توقفنا في المقالة الثانية عند قوله تعالى (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ).
لنتبين معنى كلمة الآل التي ترد في الكتاب والسنة، يقول القرطبي: (هذه
الآية تعطي أن زوجة الرجل, من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت)، وهذه قضية مهمة جداً في البحث، فقد دلت الآية 33 من الأحزاب، بتسلسل الآيات وتناسقها ووحدتها الموضوعية، على أن الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ما سمي بآية (إنما يريد الله أن يذهب..) إنما هي عجز آية وليست بآية، يقول تعالى: - وتأمل ترتيب الآيات - {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا {32} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا {33} وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا {34} }.
فزوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفاطمة رضي الله عنها، وعلي والحسنان رضي الله عنهما، لا شك أنهم جميعاً داخلون تحت هذه الآيات، وإن لم تصرح الآية بهم، لكن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل دلالة واضحة على أنهم من أهل بيته رضي الله عنهم، بل هم من خاصته رضي الله تعالى عن الجميع، فمن أراد أن يخرج أزواجه، أو علياً أو فاطمة أو الحسن أو الحسين، رضي الله تعالى عنهم فقد أعظم الفرية، وتجاوز الحد، ولم يقرأ الكتاب العزيز ولا فهم السنة الشريفة.
و الآن قد عرفنا الفرق بين الآل والأهل، فالأهل أخص من الآل، لأن الأهل تدخل الزوجة، بل هي المخصوصة، والآل قد يدخل فيه أكثر من ذلك.
وقد وردت في السنة المطهرة أحاديث كثيرة تحث على تقدير واحترام وتوقير أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففي صحيح مسلم
عن عائشة رصي الله عنها: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط - كساء - مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله. ثم قال : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) و هؤلاء رضوان الله عليهم هم خاصة أهل البيت، وهم الذين باهل بهم النصارى، وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أن يذهب الله عنهم الرجز، وهو المستقذرات من الذنوب، والدعاء أمر تشريعي لا تكويني، فطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك، ولكنهم بفضل دعائه أصبحوا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
و الآية والحديث دليلان ناصعان على انه لا يمكن نزع صفة الأهلية عن الجميع، فمن أراد أن يخلع النساء من الأهلية فسيصطدم بالقرآن، ومن أراد أن ينزع علياً وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم، فسيصدمه الحديث، من ذلك نخلص إلى أن هؤلاء جميعاً هم أهل بيته الذين يريد الله تعالى أن يذهب عنهم الرجز ويطهرهم تطهيراً، لأنهم لصيقون به صلى الله عليه وآله وسلم، وهم حملة عرضه، فالطعن بأحدهم طعن في صاحب الرسالة، ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة لتؤكد هذا المعنى وأن على الأمة أن توقر وتحترم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.