loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

بناء المجتمع المدني كمدخل للديموقراطية


ابراز أزمة الديموقراطية في مواطنها الغربية، واظهار العقبات التي سيواجهها انتقال الوطن العربي من حالات الاستبداد التي عاشها ويعيشها هذا الوطن الى نظام ديموقراطي، لا يعنيان ارتكاب الخطأ المميت بالقول بأن الديموقراطية لا تصلح لنا كمجتمعات، وكأمة. ذلك أن حاجتنا لنظام ديموقراطي هي ضرورة حضارية وجودية وهي أحد أهم المفاتيح لحلِّ الكثير من مشاكلنا، وبالتالي فهي ليست خيارا مطروحا نأخذه أو نتركه، لكن هناك أسئلة مفصلية يتعيّن علينا طرحها والاجابة عليها اذا كنا نريد أن نتجنّب مطبّات التقليد الأعمي، أو القبول بالمظاهر على حساب الجوهر، أو التفصيل على مقاس أوضاع هذا النظام العربي التسلطي أو ذاك.
السؤال الأول: «هل حقا أننا نحتاج الى تبني الأنموذج الديموقراطي الغربي، بكل منطلقاته الفكرية وبكل ممارساته في الواقع، واعتباره الأنموذج الأفضل لكل مجتمعات البشر، وذلك بالرّغم من أنه كان حصيلة صيرورة تاريخية سياسية اقتصادية اجتماعية أسست وتطورت حسب حاجات وظروف مجتمعات الغرب المختلفة عبر أربعة قرون من الحروب والثورات والصراعات الدينية والطبقية وبممارسات الاستعمار والعبودية لمجتمعات الغير وبشرها؟ « دليل خصوصيتها الغربية هو ربط البعض للديموقراطية بقيم الحداثة الليبرالية الكلاسيكية، التي هي تحت المراجعة حاليا، واشتراط البعض الآخر تعايشها مع الرأسمالية، التي هي في أزمة، واستعمال البعض لها أخيراً بصور عنصرية انتهازية في أشكال من الحراكات الشعبوية، التي تمثل خطرا على مستقبل الديموقراطية نفسها الخ... عبر التاريخ الطويل من التقلبات والمراجعات. وكما أسلفنا في مقال سابق تجري الآن في الغرب مراجعة للموضوع الديموقراطي برمّته، خصوصا بشأن فصله التاريخي الخطأ عن موضوع العدالة الاجتماعية الانسانية، الأمر الذي أضعف في الديموقراطية الغربية أهم مكون قيمي روحي: العدالة.
والسؤال الثاني: «هل يمكن الانتقال الى الديموقراطية دون تحقق خطوات أساسية تهيئ لقبولها من قبل المجتمعات وتجذرها في وجدان ساكنيها وهي خطوات ستحتاج، لكي تتحقق، لقوى مجتمعية فاعلة تناضل من أجلها؟
من بين تلك الخطوات الأهمية القصوى لوجود تعددية في الحياة السياسية معبُّر عنها بوجود أحزاب سياسية مستقلة تنظيما ومالا، غير مخترقة أو مهمّشة، ديموقراطية في تركيبتها وقراراتها وتبادل السلطة القيادية الدورية فيها، وتحمل مشروعا نهضويا تعرضه بصورة علنية، وتشارك وتتنافس في انتخابات حرّة نزيهة، وتتبادل دوريا ادارة الحكم مع بقية الأحزاب الأخرى من خلال ارادة عامة حرة تعبر عن نفسها بشتّى الطرق، بما فيها الانتخابات الحرّة النزيهة.
ينطبق الأمر نفسه على وجود تعددية نقابية ومهنية وأهلية وبالأخص شبابية ونسائية.
