loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

كل أربعاء

العرب بين أوباما وبايدن


إلى الذين يبشرون بعودة «الربيع»، والذين يدقون الطبول ويقيمون المآدب، ويخترعون الأعراس احتفاء بديموقراطيين قادمين إلى البيت الأبيض، أقول لهم من حقكم أن تفرحوا، ومن طبائع الأشياء في بلدان الحريات أن يكون تداول السلطة على الطريقة الأميركية محط أنظار العالم، كون القوة الأعظم في العالم مازالت هي المحرك الكوني المهيمن على مجريات أمور الكثير من المناطق.
في منطقتنا العربية يطفو على سطح الذهنية السياسية تاريخ ليس بعيدا، وذكريات ليست بالمطمئنة، حيث السوابق منذ الديموقراطي أوباما أدت إلى فوضى عارمة في وطننا العربي، وإلى ربيع تساقطت فيه أوراق الشجر من دون هوادة، وذبلت في حلوقنا العروق من غير بصيص لأمل في شربة ماء.
تم تحطيم دول عربية مؤثرة عبر كل التواريخ، سورية، اليمن، العراق، ليبيا، لبنان، وتم إرباك دول أخرى وقفت بالمرصاد لكل محاولات زعزعة الأمن والأمان ونعمة الاستقرار في مصر والأردن والعديد من الدول العربية والخليجية التي لعبت دور رمانة الميزان في النظام العربي الجديد.
كانت بصمات السفارات الأميركية في معظم هذه الدول واضحة، وكان تعاونها مع الإسلام الراديكالي المتأهب واضحا وضوح الشمس، وكان نظام الدول العربية الرصينة مهددا بمصير مظلم يتشابه أو يتقاطع مع أنظمة دول عربية عريقة وافتها المنية وهي تحاول الدفاع عن ثوابتها ومقدراتها، لكن الموجة العارمة التي جاء بها الديموقراطيون آنذاك كانت أشبه بتسونامي متعدد المراحل والارتدادات، وكان الوطن العربي عن بكرة أبيه يراقب الأسى بدموع توشك أن تجف بعد أن أصبح البكاء على «اللبن المسكوب» لا يغني ولا يسمن من جوع.
الآن والديموقراطيون عائدون إلى البيت الأبيض، الآن وحفظة النصوص وكهنة المواقف المعلبة، يتوقعون استنساخا لمواقف عفى عليها الزمن، ولشماعات أصبح يعلوها الصدأ، ماذا يمكن أن نتوقع من سادة البيت الأبيض؟ هل إرث أوباما سوف يطل على مناطقنا من جديد؟ أم أن الأوضاع العربية أصبحت أقل إغراء لصقور الديموقراطيين بأن ينالوا من أنظمة أصبحت أكثر قوة واصطفافا والتفافا حول قادتها من ذي قبل؟
الملفات التي على طاولة بايدن لم تذكر بل ولم تلمح أن بالمنطقة العربية عموما بل وفي المنطقة الخليجية منها على وجه الخصوص ما يغري الايديولوجية الراديكالية المهيمنة على ذهنية الديموقراطيين ليكون لها موطن قدم في ثغرة، أو مكان تحت الشمس في فراغ سياسي لم تحسب له المنطقة ألف حساب، أو ثقب في باب كان قد تركه أصحابه مواربا لأطماع خارجية في ثغرات داخلية، أو في قلاقل محلية، أو احتدامات توشك أن تطفو على سطح الأحداث الراهنة.
لا يوجد لدينا «بطحة» على رأس، أو جرح نخشى عليه من الضغط، أو عاهة تذكرنا بماضٍ، أو بما يمكن أن تتكرر أحداثه في المستقبل القريب.
صحيح أن ملف حقوق الإنسان سيظل مفتوحا بنيرانه المصوبة على الجميع، دول عربية أو لاتينية أو أفريقية، أو حتى في أوروبا الشرقية، وصحيح أن هذا الملف الذي كانت كل الأنظمة الأميركية تأخذه ذريعة «لتحقيق مآرب أخرى» لم يعد ينطلي على أحد في منطقتنا التي تعلمت من دروس الماضي جيدا، والصحيح أيضا أن هذا الملف لم يعد خاضعا للخلط بين تجاوزات في داخل المنظومة الأمنية، أو نتيجة لمواقف مناهضة بشأن الممارسات السياسية.
أيا كان المشهد ملتبسا، وبصرف النظر عن نظرة القادم الجديد للبيت الأبيض للآخر المختلف، فإن ما يطلق عليه بحقوق الإنسان لم يعد حكرا على الجانب الأميركي وحده، حيث ان ما حدث من النظام الأكثر ديموقراطية في المعمورة للضحية الملون جورج فلويد وربما لغيره على أيدي رموز النظام الأميركي «حامي الحمى» و..«محطم قلوب العذارى»، أصبح هو الآخر على المحك، حيث لا أحد تحت مطرقة حقوق الإنسان يمكنه التحدث بالنيابة عن بني الإنسان، بالوكالة على أمة البشرية جمعاء، وبالأصالة عن المعذبين في الأرض.
العالم قد تعلم من دروس الماضي جيدا، ديموقراطيون كانوا أو جمهورون، تابعون لأوباما، أم مناوئون له، متنمرون بمنطقتنا أم موضوعيون عند التعامل مع بلادنا، في نهاية المطاف، بايدن ليس ترامب، والديموقراطيون الجدد ليسوا أوباما «محطم الأرقام القياسية» في هدم أنظمة، واستهداف كيانات وتجريف معتقدات، نحن أولا وأخيرا من سيقود دفة القارب المطاطي حتى الشط الآمن المطمئن، ونحن من سيضل الطريق إذا لم نفهم أن ما يحك جلدك مثل ظفرك، وأن تلاحمنا لا تشرذمنا، ووحدتنا لا تفرقنا، واصطفافنا وليس تناحرنا، هو الذي سيصل بقاربنا المجهد إلى برٍ لا ينتظرنا عليه أوباما جديد، أو بايدن في حلته الديموقراطية السعيدة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد