loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

الصحوة الكبرى


كان لبنان وسيظل، دولة احتكاك مزدوج بين الخارج المتداخل، وبين الداخل المحتدم، كان لبنان وسيظل، منطقة لا تسكت مدافعها، وفوهة لا تكف عن إطلاق رصاصات الرحمة، وعيون دامعة لا تكف في جميع مراحلها عن البكاء.
منذ تفجيرات المرفأ، ومنذ تغيير الوزارات، ومنذ حروب التصريحات والتصريحات المضادة، المواقف المناوئة وتلك التي تحمل في طياتها مخاطر الكتمان، الوضع الإجمالي وتلك التفاصيل التي تكمن في أزقتها الشياطين، ويعشش في حواريها المطاريد، ويزايد عليها ما يريد أن يلتمس الأعذار لوطن في مهب الريح أو هؤلاء الذين يمسكون بالرمح والدرع ويحاولون فك جميع الشفرات بالعنف ذاته وبالدماء الزكية ذاتها، وبالمصالحات المشكوك في مفهومها وقوامها.
لا يهم كم من الضحايا ذهبوا في تفجير المرفأ، ولا يهم كم من المؤسسات والدول والجمعيات الخيرية تلاحمت مع الحدث العظيم في يوم التفجير العظيم، المهم أن نسأل أنفسنا هل استفدنا من الدرس؟ أم أننا نغط في سبات عميق؟ هل اختلط الحابل بالنابل؟ أم أننا أصبحنا قادرين على رأب الأصداع وأن كارثة المرفأ جمعتنا بعد شتات، ووحدتنا بعد طول محاصصات؟
بالتأكيد لن ألوم خطوة ماكرون وزيارتيه التاريخيتين المساندتين للشعب المكلوم، ولا ألوم الذين رحبوا به على طريقة عودة الانتداب الفرنسي مرة أخرى إلى بلاد الفينيق العتيق، لكن اللوم كل اللوم على العرب، على جامعتهم التي زار أمينها العام الدولة الشقيقة ليلقي عليها خطابات مجاملة ليس إلا، إن دور الجامعة العربية وفقًا لميثاقها الراهن أكبر، ودور أمينها العام أكثر من مجرد أستاذ يلقي محاضرة أمام تلاميذ مازالوا يمشون على «السجاد» بصعوبة.
جامعة الدول العربية مسؤولة عن كل شبر مهيض الجناح في أمتنا، وعن كل إرادة سقطت إرادتها بالتقادم في جميع نكباتنا ومفترقات حيواتنا، ومطبات أيامنا.
الجامعة العربية هي الإدارة العربية، هي الضمير العربي الذي كرهنا الغناء له وعنه، عن الوحدة التي لم توحدنا، وعن الشعار الذي يفرقنا، وعن المشروع الذي لم يولد بعد.
لبنان أو العراق أو اليمن أو سورية وطن عربي تُراق دماؤه وتوزع جثامينه، وتهدر كرامته على مدار الساعة، جامعة الدول العربية على المرأى والمسمع من كل حدث، ومن كل إهانة لا ترد الصاع صاعين، على الأقل من خلال موقف سياسي مؤثر وفاعل، وعلى الأقل عن طريق أغنية من القلب إلى القلب، أو على الأقل من دون أن تهذي بحروب أو تهدد بعدوان، أو تتوعد أحداً بغير السلام القائم على العدل.
لبنان في الطريق إلى العراق أو سورية، ولبنان من الطريق القادم على أشلاء الضحايا، وأصداء الثكالى، وأحلام البسطاء «المستحيلة».
لبنان يبكي، يُدمي، يباغت أمته بكارثة تلو الأخرى، وبمسرح عمليات سابق الإعداد والتجهيز في وطن أكبر غير سابق الإعداد والتجهيز، صحوة كبرى مطلوبة وليست مفروضة، يقظة من كهف عتيق ترعى فيه خفافيش الظلام، وثعالب الفرص المناوئة، وضباع الجثث المترامية، صحوة كبرى تبدأ بالأهم فالمهم، بلمّ الشمل، وترتيق الثوب، وترميم الآيل، ثم بعد ذلك يأتي المشروع الأم المناوئ والمواجه لجميع المشاريع المحدقة بأمتنا، ولجميع المحاولات المتسلطة علينا، المهددة أمننا وعروبتنا، والماحية هويتنا وشخصيتنا، إنه المشروع القابل للتجسد، وليس القابل للفناء، بلادنا والحمدلله مازال المؤثر فيها مستقلًا، ومازال المتوجع منها قادراً على النهوض مرةً أخرى، فرصة عمر قد لا تتكرر عندما يضيع الأقوى والأبقى، والزرع والضرع، والأخضر واليابس، عندما تأتي الأمهات الثكلى ولا يجدنَ أبنائهن إلا في أسواق النخاسة، ولا يجدنَ أزواجهن إلا في مزادات العبيد، ولا يجدنَ مستقبلهن المظلم إلا مطية لمختلف الأمم والقوميات.
المرفأ أو ما يحدث في المدى الأبعد، أو في النطاق الأوسع ما هو إلا سوى نذير شؤم لما هو محدق بالدولة الرقراقة، بالوطن القادم من أمهات الثقافة والحضارة والشموخ والجمال، ما هو إلا نعيق يتقدم الكارثة الكبرى قبل أن تحل، ورفيق طريق ينسحب في بداية المشوار خوفًا من القيل والقال أو من هزيمة نكراء.
بالنتيجة لا المرفأ كان درساً ولا حرب السبعينيات الأهلية كانت موعظة حسنة، ولا أمراء الطوائف استطاعوا تقسيم الكعكة الجريحة في لبنان على أنها ستظل لذيذة المذاق إلى أبد الآبدين.
كل يغني على ليلى الآخرين وليس فقط ليلاه، ذلك بالتحديد هو حال لبنان، وتلك بكل تجرد هي اتهامات موجهة لكل مسؤول عن الحال المزري الذي وصل إليه رمز الجمال في الكون العربي الفقير، وتلك أخيراً وليس آخراً هي جامعة الدول العربية التي لابد من مراجعة مواقفها تجاه أعضائها، ومساندة ميثاقها الذي أصبح مجرد حبر شديد الجفاف على ورق شديد الإصفرار من هول التفجيرات المعنوية التي يصاب بها مواطنؤنا في لبنان الجريح.
لبنان أولاً وليس آخراً، هذا هو الخوف المهيض، تماما مثلما كان العراق أولاً وليس آخراً، وغيره، سواء كانت سورية ثانياً وليس آخراً، وحين أصبح لبنان واليمن «غير السعيد» وغيرهما و.. هلمجرة، ثالثا ورابعا وخامسا و.. أخيراً وليس آخراً.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات