجات لقضايا أمته، لذلك باغت المفكر المصري الدكتور فؤاد زكريا مجتمعه المجرف، ودولته العميقة بكتابه الفلسفي «خطاب إلى العقل العربي»، ومن بعده الكتاب الفارق للمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري «نقد العقل العربي». لقد مضى الدكتور فؤاد زكريا على طريق التنوير القادم عبر الحدود بينما استلهم الجابري أدبيات أبيه الروحي ابن رشد، بالنتيجة توجه المفكران نحو التفتيش عن خبايا ذلك العقل الذي تراجع بعد تقدم، وتلك الحضارة التي اندثرت بعد شموخ.
وبالفعل وضع المفكران أساسا يمكن البناء عليه، ويمكن التفتيش من بعده عن طبيعة الاختلالات التي أصابت الذهنية العربية،  وتلك الترهلات التي خيمت على طريقة تفكيرنا وجعلته صورة طبق الأصل من خيال ظل مريضاً لا يستطيع مجاراة ثورات التقدم في كل حدب وكل صوب.
من هنا كان لابد وأنا أحاول التحاور مع التاريخ، حيث مجاراته العصية، وحيث ملاقاته عند منتصف الطريق مسألة وقت ليس إلا، أن أكون متسقا بصدق ومؤمنا بحرص بأن أمتنا لديها من المقومات التي يمكن أن تجعل منها مشاركا فاعلا في بناء الحضارة، ورقما مؤثرا في سياقات التقدم العلمي، والثورة المعرفية.
وكنت ومازلت وسأظل منتقدا للعديد من موروثاتنا التي بنينا عليها مفاهيم خطأ، واستلهمنا منها عبرا مضللة، وتمادينا على طريق الوصول من خلال خصال وصفات دخيلة مستوحاة من أطماع أمم سبقتنا ومستوفاة لمختلف الشروط والإحداثيات الواجب توافرها في اقتناص الفرص ولكن عن طريق الإضافات من آخرين، وبوسائل مثلى من حضارات الأولين، ومن سجايا ومحاسن أمم تصارعت لكي تبقى وأخرى تغطرست لكي تفنى.
العقل العربي في أزمة، هذا ما يمكن أن يكون عنوانا كبيرا مطلوب تشريح مفرداته، وتشخيص معاناته، وعلاج مخرجاته. هذا العقل وبكل صراحة أصبح لا ينتج في مجمله سوى السلبيات، ويصدر الإحباطات، ويوثق الاستسلام للواقع الكسول بكل ما فيه من خمول جاذب للإنتباه، وجمود له أصول ومواثيق وفلسفة وتقاليد، وبكل ما كان عليه من واجبات وعلينا من التزامات أهمها أن يتجاوز هذا العقل محنته، وأن ينحاز لقضايا أمته، وأن يستيقظ من سباته العميق.
رغم هذه المقدمة التي كان لابد منها، فإن التطرق لهذه القضية التي نحن بصدد التصدي لها من أجل هيكلة تشوهات داهمتها خلال العقود الخمسة الماضية فأصبح لزاما علينا الضرب بيد من حديد ونحن نعثر على أسباب هذه الحالة من العجز الذهني العربي ونحن نواجه العديد من التحديات:
السبب الأول: تلك الصدمة التي مني بها العقل العربي من جراء الهزائم المتكررة المهيمنة على قناعاته وعلى واقعه المتردي، وعلى شخوصه وقياداته المتفكرة.
الثاني: خيبة الأمل التي أصابت المشروع العربي الوحدوي مع نكسة 1967، والتي أضاعت في طياتها طموح ثلاثة أجيال سابقة، وخمسة أجيال لاحقة.
الثالث: ان تلك النكسة قد كشفت الغطاء عن العديد من المغالطات، والكثير من الفساد، وعرت العورات المستترة التي كان يعاني البناء الفكري الإقليمي منها، رغم ما تحقق بعدها من إنجاز لم يتم البناء عليه منذ نصر أكتوبر 1973.
الرابع: ذلك التفريغ لمحتوى كان راسخا في الوجدان، ومحركا للأذهان طوال نصف قرن من الزمان، من دون أن يكون الإحلال والاستبدال والتغيير فلسفة تؤمن بها الشعوب العربية كطريق للخلاص من سلبيات، وكهدف أسمى يمكن الالتفاف حوله من خلال مشروع عربي واضح وهادف ودقيق.
الخامس: هذا الفراغ فتح الباب مشرعا لأفكار همجية ارتدت عباءة الإسلام، ولقناعات تولدت عبر مفكرين طارئين على الأمة، وما طرحوه من فتاوى تكفيرية وفقهيات تغييرية بـ (اليد)، تؤسس للعنف المجتمعي وتحض على رفض الآخر، وترسخ لخطاب كراهية لم يكن له وجود خلال المد القومي العربي، أو حتى من قبله أثناء الثورات المتفرقة على الاستعمار، وما تبعها من حركات وطنية تنبذ التدخلات الأجنبية في شؤوننا الداخلية. تم تفخيخ كل شيء تقريبا، سيارات، مواقع عمل، (بيوت من زجاج)، قناعات وهمم، ذهنيات وذمم، صورة جمعية راسخة عن الزي الرسمي للأمة واللغة المعتمدة بين شعوبها، والسلوك القائم على أسس لم يتم التوافق عليها.
من هنا ارتأيت أن أخوض في تلك المنطقة الحمراء، محفوفا بكل المخاطر، ومحاطا بجميع التعديات، ربما أعبر ولو بقارب مطاطي صغير نحو الشط الآخر في الكوب نصف الفارغ، متجها نحو الشط المنتمي للنصف الممتلئ. هنا لا يجب أن نغفل معطيات، وألا نتجاهل إحداثيات، وأن نعد العدة جيدا كي نتعرف في رحلتنا الخيالية على واقع ظل مغشيا عليه حتى أزفت الآزفة، وعلى مجتمع يتغير بسرعة، ويتراجع بهمة، ويتنازل في منتهى السهولة واليسر عن مكتسبات تحققت، وإنجازات تألقت، وانتصارات لم يبق منها سوى أثر بعد عين، وغير رماد بعد ثورة.
يتبع..


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد