loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

أسطورة «الأهل» للوظيفة


احترت واحتار قلمي، ماذا أكتب عن آفة متفشية؟ وكيف يمكن التعاطي مع مرض عضال؟ ليست «كورونا»، وليست أخواتها، ليست خيانة عظمى، بل إنها خيانة صغرى قد تفضي الى خيانة عظمى، خيانة أمانة في عنق، وضرب عرض الحائط بكل مواثيق واعتبارات، بكل مقاييس ومعايير وأخلاقيات، تلك التي يتم على أساسها اختيار «المناسبين» لمواقع العمل، في بلادنا العربية. يقول المثل الانكليزي الشائع: «fit for the purpose»، لكننا لم نكن على الطريقة الانكليزية ولا على بساط طرق أخرى نتعامل مع الأفضل على أنهم مناسبون للوظيفة المُثلى، ولا نحن ألغينا توصيفنا الوظيفي لنعلن عن معايير أخرى ربما نكون قد ضللنا الطريق اليها.
قديما تحدثنا، مرارا وتكرارا، وتمادينا في الحديث وأطلنا النظر على ما كنا نطلق عليه بـ«التوصيف الوظيفي» من منطلق الكفاءة وحسن السير والسلوك والشهادات والخبرات، أي بالأساس الذي نبني عليه اختياراتنا لمواقع العمل المختلفة، وبالفعل قطعنا مشوارا طويلا على طريق البحث والتدقيق في شهادات وخبرات، في سير ذاتية واسوة حسنة و«سي فيهات»، واعتقدنا في المهد أو هكذا تخيلنا أن كل مسؤول هو جدير بمنصبه، وأن كل راعٍ لابد وأن يكون مسؤولا عن رعيته، بل إن كل اختيار يتم وفقا للأسس التي تربينا عليها، وللمعارف التي نشأنا في كنفها، وللمواثيق الانسانية والمعرفية، بل والقانونية التي تقام على أساسها الحدود وتُبنى في ضوئها الاختيارات.
بمرور الوقت ظهر لنا فجأة جيل كامل من الذين هبطوا من السماء، أو الذين حصلوا في غفلة من الزمن على استحقاقات لم يكونوا يستحقونها، على مناصب لم تكن ضمن الـ«سي.في» المرفق مع طلب الوظيفة. يرى البعض ويعلق فشل الفساد المرئي على شماعة أهل الخبرة وأهل الثقة، على هذه الشماعة علقنا كل اخفاقاتنا في الزمن المحسوب بالفشل الذريع، وعلى الشماعة ذاتها تعلقنا جميعا في حبل المشنقة الوظيفي، وأزهقت أرواحنا، وبتنا أصفارا بجوار أصفار، وصغارا بجوار صغار، وأصبح كل ما لدينا من مهاريين وعباقرة وخبراء على أرصفة البطالة وعلى أبواب الدواوين الحكومية، يخطبون ود مسؤول غير مستحق هنا، وآخر هابط بالمظلة الالكترونية على موقع وثير من هناك.
الأمل كل الأمل ضاع في حسبة لوغاريتمية معقدة، والفرص كل الفرص تفرقت بها السبل وأصبحت في طي الكتمان حتى يأتي متنفذ من هنا، أو آخر من هناك ليضع «الرجل غير المناسب» في المكان غير المناسب. لم يعد للكفاءة دور، ولا للتعليم معيار، ولا للتخصص صفة، أصبحت العلاقات القائمة على مصالح متبادلة هي المؤشر النافي لكل المؤشرات، وللاعتبارات العرقية والاثنية والطائفية والفئوية كل الحق في تقديم شخص على آخر عندما تكون هناك وظيفة شاغرة، أو موقع يُشار اليه بـ«الصفة والموصوف» ولابد من ايجاد «صاحب العصمة» لكي يرسو بمظلته المنتفخة على الكرسي المنتظر الوثير.
مؤسسات تعليمية على امتداد الوطن العربي لابد من تقديم العلم والأخلاق على كل اعتباراتها، لكنها عند الاختيار للوظيفة تُقدم اعتبارات أخرى، مؤسسة اعلامية نجد أن من يعتلي مناصبها المهمة ليس لديهم أي دراية بأصول مهنة الصحافة، والأمثلة كثيرة على الهدر للكفاءات، للوقت والامكانات، ولو كان المنصب سياسياً بحتاً لالتمسنا العذر الى صاحب القرار نظرا لأن مؤشر الثقة لابد وأن يتغلب على بقية المؤشرات، ولو كانت الوظيفة مؤثرة في صناعة قرار مؤثر لقلنا أمن الوطن فوق أي اعتبار، ومصلحتنا العليا لابد وأن تتقدم مختلف المصالح الشخصية الضيقة، لكن التمييز والانتقاء أصبح يتم في أضيق الحدود، في المهن التي لا تشترط «حسن سير وسلوك» على الطريقة الضامنة لأمن الوظيفة، الانتقاء والفرز والتمييز أصبح يأتي من حيث لا نحتسب، من شخص لديه مصلحة مع آخر، ومن مؤسسة لديها صفقة مع مؤسسة أخرى، ومن جهة «ما» لديها سابق معرفة أو دراية أو مصلحة مؤجلة مع جهة شريكة في «الحسب والنسب وتبادل الخواطر».
هنا ينتهي الأمل عند الأجيال الحالية والأجيال اللاحقة، وهنا تتأخر المجتمعات، وتفقد الدول بوصلة العدالة في أدق دقائق مؤشراتها الأخلاقية ومراميها الاقتصادية وأهدافها على المدى الطويل، وهنا تسقط مجتمعاتنا العربية في بئر التراجع السحيق كونها لا تُعير انتباها للكفاءات في حياتنا، ولا للمهاريين على جانبي الطريق، ولا للمؤهلين وهم في مقتبل الحياة الصعبة بأي معيار أخلاقي وأي مؤشر تنموي.
ان الانسان خُلق ليبني الأرض ويعمرها، ويقول الله في محكم كتابه العزيز: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، لم يقل سبحانه أن الواسطة هي المعيار، أو أن المصالح الشخصية هي المربط وهي الفرس، ولم يقل أن التغافل عن المهاريين والأكفاء في حياتنا هو الفارق المقدس بين من يعلمون ومن لا يعلمون.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد