ذكر الامام الطبري - رحمه الله تعالى - في كتابه الفذ «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، في مقدمته الطويلة، ان نزاعاً حصل حول كيفية نطق بعض الحروف أو تلاوة آية بين عمر بن الخطاب وبين هشام بن حكيم، وهذا نص الحديث عن عمر رضي الله عنه قال:
(عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت هِشَامَ بن حَكِيمِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ في حَيَاةِ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فاذا هو يَقْرَؤها على حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لم يُقْرِئْنِيهَا رسولُ اللَّهِ - صلى اللهُ عليه وسلم -، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ في الصَّلَاةِ، فَانتظرتُهُ حتى سَلَّمَ، ثمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ أوْ بردائي، فقلت: مَنْ أَقْرَأَكَ هذه السُّورَةَ؟ قال أَقْرَأَنِيهَا رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، قلتُ: كَذَبْتَ فواللهِ انَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَقْرَأَنِي هذه السورةَ التي سمعتُكَ تقرؤُها، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ الى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، اني سمعت هذا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ على حُرُوفٍ لم تُقْرِئْنِيهَا، وأنتَ أقرأْتَني سورةَ الفرقان! فقال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: أَرْسِلْهُ يا عمرُ، اقْرَأْ يا هِشامُ، فَقَرَأَ هذهِ الْقِرَاءَةَ التي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُها. قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: هكذا أُنْزِلَتْ . ثُمَّ قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «اِنَّ هذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا ما تَيَسَّرَ منه»، والحديث صحيح رواه الامام البخاري في صحيحه.
والخلاف سنة الله في خلقه، ولا يمكن ان يكون البشر كلهم متوافقين في كل شيء، لان الطباع تختلف، والأمزجة والافهام، فلابد من وجود الاختلاف في كل شيء، ومنها الاختلاف بين الفقهاء في الاستنباط وتعدد الآراء.
والحديث الذي بين أيدينا يدلنا دلالة لا لبس فيها ولاشك في ان الخلاف كان حتى في عهد الصحابة وفي حياة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم-، وفي أدق وأصح وأجل كتاب وهو القرآن، فاذا اختلفوا في بعض قراءات وجهه، فما بالك فيما عدا الكتاب ثم السنة.
ولهذا من يقرأ في تفاسير القرآن يجد ان هناك اختلافات بين المفسرين، ومنها الآثار المنسوبة للصحابة وغيرهم.
وما من شك ما دام اللفظ تحتمله اللغة، ولا يخالف أصلاً من أصول الدين ولا يناقض حقائق الدين، فالخلاف فيه سائغ، وهو كما يسمى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد!
وقد وجدت الفقهاء قد اختلفوا في أشياء كثيرة جداً، حتى بين الأئمة الأربعة، بل وجدت الخلافات حتى في المذهب الواحد، وما استدراكات أصحاب أبي حنيفة عليه، الا شيء من هذا، واختلاف ابن أبي ليلى والشافعي، بل اختلافات ابن مسعود وعثمان وعلي وغيرهم واضحة جلية في بعض الأمور، لِمَ كل هذا؟
ونحن - مع شديد الأسى والأسف - لم نتعود على هذه الخلافات العلمية، والتراجع عن الفتاوى وتبيان الخطأ في الفتوى، بل لم نتعود على تعدد الآراء في الفقه، وغالب أهل الجزيرة أخذوا المذهب الحنبلي وتعبدوا به، ولكن البعض منهم قد ضاق ذرعاً بأي فتوى تخالف مذهبه، أو تتعدد فيها الآراء، فالبعض من هؤلاء يطلق القول بان فلاناً العالم قد أفتى بكذا، فينكفئ على هذه الفتوى ولا يكاد يخرج عنها في تعبده، بل هناك من يفاصل في مسألة خلافية، كل ذلك لأننا لم نقرأ كثيراً في خلافات الفقهاء، وان الخلاف بين الفقهاء من متطلبات سير الحياة، ومن سهولة هذا الدين، ومن مسايرته لأي واقع يعيش فيه المسلم.
ان مجتمعاتنا في حاجة الى الانفتاح على جميع الآراء، وعلى تقبل الرأي الآخر، وعدم الوقوف على رأي واحد كائناً من كان قائله، والآراء كلما توسعت وتعددت تيسر هذا الدين على الناس وتسهل أمورهم التعبدية.