تصغير الخطتكبير الخط العودة share
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
«لا يمكننا الكتابة على صفحة سوداء».. رحلة غنائية تبحث عن «نور» الإبداع

في الفن، كما في الحياة، نخضع لأنماط كثيرة سائدة لم تعد تثير احساساً ولا تعمق وعياً، فنشاهد فيلماً كأننا لم نشاهده أو نسمع أغنية لا تترك في القلب ذكرى.
هذا النمط الاستهلاكي السائد والمرعب يثير رغبة البعض في التمرد عليه وتجاوزه بحثاً عن أرض بكر لم تطأها قدم وسماء صافية لم يلوث هواؤها. الأمر أشبه بـ «ثورة صغيرة بلا ضحايا ولا دم، وهذا تقريبا مع تفعله الفنانة الشابة ايما مع أعضاء فرقتها «أنثروبولوجي. مجموعة من الشباب يهوون الغناء والعزف والرقص والتمثيل، وأيضاً الرغبة في التمرد والتمايز عن السائد.
ألا يقولون «الفنون جنون؟ طبعا جنون لذيذ يضيء لنا طرقاً غير معهودة في الواقع والحياة وحتى داخل النفس البشرية.
اذن تنطلق فرقة أنثروبولوجي من معادلة «التغيير، فالجيل الشاب يحل محل جيل الكبار، والفنون الشابة أيضاً تأخذ مكان الفنون التي شاخت وعجزت عن تطوير أدواتها.
وبعد أن كنا نردد مقولات جاهزة مثل «الاغراق في المحلية يؤدي الى العالمية تبدو الآن أنها مقولة كاذبة، فالانسان كائن عالمي بطبعه أينما كان موقعه في جغرافية العالم، ولا يحتاج سوى أن يكون بأحلامه وقيمه وحواسه في قلب هذا العالم مرة واحد والى الأبد. وليس أفضل من الموسيقى كلغة عالمية يعيها جميع البشر ولا تحتاج الى ترجمة.من هنا تحتل الموسيقى مكاناً بارزاً في تجربة «أنثروبولوجي فهي القاعدة أو الأرضية الصلبة للعروض، ورأينا مزيجاً مبهراً من الايقاعات الاسبانية واليابانية والعربية والأميركية، يتشكل بالأساس عبر الآلات الوترية مثل الغيتار والبيانو.
وتأتي «الصورة في المرتبة الثانية بعد الموسيقى، اذ تمنح الصورة نفسها مثل حفريات أو «شواهد حية على بشر وحضارات، فنرى مثلاً على الشاشة في الخلفية صوراً فيلمية للمناضل اليساري الأشهر آرنستو شي غيفارا أو صوراً فوتوغرافية للراهب الأشهر في تاريخ روسيا القيصرية غريغوري راسبوتين الذي اشتهر بتناقض تصرفاته ما بين التقوى والورع والأفعال الاباحية وقيل انه كان على علاقة بزوجة القيصر وقتل على يد أقارب القيصر نفسه.
ويضاف الى ثنائية الصورة الثابتة المتحركة أو الفوتوغرافية والفيلمية، ما يمكن أن نسميه الصورة المسرحية من خلال حركة المغنين والعازفين على خشبة المسرح، من خلال تغيير طبيعة الاضاءة أو الحركة البطيئة المبالغ فيها أو الراقصة أو ارتداء الأقنعة المسرحية والملابس الغريبة، وسط العتمة والدخان والفلاشات الملونة.. ما يضاعف من سطوة الصورة على العرض.
من ثم يتراجع دور «اللغة الى المرتبة الثالثة، فليس مهما تماما أن تفهم كل ما يقال، بل الأهم أن تشعر بمعاناة الانسان وأن تدرك مركبات النقص والسمو في داخل كل نفس، من ثم تصبح النماذج المدانة أخلاقيا أو تاريخيا مثل راسبوتين أو هتلر، بذات أهمية النماذج الايجابية مثل جبران خليل جبران أو غاندي. فترجمة اللفظة أمر لا يستحق العناء قياساً الى متعة اكتشاف الذات والشعور بالأصل الانساني المشترك بين جميع البشر. ورغم أن كلمات الأغاني جاءت بلغات عدة كالاسبانية والانكليزية والعربية، لكن من السهل أن ندرك أنها جميعا بمثابة أنشودة رائعة تتغنى بالانسان في نبله وضعفه، يتساوى في ذلك ما يقوله الفلسطيني محمود درويش في «جداريته بما يقوله اللبناني جبران خليل جبران في «النبي أو «ابن الانسان أو ما يقوله الانكليزي السير آرثر هبلز في «أقوال الحكمة.
نخلص من ذلك الى أن عرض «لا يمكننا الكتابة على صفحة سوداء هو عرض غنائي ممسرح يهضم في داخله أشكالا فنية عدة ويرتكز على تنوع الموسيقى وثراء الصورة وتجاوز حاجز اللغة بحثا عن المعنى، لذلك فان الجمهور الذي ينتمي الى بلدان ولغات وثقافات مختلفة لم يجد صعوبة في التفاعل معه والتأثر به.
واشتمل العرض على حوالي 27 فقرة، متوسط الفقرة تقريبا ثلاثة دقائق، فهي أقرب الى مقطع شعري أو أغنية قصيرة أو مشهد مسرحي سريع. كأننا ازاء مجموعة من القصص القصيرة المصورة والمموسقة، ومن خلالها يحلق الجمهور من أعلى ليرى في لقطة بانورامية تراث وقصص الشعوب. قد لا تكون جميع المقاطع بالقوة والتأثير ذاته، وربما كان من الأفضل تكثيف الفقرات منعا للتكرار والتطويل، لكن الجهد الابداعي المبذول من فريق العمل كبير جداً في جميع الفقرات.
واذا عدنا الى عنوان العرض «لا يمكننا الكتابة على صفحة سوداء فهو يشكل دعوة للتساؤل واثارة الدهشة والغرابة.. وفي الوقت نفسه يحمل أمنية مضمرة لفتح مزيد من النوافذ لشمس الابداع، فالفعل الابداعي فعل نوراني لا يتم في الظلام والسواد والخفاء. انه فعل مسكون بالرغبة في خلق عالم أفضل ومد جسور المحبة بين جميع البشر. ومن عنوان العرض الى عنوان الفرقة ذاتها وهو «أنثروبولوجي ورغم الطابع العلمي الجاف والثقيل على اللسان، فهو مصطلح يشير الى ما يسمى «علم الانسان والدراسة في تاريخ البشر وأعراقهم وأصنافهم، وبدلا من تلك الدراسة العلمية الجافة والبحث في الحفريات والهياكل المطمورة تحت طبقات التراب، تبحث الفرقة في التاريخ الثقافي والفني والابداعي لهذا الانسان. ومن ثم يتحول الكون كله الى مسرح يحكي قصة عظيمة عن البشر، أو كتاب حافل بالألغاز والأساطير، أو أغنية تهديد قلب طفل أو موسيقى تعانق الحواس الى الأبد.

فريق العمل

 إنتاج وإخراج وبطولة: إيما شارك في الإنتاج عبدالله الشمري ومنذر العيسى.
بيانو: فيفي.
غيتار: أحمد الكندري.
إيقاع: نهاد جاد.
المؤدون: إيما، أسامة الخرس، علي عبدالرسول، ونهاد جاد.
مصمم الأزياء: فهد.
التقنيات: عبدالله الشمري ومنذر العيسى.
مساعد فني: خالد الشمري
مدقق لغوي: خالد سليم.



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية

إستبيان

افضل المسلسلات والممثلين والممثلات خلال شهر رمضان