في قمة أولويات جميع تلك التنظيمات المدنية نشر الثقافة الديموقراطية، وتدريب أعضائها على ممارسة الديموقراطية، والنضال ضدّ كل مساس بأية منجزات ديموقراطية في كل المجالات والسّاحات. بناء تلك الحاملة المجتمعية للمشروع الديموقراطي المستقبلي يجب اعطاءه أولوية قصوى، ولا يمكن أن تتحقق تلك الخطوة الا اذا انخرط الملايين من الشباب والشابات العرب في تلك التنظيمات كأعضاء فاعلين ومحاربين ضدّ أي انحراف ترتكبه قيادات تلك التنظيمات.
ولن يكفي أن يقتصر جهد الشباب على التأييد والمناصرة المعنوية فقط ذلك أن حركة المجتمع المدني لن تكون نشطة ومؤثرة ومسموعة الكلمة عند سلطات الدولة الا بوجود الملايين الفاعلين الملتزمين في كل تنظيمات المجتمع المدني، للنضال من أجل الحقوق الخاصة بهم ولتبنّي النضال من أجل الحقوق الخاصة بكل فئات المجتمع. عند ذاك يصبح الانتقال الى الديموقراطية طريقا مفتوحا، ينطبق عليه المثل الاسباني «بأن الطرقات لا تتوفر تلقائيا، وانما تشقّ بفعل سير السائرين».
اذن الخطوة الأولى تتمثل في عودة الحياة لكل مؤسسات المجتمع المدني من خلال اجتذاب نشط للملايين، وعلى الأخص الشباب، للالتحاق بعضويتها واخراجها من هزالها وهامشيتها، وبعد ذلك من خلال هذا الدم الجديد المتجدد النضال لدمقرطة تلك المؤسسات، لنصل في النهاية لمنظمات مجتمع مدني ديموقراطية تناضل من أجل قيام ديموقراطية حقيقية وذلك من خلال الدخول في معارك ضد كل أعدائها سواء في الخارج أو في داخل سلطة الدولة أو في داخل المجتمعات نفسها. وهذا لا يعني بالضرورة التصادم مع الدولة وانما العمل على اقناعها حيث أمكن أو الضغط على جهات الممانعة فيها حيث يجب. ذلك أن اضعاف الدولة سيوازيه اضعاف المجتمع المدني.
لن ندخل في تفاصيل ضرورة توفر العوامل الكثيرة الأخرى الضرورية من أجل احياء وتنشيط وتقوية المجتمع المدني من مثل وجود مشروع تثقيف وتربية عن أهمية وواجبات المجتمع المدني، أو من مثل تحقق درجة معقولة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو من مثل الحاق هزيمة بثقافة الخضوع والخنوع والتبعية التي هيمنت على علاقات المجتمعات العربية وأنظمة الحكم عبر قرون طويلة من الاستبداد، أو من مثل وجود مستوى معقول من حماية الحقوق الانسانية من قبل الدولة والمجتمع والالتزام بممارستها، أو من مثل وجود قضاء مستقل عادل يحمي مؤسسات المجتمع المدني ويحمي الكل من تجاوزات السلطة.
واكتفينا في هذا المقال بالتركيز على ما نعتبره مدخلا اساسيا مفصليا للبدء ببناء المجتمع المدني القوى الذي بدونه سيكون الحديث عن الوصول الى الديموقراطية الحقيقية عبارة عن أحلام يقظة وينبغيات لا تتحقق في أرض الواقع الا في صورة مشوُهة كسيحة، نقولها مرة أخرى بأن النشاط من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي يستعملها الشباب على نطاق واسع، ضروري من أجل الاقناع والتجييش للديموقراطية لكن الحسم لن يكون الا من خلال وجود مؤسسات مجتمع مدني جماهيرية نشطة وفاعلة تنجح في تحقيق حقوق ديموقراطية فرعية لأعضائها وأتباعها، وذلك تمهيدا لتحقيق حقوق الكل الديموقراطية من خلال الوصول الى الهدف النهائي: الديموقراطية العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية العادلة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد