loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

حتى لا تضيع الديموقراطية العربية في المتاهات


في مقال الأسبوع الماضي بينا أهم العوائق المجتمعية والثقافية العربية التي تقف في وجه الانتقال من الأنظمة الأوتوقراطية المستبدة إلى أنظمة ديموقراطية عربية، بحيث تأخذ الديموقراطية بعين الاعتبار تراث وحاضر وتطلعات المجتمعات العربية وقيم حقوق الإنسان المعاصرة.
ولما كانت هناك تباينات فيما بين الأنظمة الديموقراطية عبر العالم، كمنطلقات وأهداف وممارسات وتنظيمات، أصبح لزاما أن يطرح للمناقشة السؤال الآتي : أية منطلقات وأهداف وممارسات ينبغي أن تتميز بها الديموقراطية العربية المنشودة؟
أولا، لقد هيمنت على أدبيات الديموقراطية السائدة مقولة إن المنطلق الأساسي لأي نظام ديموقراطي هو القيم الليبرالية من مثل حرية الفرد في المعتقد والتعبير والسلوك الاجتماعي والاستقلالية الفردية المنغلقة على الذات وغير المعنية والملتزمة إلا لماما، ومن خلال التصويت في الانتخابات الدورية، بالشأن العام.
وبالطبع رافق الإيمان بتلك الحريات الفردية مطالب سياسية كحرية تكوين الأحزاب وتمثيل المجتمع من قبل نواب منتخبين، وفصل السلطات، وتناوب السلطة، واستقلال القضاء، ومطالب اقتصادية كحرية الأسواق وجمع الثروات وتراكمها وعدم تدخل الدولة إلا لماما، في الشأن الاقتصادي، وبالتالي التأكيد على الارتباط الوثيق بين الليبرالية والرأسمالية، وكذلك مطالب فلسفية من مثل قيم العقلانية والتقدم الإنساني المستمر، ومطالب اجتماعية من مثل العلمانية وجعل الدين شأنا فرديا وليس مجتمعيا.
وباختصار كانت الحرية بشتى أشكالها والفردية بشتى صورها هي المنطلق الأساسي للديموقراطية اللبرالية الغربية الرأسمالية التي سادت عبر القرون الأربعة الماضية، ومازالت تهيمن على الفكر السياسي العولمي حاليا تحت شعار النيوليبرالية.
أمام تلك الصورة الثقافية السياسية للديموقراطية، والتي تكونت عبر قرون، والتي مرت بتحولات وإضافات ومراجعات وأزمات، ومع ذلك يصر أهلوها وبعض العرب الواقعين تحت سحرها على أنها الصورة النهائية في تاريخ الإنسانية... أمام كل ذلك دعنا نذكِّر أنفسنا باستنتاجات هيئة الأمم المتحدة في عام 2000 بشأن الديموقراطية والقائلة «بأن لا وجود لنموذج عالمي وحيد للنظام الديموقراطي»، إذ لا توجد ديموقراطية إلا وترتبط بتاريخ وثقافات ومعتقدات وتجارب الأمم التي تمتاز بالتنوع الإبداعي وبالغنى القيمي المتباين فيما بين الثقافات.
ثانيا، إذا كان استنتاج هيئة الأمم ذاك صحيحا فان المنطلق الأساسي للديموقراطية العربية يجب أن يكون نتيجة تفاعل فيما بين الأسس التي يقوم عليها مبدأ الشورى والأسس التي تقوم عليها الديموقراطية. وفي الحال نقول بأن التراث الإسلامي أعطى أهمية كبرى وأولوية لمبادئ العدالة والحق والقسط والميزان في الحكم.
لعل السبب وراء ذلك الإعلاء للعدالة هو أنه بدون عدالة يمكن لأية قيم أخرى، من مثل الحرية والمساواة والمواطنة وغيرها، أن تكون مليئة بالثغرات أو الشطط أو التلاعب عند التطبيق في واقع المجتمعات البشرية.
العدالة وحدها، وليس الرضى العام أو الفائدة العامة المتخيلة وغيرها من الموازين الممتلئة بها أدبيات الفلسفة في الغرب الديموقراطي، هي أقرب الموازين لضبط فهم وممارسة القيم الأخرى، سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للجماعة.
من هنا ظهور مدارس فلسفية أخيراً، في الغرب وغيره، تشدد على اهمية فضيلة وقيمة العدالة في منظومة مكونات الديموقراطية النظرية والتطبيقية.
ثالثا، ينطبق الأمر نفسه على موضوع الحرية الفردية التي تنادي بها الديموقراطية وتعتبرها مقدسة أمام موضوع الصالح العام وأهمية الجماعة في التراث العربي الإسلامي. الديموقراطية العربية تحتاج أن تراعي الاثنين، الحرية الفردية ومتطلبات الجماعة، إذا كانت تريد أن تتجنب الشطط في الحرية الفردية والتعسف في إملاءات ومحددات الجماعة.
وهكذا، فمثلما تضيف الديموقراطية لموضوع الشورى الكثير من قيمها الرائعة، فان عليها أن تستفيد من قيم ومقاصد الشورى.
في بلاد العرب، ذاك التفاعل فيما بين تراث الشورى وحداثة الديموقراطية، يجب أن يكون المنطلق لوضع مبادئ وأهداف ووسائل الديموقراطية العربية المستقبلية.
لقد شددنا كثيرا على الأهمية المحورية للعدالة بسبب كثرة المظالم في أنظمة العصر الديموقراطية والتي تحتاج إلى قيمة كبرى تضبطها وتصلحها، وعلى أهمية الجماعة بسب الشطط المجنون في ممارسة الفردانية باسم الحرية الشخصية الذي بلغ حدود الخطر على تركيبة المجتمعات البشرية وما بنته عبر القرون من قيم الصالح العام.
هناك بالطبع مكان لكل أنواع الحريات والتنظيمات الليبرالية، والتي أعلت من شأنها الديموقراطية السائدة، بشرط أن تحكمها العدالة ويوازن فيما بينها الصالح العام.
خصوصية الديموقراطية العربية هي أن تنطلق من هنا، حتى لا تضيع في مسالك المتاهات التي سار فيها الكثيرون.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد