loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

بين «حالة الاتحاد» و«حال الأمة»


«لا يسر عدو ولا حبيب».. ذلك هو حال الأمة، قادة الولايات المتحدة الأميركية يخرجون على شعبهم «كل حين» ليشرحوا لهم ما تيسر عن «حالة الاتحاد»، التي هي في عرفنا العربي «حال الأمة»، لكن هيهات وشتان بين حالة الاتحاد على الطريقة الأميركية و«حال الأمة» على الطريقة العربية.
«حالة الاتحاد» تعني أرقاما بالتريليونات، أحلاما بمئات التريليونات، ناطحات سحاب الكترونية، تناطح المواقع وتعتدي على الحسابات الشخصية، «حالة الاتحاد» تعني قدرته على الغوص في أعماق الطبيعة، فيما وراء الكائنات، وما بعد اللامرئيات.
«حال الأمة» في بلادنا هو وضع الفقراء، نصيب الفرد الذي لا يتجاوز العُشر من الدولار في البحث العلمي، والنصف من العملة ذاتها في الناتج المحلي الاجمالي أو «G.D.B»، «حالة الاتحاد» معدل البطالة، وضع تجارة التجزئة، مستوى الانتاج من النفط، ومعدل استهلاك الطاقة، هل الرعاية الصحية على ما يرام؟ وهل المردود التعليمي كان وفقا للمأمول؟ العالم كيف يبدو في نظر رؤساء الولايات؟ هل مازال هناك مثلث رعب ومحور شر وعابث بالأسلحة النووية؟ أم أن الضبط والربط قد طال الكرة الأرضية، وتلامس مع احتياجات الكون من الأوزون، ورؤيته من ثقب الأكسجين في الأمازون، وتعليماته بشأن التلوث المبين في بلاد العالم المهمشة؟
«حالة الاتحاد» في نظر مسؤولي «حال الأمة» ترف ما بعده ترف، وفي عيون مفكرينا مجرد أرقام على ورق، وأختام فوق ملفات، وكلام في كلام.
«حالة الاتحاد» في صميم تفكير النخب لدينا مجرد احصائيات في عهدة حاسب آلي، وعلامات استفهام على مستوى علامات التعجب الأزلية، وفواصل ومقاطع كاملة من تقارير لا تختلف كثيرا عن تلك التي يكتبها «حال الأمة» ويحفظها أصحابها عن ظهر قلب بأنها لا تتجاوز فرص عمل لا تذهب لمستحقيها، وثروات ناضبة تهدر عوائدها في استثمارات «غير مفهومة»، و.. عندما نقول «حال الأمة» على الطريقة العربية، يختلف كثيرا عن «حالة الاتحاد» على «الطريقة الأميركية» فاننا نكون قد اقتربنا من مربط الفرس، من ذلك الفارق الجوهري، بين أمم تعقلها وتتوكل، وأخرى تتوكل ولا تعقلها، بين شعوب تفكر ثم تفكر ثم تفكر، وأخرى فقط تغط في سبات عميق ولا ترضى عن راحتها الأبدية بديلا.
«حال الأمة» ربما يسر عدوا، لكنه بكل تأكيد لا يسر حبيباً، فموازين مدفوعاتنا ستظل مرتهنة الى الخارج، ومصائر شعوبنا سوف تكون ولأجل غير مسمى في عهدة مصائر شعوب أخرى أكثر تقدما وعلما ودراية بحقائق الكون الذي نعيش فيه.
«كورونا» جاء بفعل فاعل لم تكن لدينا أية سيطرة عليه، أو أية دراية به، وسوف تذهب جائحته أدراج الرياح من دون أن يكون لدينا أية مساهمة في تصويب وجهته، أو تقليل أعراضه، أو تفنيد أسبابه، أو اكتشاف ماهيته، تركنا الجمل بما حمل للشرق تارة وللغرب تارة أخرى، هم الذين يبحثون، وهم الذين يتفكرون في خلق الأرض واختلاف الليل والنهار، ونحن الذين نعيش على الأرض وننظر الى السماء من دون أن يكون لدينا سلطان ننفذ به حتى نتفكر في خلقه سبحانه وتعالى، ونحاول على أقل تقدير أن تكون لدينا أية ناقة أو أي جمل من أجل الفهم لما يدور في كوننا من مفاجآت وما يتم أمام عيوننا من ظواهر، وما يتجلى من خلفنا من قرارات.
نحن نعيش على هذا الكوكب وكأننا أصبحنا عالة عليه، أعلى معدلات التلوث تنبع من حدودنا، وأقل معدلات للنمو الاقتصادي الحقيقي موطنها بلادنا، أعلى معدلات للهدر في الثروات، والغوص في رمال التراجع المتحركة، منبت فرسها من أراضينا، الأمية بمعاييرها المتعددة، وأراضينا ومؤسساتنا، تراكم المعارف، ومواطن النظريات، ومنابت العلوم وأصول اللغات الحية بمفاهيمها المستحدثة لم يكن لنا أي دور فيها، حيث العلوم كلها طبيعية واجتماعية، مصدرها من الغرب ولم يعد لنا مكان تحت لوائها، أو موقعا من الاعراب في رحاب سمائها، تراجعنا حتى في تسيير حركة الأموال، نحن نحصل عليها بصعوبة ولا نعرف كيف نستثمرها وأين ولماذا؟ فنذهب بها الى الغرب كي يفعلوا بها ما يحلو لهم مقابل فائدة زهيدة بأي مقياس اقتصادي وأي معيار تنموي، بنيتنا التحتية سلمنا مفاتيحها لآخرين كي يشيدوا ما يرونه مناسبا بشأنها، من دون أن نحدد أولوياتنا بدقة، وحاجاتنا من خلال الأهم فالمهم وهلمجرة.
لم يعد لدينا نصيب يذكر في التأثير على الحضارة الانسانية بعد أن كنا ملء السمع والبصر في بدايات عصر الحداثة والنماء، لم تعد لدينا حجة ولا معيار ولا سعر أساسي يمكن القياس عليه لأي سلعة، وأي منتج يخرج عفويا من عمق أعماق أراضينا، حتى النفط الذي موطنه هذه الأراضي يتم تسعيره بالدولار، وعندما تبحث البشرية عن سعر بديل فانها لا تفكر في أية عملة عربية حيث تذهب جميع الأفكار الى الصين أو الى سلة عملات، أو الى أية عملة أخرى لا توجد من بينها صكوكا من مهد حضارتنا، ولا أسعار صرف من بينات أفكارنا، ولا حتى اقتراحات من تلابيب بني جلدتنا.
العالم و«حالة الاتحاد» على الطريقة الأميركية في واد، و«حال الأمة» على الطريقة العربية في آخر.
و.. لنا الله.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد