loader

مصابيح

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

دفن جثمان الأميرة فادية.. إلى جوارمقبرة الملك فاروق في مسجد الرفاعي

عاشت في منزل ريفي في سويسرا.. ترسم خيولاً ذات أجنحة!


نهاية أميرة

لن أنسى ذلك اليوم منذ سنوات قليلة. عندما خرجت في ليلة شتوية قاهرية باردة. بسرعة كنت قد ارتديت معطفي واسرعت إلى الطريق. حيث كان الصديق المصور الفنان فاروق إبراهيم في انتظاري بسيارته. وما هي إلا ثوان حتى انطلقنا نحو مطار القاهرة. حيث كان المطار على استعداد لاستقبال جثمان الأميرة فادية اصغر بنات ملك مصر السابق فاروق. بعد أن رحلت عن الدنيا إثر اصابتها بسكتة قلبية في سويسرا التي عاشت فيها معظم سنوات عمرها. و انتهى قبل أن تصل الأميرة إلى عامها الستين!
ربما لم تكن جنازة الأميرة الراحلة فادية جنازة رسمية أو شعبية. ولم يشهدها سوى عدد ليس بكبير ممن تبقوا من أفراد العائلة الملكية السابقة.
وفي مقدمتهم شقيقها الأمير أحمد فؤاد وشقيقتها الكبرى الأميرة فريال.. وزوجها النبيل الروسي السابق ورجل الأعمال بيير سعيد أورلوف. وابناها علي الكسندر أورلوف وشامل بيير أورلوف وزوجتاهما.
كما كان بانتظارهم في المطار اللواء طبيب اسماعيل باشا علي زوج الملكة ناريمان واكرم أدهم المحامي بالنقض ونجل الملكة ناريمان وشقيق الأمير أحمد فؤاد.. وياسمين كريمة الأميرة فريال شقيقة الراحلة وحسين شيرين نجل الامبراطورة فوزية عمة الأميرة الراحلة وعدد من الأمراء والأميرات والنبلاء السابقين من أفراد اسرة محمد علي.
لكنها في البداية والنهاية مصر التي احتضنت جثمان الأميرة الراحلة. وثرى مصر الذي وارى هذا الجثمان في مقبرة اسرة محمد علي في مسجد الرفاعي في منطقة القلعة.. وبالتحديد إلى جوار قبر والدها الملك السابق فاروق.
رائحة.. مصر !
وهى أيضاً مصر الوفية التي جسد رئيسها حسني مبارك أسمى معاني النبل والانسانية. عندما أصدر توجيهاته الفورية فور سماع نبأ رحيل الأميرة فادية عن الدنيا باتخاذ كل الاجراءات الواجبة لتسهيل عودة جثمان الأميرة الراحلة إلى أرض بلدها مصر.. لتدفن إلى جوار والدها الراحل. وأن يتم تكريم مثواها واستقبال الجثمان ومرافقته بكل التكريم الواجب.
وبين وفاتها. وبين السطر الأخير في قصة حياة الاميرة كان الفصل الأخير أيضا بين مطار القاهرة الذي وصل إليه الجثمان مساء على الطائرة القادمة من سويسرا ودفن الجثمان فور وصوله في مسجد الرفاعي في القلعة إلى جوار مقبرة الملك السابق فاروق.
وفى انتظار وصول الجثمان جلس 4 أشخاص هم اللواء د. اسماعيل باشا فهمي زوج الملكة السابقة ناريمان وأكرم أدهم النقيب المحامي بالنقض نجل الملكة السابقة ناريمان. وياسمين كريمة الأميرة فريال وكانت ترتدي الملابس السوداء الأنيقة حزنا على خالتها الراحلة. وأيضاً حسين شيرين نجل الامبراطورة الراحلة السابقة فوزية عمة الأميرة فادية.
دقائق..
وتنتهي رحلة الأميرة الراحلة عندما استقرت الطائرة على أرض مطار القاهرة ويهبط مرافقوها يتقدمهم الأمير أحمد فؤاد وعلامات الحزن واضحة على وجهه وبدا متأثراً للغاية. والأميرة فريال كبرى الأميرات الثلاث. وكانت ترتدي ملابس الحداد. وزوج الأميرة الراحلة الروسي وولداها.
دلف الجميع بسرعة إلى صالة كبار الزوار. حيث جلسوا لدقائق في أحد الصالونات. أما الأمير أحمد فؤاد فقد ظل واقفا. ورغم وجود حشد من رجال ومصوري الصحافة. إلا أنه أبلغ المسؤولين بالمطار عن اعتذاره لعدم قدرته على الحديث إلى الصحافة.
لكنه خلال هذه الدقائق روى بسرعة لمستقبليه كيف ماتت الأميرة فادية فجأة في منزلها في سويسرا. وكان الجميع مجتمعين لاحتفالات السنة الجديدة.
وأن أحداً من أفراد الأسرة لم يكن يتوقع هذه النهاية المباغتة لحياة الأميرة فادية صغرى الأميرات.
دقائق أخرى.
وخرج الجميع في حالة تأثر إلى سيارات الضيافة التي كانت تنتظرهم خارج المطار. ومضى الموكب الحزين وفي وسطه سيارة اسعاف تحمل جثمان الأميرة الراحلة إلى مسجد الرفاعي. حيث تمت الصلاة على روحها واتخاذ اجراءات الدفن. وهكذا عادت الأميرة فادية أخيراً إلى أرض الوطن الذي ابتعدت عنه كثيراً. والذي ظلت طوال سنوات الغربة الاضطرارية تحن اليه وتحلم به.
هي نفسها وهي التي كانت تنفر من الأضواء وتؤثر عدم اجراء اية مقابلات صحافية. كانت قد باحت ذات يوم في بعض أحاديثها الصحافية بهذا الحنين الجارف للوطن والذي لم يفارق صدرها فقالت:
رغم خروجى وأنا طفلة في التاسعة من عمري من مصر.. إلا أننى خلال الفترة الطويلة الماضية. لم أنس لغتي الأصلية ورغم أنها مجرد تعبيرات فتاة في التاسعة إلا أنني مازلت أحرص عليها.. ومازلت أحمل كل الحب والاحترام لوطني الأم. هذا شيء لا يمكن أبداً التعبير عنه بالكلمات.
إن ارتباطي بجذوري يجعلني أشعر بحرمان كبير بسبب بعدي عن مصر. ولا أنسى حين زرت مصر عندما توفيت والدتي الملكة السابقة فريدة عام 1988.. لقد أحسست وأنا في مصر باحساس انسان عاد إلى منزله بعد غياب طويل.. لم أتمالك نفسي في الطائرة قبل الهبوط حين جاء صوت المضيفة ليقول «نرجو أن تكونوا قد استمتعتم بالسفر معنا.. ومرحباً بعودتكم إلى بلادكم!.
وجسدت الأميرة الراحلة كل شيء بين مصر وأولادها حين قالت:
وعلى سلم الطائرة استقبلتني رائحة الفل الممزوجة بالتراب. لأنها رائحة لا نستنشقها إلا في مصر!.
بنات.. الملك !
ورغم أن قصة بنات الملك فاروق فيها الكثير الذي يقال عن الحياة الدرامية المثيرة التي عاشتها الأميرات الثلاث منذ رحيلهن مع والدهن الملك فاروق عن مصر بعد قيام ثورة يوليو. إلا أن المؤكد أن الأميرات آثرن الابتعاد عن الأضواء. وبحثن عن الهدوء والاستقرار في سويسرا !
وقد روت الأميرة الراحلة فادية ذات يوم ملخصاً لهذه الحياة قائلة.
عشنا مع أبي في ايطاليا لمدة عامين.. لكن لعدم وجود مدارس مناسبة لنا هناك وصعوبة الدراسة انتقلنا إلى سويسرا التي تتمتع مدارسها بسمعة طيبة حيث التحقنا بأقسام داخلية. وكنا نعود إلى ايطاليا في الاجازات فقط لزيارة والدنا. في حين ظلت والدتي الملكة فريدة في مصر عشر سنوات بعد قيام الثورة. ثم سافرت إلى لبنان. ثم لحقت بنا في سويسرا. ثم عادت إلى الوطن الأم مصر حيث ارادت دائماً أن تموت هناك. وقد نالت ما أحبت في أكتوبر 1988. «أما أنا.. بعد استكمال دراستي عملت لسنوات في وزارة السياحة في لوزان. نظراً لاجادتي الانكليزية والفرنسية والاسبانية والايطالية. وللحقيقة لم استفد في عملي من كوني أميرة سابقة. على العكس لقد سبب لي ذلك مشاكل عديدة لكنى استطعت التغلب عليها.
ولقد تزوجت الأميرة فادية بعد قصة حب!
حدث ذلك أيام الدراسة عندما تعرفت بالشاب بيير سعيد أورلوف وهو سليل أسرة من نبلاء روسيا السابقين. وربط الحب بين قلب الأميرة المصرية السابقة والنبيل الشاب الروسي السابق وتوجت قصة الحب بالزواج في لندن. حيث أقيم حفل ضم أم العريس وأم العروس الملكة السابقة الراحلة فريدة.
وتحدثت الأميرة فادية في بعض أحاديثها الصحافية النادرة عن حياتها الزوجية فقالت :
كرست حياتي مع زوجى للخيول التي نعشقها. اشترينا مزرعة وأقمنا فيها اسطبلات عدة للخيول. التي عشنا معها اياماً جميلة.
فقد كانت الخيول تمثل لنا الأصدقاء الأوفياء. وأصابتنا حالة من الحزن الشديد. حين اضطررنا لبيع الخيول. بعد تعرض زوجي لحادث منعه من تدريبها. والاشتراك بها في مسابقات وثب الخيول والحواجز.
وكانت للأميرة فادية هواية أخرى! هي هواية الرسم. تماماً مثل والدتها الراحلة الملكة فريدة.
لكن فادية لم تكن ترسم سوى شيء واحد.. تحبه.
كانت ترسم.. لوحات كلها خيول!
لكنها كلها دائما كانت خيولا.. ذات أجنحة.
خيول.. تريد التحليق!
إلى أين.. كانت خيول الأميرة فادية تريد التحليق والطيران؟
فريال.. وفوزية
كانت الأميرة فادية امرأة هادئة حالمة.
ولهذا وكما قالت هي ذات يوم اختارت الاقامة في منزل ريفي يقع في أحضان جبال الالب.
وقالت: كنت أرغب في أن أكون بعيدة عن الأضواء.. كنت أريد أن أعيش في هدوء.. فقد عانيت كثيراً في طفولتي وشبابي من عدسات المصورين.. التي كانت تلاحقني وترصد تحركاتي.. وتقتحم حياتي الشخصية باعتباري أميرة سابقة.
وعاشت الأميرة فادية بعيدة إلى حد ما عن شقيقتيها فريال وفوزية.
الأميرة الكبرى فريال.. كانت حياتها مأساة مستمرة !
كافحت في سويسرا وعملت في وظائف عديدة بسيطة.. وعملت لفترة في وظيفة كاتبة على الآلة الكاتبة!
وقد تزوجت من السويسري «جان بيار برتل وأنجبت منه فتاة أطلقت عليها اسم ياسمين هي الآن شابة ناضجة تعمل في مجال الفندقة. لكن حظ الأميرة فريال لم يكن أبداً طيباً فقد انفصلت عن زوجها. وعندما تزوجت من آخر حدث أن انتحر زوجها الثاني!
وربما لهذا تبدو ملامح الأميرة فريال دائماً حزينة.. ومهمومة!
ولم يكن حظ الأميرة فوزية أسعد من حظ فريال! فقد أصيبت الأميرة فوزية منذ سنوات طويلة بنوع خطير ونادر من الشلل يصيب نصف الجسم بالكامل. فإذا عولج النصف الأعلى يصاب النصف الأسفل بالشلل والعكس. واختارت الأميرة فوزية أن يكون الشلل في نصفها الأسفل.
رضيت بالكرسي المتحرك.. في مقابل أن تسمع وترى وتتكلم.
لكنها قبل سنوات أصيبت بمرض الزهايمر.
وأصبحت فوزية تعيش. لكنها بلا ذاكرة. وبعيدة عن العالم الذي تحيا فيه!
وربما هي حتى هذه اللحظة لا تعلم بوفاة شقيقتها الصغرى فادية!
دموع.. ناريمان!
ولم تكن دموع من تبقى من أفراد الأسرة المالكة السابقة الذين شهدوا جنازة الأميرة فادية. هي الدموع الملكية الوحيدة على الأميرة الراحلة!
«امرأة ملكية أخرى بكت عليها في حزن.. وصمت!
هذه المرأة.. هي زوجة أبيها.. الملكة السابقة ناريمان!
التي لم تعرف خبر وفاة الأميرة فادية إلا بالأمس فقط. إنها تعيش في الفترة الأخيرة في حالة صحية غير طيبة. وقد قال لي زوجها د. اسماعيل فهمى الذي يعيش معها في منزلهما في ضاحية مصر الجديدة:
لقد ترددت كثيراً في ابلاغها بخبر وفاة الأميرة فادية.. ذلك أن الأطباء قد نصحوا بعدم ازعاجها بالأخبار الصعبة. حتى لا يؤثر ذلك على حالتها الصحية. لكني في النهاية وجدت أنه من غير اللائق ألا تعرف بالخبر. خاصة أن ابنها الأمير أحمد فؤاد سيحضر مع جثمان الأميرة فادية. فأخبرتها بالخبر بالتدريج. فطلبت مني أن تبقى وحدها لدقائق.. لكن عندما كنت أغلق باب حجرتها. لمحت الدموع تنسال من عينيها في صمت!
الوطن والجذور
نعم..
ليس لأبناء هذا الوطن.. سوى ترابه وأرضه.
في حياتهم.. وبعد مماتهم.
ربما لهذا السبب وحده. قالت الأميرة الراحلة ذات يوم وهي تتحدث عن مصر:
«الحياة بعيداً عن مصر قاسية.. مهما كان المكان البديل.. ستظل مصر دائماً في نفسي.. الوطن.. والجذور!.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

هذه هى مصر دائما مهما اختلفت مع ابناءها, فذراعيها مفتوحتان لهم دائما
بل ومع الاغراب من الناس اذالفظهم البشر وماقصة شاه ايران ببعيدة
ان من يعرف مصر وشعب مصر سوف يدرك هذه الحقيقة الفريدة
كما ان الطبيعة المصرية لاتستطيع ان تنسى جذورها مهما صالت وجالت
فى بقاع الارض بحثا عن الرزق اوتحقيق الذات ففى داخلها بوصلة بايولوجية
تشدها الى ارض الآباء والاجداد مهما تباعد بها الزمن اونأىبها المكان
حتى الذين اختلفوامع اولى الامر فى توجهاتهم السياسية او الفكرية فأن قول
الشاعرينتظرهم فى نهاية المطاف :
بلدى وأن جارت على عزيزة أهلى وأن ضنوا على كرام


مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد