loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

هيكلة العقل العربي (2 - 3)


حين هبت رياح التفجير من المرفأ البيروتي المكلوم، كنت قد هيأت نفسي لكتابة المقال الثاني في تلك السلسلة التي أحسبها مهمة في سياقات التغيير التي تشهدها العالم بعد جائحة «كورونا». رغم كل ما يقال وكل ما يثار عن أسباب الكارثة البيروتية، ورغم كل ما يقال وكل ما يثار عن تداعياتها وآثارها السلبية، ومطلقاتها التي انبعثت منها روائح الفشل الذريع للدولة، والتقصير المبين لرموز السلطة، والانقلاب الواضح في تصويب مسارات الشارع المنقلب، رغم هذا وذاك، فان العودة الى بدء التفتيش في التجويف العظيم الذي أصاب العقل العربي تأتي من الأهمية بما كان بحيث يكون للفرضيات المتاحة فعل السحر على النتائج المذهلة، ويصبح للبحث المتعمق ذلك المدى الذي يمكن أن يصل اليه الباحث في مضامير جودة الرؤية، ووضوح الهدف، وتقصير المسافات.
العقل العربي بوضعيته الراهنة يمكنه أن ينتج ذلك الفشل الذي أدى الى تفجير بيروت العظيم، والذهنية الخاملة التي تتحكم في ادارة شؤون الدولة العربية من شأنها أن تلد فئران تجارب في كل مكان، مرفأ كان أو مطار أو صولجان، أو حتى قطاع تنموي نفترض الاشارة اليه بالبنان.
من هنا لا يمكن للهيكلة أن تلعب دورها المتحقق على الأرض من دون بحث في طبيعة الاصابات التي مني بها هذا العقل والتي أدت فيما بعد الى الفشل الذريع في فهم مقتضيات بناء الدولة العصرية، تماما مثلما أدت الى تجريف الشخصية المعاصرة بكل ما تملكه من ثقافات متراجعة وأخرى متعددة المشارب والأعراق، ناهيك عن تلك المسافات الشاسعة التي تفصل بين طريقة التفكير ووسيلة التطبيق، بين النظرية بمفهومها التركيبي المعقد، وميكانيكية التحول الى الواقع باسعافاته الأولية وأدواته العلاجية، ومخرجاته النهائية. لقد بذل العقل العربي كل ما في جعبته وأنفق كل ما لديه من مخزون في سبيل أن يرتقي، من أجل أن ينهض، ولكي يحقق انتصارا يتيما على نفسه، رغم ذلك لم يتحرك للتغيير ساكنا، ولم يختلف انتاج العقل العربي بحالته المرضية الراهنة، عن انتاجه وهو في كامل عنفوانه وقوته وصولجانه، الفرق الوحيد هي تلك الارادة المسلوبة، بمعنى أن العقل هو العقل، ولكن فقدانه للرغبة في الانتقال، من السكون الى الحركة، ومن الثبات الى الحياة المفعمة، ومن الركود الى الطفرة المدججة بالنمو السريع، كل ذلك أدى الى حالة الاسترخاء التي أصابت قدرة هذا العقل على اتخاذ القرارات المصيرية الصائبة في مواعيدها المحددة، وكل ذلك أدى الى تأخر العقل العربي في التواصل مع أشقاء زاملونا في الماضي لكنهم سبقونا الى الحضارة بمفهومها الحديث المتمرد، والى العصرنة بحسها الدقيق المتفرد.
لذا فان اعادة التفكير في آلية العقل العربي بعد فضح أهم مكوناته من خلال جائحة بيروت أو عن طريق مصيبة «كوفيد 19»، أو من خلال ذلك الموروث المتراكم عبر سلبيات العصور الجليدية المهادنة، كل ذلك أوصلنا الى تلك الحالة من السلبية المفرطة ونحن نشهد العقل وهو يتجنى على ردة الفعل، ونحن نعاني عندما ننصت الى الدمار الهائل وكأنه زوبعة في فنجان يمكن ترويضها بالمهدئات، وحين يصل الى مسامعنا ذلك الصوت الذي يصيبنا في المهد قبل أن نلتقي مع صداه.
ان العقل العربي يحتاج الى اعادة صياغة لمكوناته الأساسية، الى تفريغ محتواه الراهن وتنظيف وعائه المتسخ، وترشيح ترسباته وتكلساته الصعبة من خلال آلية مختلطة ما بين التلقين والتوجيه، وعن طريق صدمة افاقة همها الأول والأخير اعادة المهابة والوثوق بالنفس واحترام الذات والاصرار على تحقيق النجاح من خلال ذات العقل الذي أفشل دولة في لبنان، وأغلق حدود التفكير في البقية المنكوبة من بلادنا العربية، والذي هو في حد ذاته اعتدى على مرتكزات، وتجاوز في حق أدبيات، وتهاون في مصائر شعوب. لم ينجح الغرب لأنهم وضعوا الحصان أمام العربة ثم تركوه يهذي من دون لجام أو «حدوة» في القدم أو فارس فوق الظهر، ولم يفشل العرب لأنهم لم يفهموا أنه لا يمكنهم اقتياد ذات الحصان لكي يشرب من النهر مرتين، انما لأن الجميع تجاهل الجميع، ولأن المسؤولية التي تقع في طلتها الأولى على العرب الذين لم يبادروا، تماما مثلما تقع على الغرب الذين تجاهلوا، المسؤولية الأممية المشتركة جانب مشرق من جوانب البحث عن اعادة الهيكلة لمصير تحركه تقاليد مندمجة مع واقعها، بدلا من أن تكون متشحة بالرداء المباهي، وبالبحوث العالمية المشتركة، وبطريقة التفكير العقلانية المباشرة.
عقلنا العربي يمكن هيكلته، بل ويمكن ملازمته مع عقول أخرى، وتطعيمه بثقافات أخرى، وتزويده بألحان خالدة أخرى، الطامة الكبرى أن أحدا لم يجرؤ على التفكير داخل ذلك الصندوق المهيمن بين ثقافة توشك على الزوال، وأخرى من وحي الخيال.
يتبع...


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات