loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

بدلاً من البكائيات لنطرح الأسئلة


نزلت كارثة انفجار مرفأ بيروت كالصاعقة على قلب كل عربي، خصوصا وأن هذا البلد العربي الجميل النشط، الحاضن لكل معذب مظلوم في بلاد العرب، ما ان يخرج من محنة ويتعافى حتى يدخله القدر في محنة أشد وأقسى، لكن البكائيات والمماحكات العبثية ليست هي الجواب على المآسي التراجيدية الكبرى. الجواب هو طرح الأسئلة بشأن مسبباتها الحقيقية بدون غمغمة، وبشأن دروب الخروج منها والتهيئة الوقائية لمنع رجوعها ورجوع مثيلاتها.
أولا: الطبقة السياسية الطائفية الفاسدة التي يطالب المتظاهرون في شوارع بيروت بنصب المشانق لاعدام كل أفرادها، انتخبها، وقواها بغفلته، وتعايش مع مفاسدها وابتذالاتها السياسية بصبر غريب، ورضي بعضه أن يكون من أزلامها المطيعين، انتخابا بعد انتخاب، وسنة بعد سنة، منذ الاستقلال والى يومنا، آباء وأجداد وأبناء غالبية المتظاهرين الذين يلوحون اليوم بقميص يوسف ويطالبون بمعاقبة هذا الذئب أو ذاك. والسؤال الذي يجب أن يطرح بكل صراحة : في الانتخابات المبكرة التي يطالب المتظاهرون باجرائها، وحتى تحت قانون انتخاب معقول، هل ستصوت الأغلبية السكانية الناخبة لأصحاب الكفاءة والنزاهة والقيم الأخلاقية، ودون أي اعتبار لاسم الشخص واسم طائفته وعائلته، ودون أخذ توجيه من قس أو فقيه أو رئيس ميليشيا أو محطة تلفزيون مأجورة؟ وهل الانتخابات المبكرة والقانون الانتخابي الجديد سيتمكنان من تجاوز ثقافة فئوية طائفية دينية، منتمية الى ضغوط الضيعة والقرية وسهرات العيلة والأقارب، في مجتمع لايريد أن يتجاوز ثرثرات التاريخ، وهلوسات الخوف من الآخر، وتفضيل الجزء على الكل، والاستكانة للهوية القزمة على حساب الهوية الكبرى الجامعة؟ ثلاثة أرباع القرن من الاستقلال وتلك الأسئلة تراوح مكانها، والاجابات تختفي وراء هذا القناع أو ذاك، وها أن البعض سيطرح نفس الأسئلة وسيحصل على نفس الأجوبة. هل أنها صراحة مؤلمة ؟ فلتكن، ولكنها من كل انسان عربي يحب ويعشق ويقدس لبنان العربي الرائع.
ثانيا: في هذه اللحظة يقبع العراق ولبنان وسورية والأردن وفلسطين في فم الثعبان الاستعماري الصهيوني، متدخلا أو محاصرا، أو مبتزا، أو حاقنا سم الجهاد التكفيري الارهابي اللابس بانتهازية قناعا مزيفا باسم دين الحق والقسط والميزان. الجميع يعانون الأمرين وينتظرهم مستقبل خطر عاصف. كل واحد مستفرد به ليواجه الأهوال لوحده.
والسؤال : ما الذي يمنع جبهة أو أكثر رسمية في هذا القطر أو ذاك، أو يوقف مؤسسات مدنية سياسية في هذا القطر أو ذاك من طرح مشروع في شكل مجلس تضامني ينتقل في الحال الى اقتصاد متكامل، والى موقف واحد منسق من مشروع صفقة القرن ومقاومته، والى توحيد الجهود لمحاربة الارهابيين المجانين، والى تيار متقارب متعاضد في الجامعة العربية والمحافل الدولية والأقليمية ؟ الخ... من التعاون الوثيق الفاعل، بل والتوحيد حيث أمكن. جميعهم مهددون في وحدة الوطن الجغرافية والاثنية، ويتعرضون لضغوط هائلة تستغل نقاط ضعفهم في هذا المجال أو ذاك، وبالتالي فهم في خندق الضحية الواحد. أليس هذا كاف ليخرج قادتهم من عادة الاكتفاء بالتفرج على سقوط الآخرين الى حين مجي الدور عليهم، ثم «البكاء كالنساء على ملك لم يحافظوا عليه كالرجال؟»
وبصراحة، فان لبنان المحاصر، المنهك، المفجوع، يجب أن يكون جوابه على من يطالبونه بتبني شعار الحياد المشبوه، الذي يرمي الى عزله وتهيئته ليكون تابعا ذليلا للهيمنة الصهيونية، أن يكون جوابه بطرح مبادرة مشابهة تبعده عن الابتزازات التي جاءته من كل حدب وصوب والتي عانى منها الكثير. يخطئ من يعتقد أن هذه الأسئلة تخص وضع لبنان وحده. انها تخص وتنطبق على كل قطر عربي بدون استثناء. ويعجب الانسان العربي من حالة اللامبالاة الذهنية المربكة التي تعيشها كل أقطار الوطن العربي تجاه نكبات هذه الأمة الكبرى التي تعيشها حاليا. لقد أصبحت تلك اللامبالاة مسلكا مخجلا يقربنا من حالات اليأس والانتحار الحضاري.
لن نخرج من الظلام الدامس الى نور الحياة الا من خلال اسئلة وأجوبة صريحة الى أبعد الحدود، والى أعماق كيان الانسان العربي، مهما كان ذلك قاسيا ومؤلما. انه جزء من قدر هذا الجيل.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات