loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

العجز الديموقراطي وإشكالات الحاضر


تظهر الكثير من الدراسات في بلدان الغرب الديموقراطية بأنه كلما تراجعت مؤسسات ومسيرة الديموقراطية في تلك البلدان كلما ازدادت وتراكمت مشاكلهم الاجتماعية واقتصادية والسياسية على المستويين الوطني والدولي.
لقد بدا واضحاً ومقلقاً للكثير من مفكريهم بأن الثقافة النيولبرالية الرأسمالية، التي مجدت الفردانية المتطرفة المنغلقة على الذات والمتعة والإستهلاك النهم، قد قادت إلى هبوط حاد في نسبة المواطنين المشاركين في الانتخابات. وأن استبعاد كلمات وتعابير السياسة الكلاسيكية، من مثل المساواة والعدالة الاجتماعية والنضال المدني وحقوق الفقراء والمهمشين وغيرها، في مجالات السياسة والإعلام والتعليم على الأخص، وإحلال تعابير رأسمالية السُّوق، من مثل المنافسة والاستهلاك المظهري العبثي والمكانة المالية وتعابير الموضة والإعلان والعيب في الفشل وغيرها، قد أزاح السياسة، ومعها الالتزامات نحو المجتمع والناس، وأحل مكانها الاقتصاد كحاكم ومهيمن على كل مجالات الحياة. وأنً صعود اليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا وأميركا سينقل الديموقراطية من كونها وسيلة أخذ وعطاء وحلول تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل فئات المجتمع إلى كونها وسيلة استقطابات حادة لا تتورع عن الاستعمالات الانتهازية للتنوع الديني أو العرقي أو الثقافي في صراعات مميتة، كما هي الحال في المشهد الأميركي الانتخابي الحالي وتصرفات الرئيس دونالد ترامب.
من هنا فان المفكرين في الغرب ماعادوا يتكلمون عن أمراض ومثالب الديموقراطية المعروفة، وإنما يتكلمون بصوت عال عن موت الديموقراطية في الغرب.
فاذا كان التراجع الديموقراطي في البلدان الديموقراطية يهدد بانفجار المشاكل والصراعات في تلك البلدان، فان المشهد في الوطن العربي يظهر صورة أخرى لنفس المشهد: غياب وعجز الديموقراطية في بلاد العرب هو أحد أهم اسباب التًّراجع المتسارع في كل مناحي الحياة العربية. فقرارات إعلان الحرب أو الدخول في سيرورة سلام، أو الزج بالنفس في الصراعات الداخلية في هذا القطر العربي أو ذاك، أو معاداة ومحاولة إسقاط هذا الرئيس العربي أو ذاك، أودعم هذه الجماعة الجهادية العنيفة بالسلاح والمال والتدريب أو تلك، أو الانكفاء نحو الوطنية القطرية الضيًّقة والابتعاد عن القومي المشترك، أو دعم المؤسسات العربية القائمة أو اضعافها، أو الأمر بالدخول الإعلامي القطري في مماحكات وولائم شتم بذيء وإيقاظ العداوات المصطنعة بين هذا الشعب العربي أو ذاك وإشعال النيران الجنونية في وسائل التواصل الاجتماعي، أو دعوة الاستعمار للعودة إلى أرض العرب في شكل معسكرات وموانئ ومعاهدات واتفاقات سرية جميع ذلك يتم بقرارات من قبل مجموعات صغيرة متحكًّمة، بعيداً عن السلطات التشريعية إن وجدت وعن المداولات في مجالس الوزراء وعن المداولات الحرة الاستطلاعية من قبل الرأي العام. وبمعنى آخر يتم كل ذلك، وأكثر من ذلك في أمور من مثل الاقتصاد والمديونيات والثقافة والتعليم والصحة وتوزيع الثروة وكل مناحي حياة المواطن المهمًّش، بسبب غياب المؤسسات الديموقراطية المراقبة والمحاسبة والمعاقبة، أي العاجزة المشلولة.
وبالطبع فان غياب المؤسسات الديموقراطية في بلاد العرب سببه ظاهرة العجز الديموقراطي في هذا الوطن العربي كلًّه، بصور متفاوتة.
من هنا الأهمية الكبرى لدراسة خلفيات وأسباب ذلك العجز والتوجه لمعالجة مشكلة العجز والتغلُب عليها، وذلك قبل التغني بميزات الديموقراطية وإظهار محاسنها لمجتمعات لم تذق طعمها منذ قرون .
بالنسبة لبعض الأدبيات العربية في الشأن الديموقراطي أشار الكثيرون إلى الأسباب التالية وراء ذلك العجز الديموقراطي.
أولاً: وجود نفوذ استعماري دولي وإقليمي راغب في حكم بلاد العرب قبل أنظمة او توقراطية استبدادية غير مراقبة وغير خاضعة لمجتمع مدني فاعل.
هذا النفوذ كان ولايزال داعماً لأنظمة غير ديموقراطية طالما أنها تخدم أو لا تتعارض مع مصالحة الاقتصادية والأمنية. هذا النفوذ الاستعماري لا يهمه بقاء هذا النظام العربي أو ذاك طالما أن الجدد هم من صنف القدماء في تسلُّطهم وفسادهم.
يخطئ من يعتقد أن معركة مقارعة الاستعمار انتهت باستقلال البلاد العربية، الاستعمار لا يزال موجوداً والمعركة ضده ودحره لاتزال مستمرة.
ثانيا: - اصرار الدولة العربية الحديثة على أن تبقى دولة ريعية في الاقتصاد، حيث تستولي أقلية على مصادر الثروات، وعلى الأخص الطبيعية منها، كالثروة النفطية والغازية والمعدنية، لتوزع دخل تلك الثروة الريعية حسب الولاءات الزبونية من جهة وإجراء مقايضة بين توزيع الثروة الريعية واستعمال جزء منها في تقديم خدمات اجتماعية كالصحة والتعليم والإسكان، وبين القبول العام لغياب الديموقراطية.
هنا أيضاً مالم تنجح قوى المجتمعات المدنية في تغيير طبيعة الدولة العربية الريعية لتصبح دولة اقتصاد إنتاجي غير زبوني فان الديموقراطية لن تأتي، فالتاريخ والعادات والسلوكيات التي بناها ذلك التاريخ ستكون عقبات أمام أي تحول ديموقراطي، ما سيجعل بناء الديموقراطية في بلاد العرب أصعب من ذي قبل هو تغيًّر المشهد الديموقراطي في الديموقراطيات العريقة، سيأخذ أعداء الديموقراطية في بلاد العرب ذلك المشهد كدليل على فشل الديموقراطية، وبالتالي عدم الحاجة للديموقراطية في بلاد العرب.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد