loader

تحقيقات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

الحلقة الثالثة

أشرف مروان.. حياة غامضة.. وموت مثير!


لقد تعرّف أشرف مروان على «رولاند» في العام 1971، وجرت بينهما خلال الأعوام التالية معاملات عدة، والذين يعرفون الجانبين أشرف وتيني رولاند، ان تيني لا يعتبر أشرف مجرد صديق، ولكن شريك مميز، تضاعفت أهميته بالنسبة إليه، حين كان أشرف يعمل في الهيئة العربية للتصنيع، وقبل أن يغرق أشرف مروان تماماً في عالم المال والتجارة.
وقد أصر أشرف مروان على أن يخوض الصراع مع تيني رولاند ضد الفايد، فقبل أن يقدم الفايد عرضه لشراء هاردز، كان أشرف مروان قد اشترى جزءاً من الأسهم تبلغ قيمتها أربعة ملايين جنيه استرليني بل إن مروان لم يكتف بذلك بل أمد صديقه «رولاند» مالك صحيفة «الأوبزرفر» بمعلومات عن خصمه اللدود محمد الفايد، لشن حملات صحفية عن الذي هاجر من الإسكندرية إلى لندن ليصبح صاحب امبراطورية تجارية ذات نفوذ واسع في عالم المال والأعمال.
وقد وصلت حرب الفايد ورولاند إلى ساحات مجلس العموم البريطاني عندما كشف النائب العمالي «دال كامبل سافورز» عن تورط أشرف مروان في عمليات تنصت على مكالمات محمد الفايد وقد بلغت تكلفة عملية التنصت ثمانية آلاف جنيه استرليني في الساعة للخط الواحد!
وفشلت جميع محاولات الجالية المصرية في لندن للصلح بين الفايد ومروان، وتحولت المعركة إلى كراهية شخصية متبادلة وسباب وشتائم على صفحات الصحف اللندنية والعربية وفي مختلف الاجتماعات العامة والخاصة، يقول الفايد: شخص مثل أشرف مروان لا أريد أن أتعرف عليه ولا أريد لقاءه، ولا أريد أن يقترب مني فإنني أرفض لقاء هذا النوع الخطير من الناس والذي إذا جلس مع أحد فانه يكون ملتفاً بأجهزة التسجيل والميكروفونات يسجل كل كلمة يقولها الشخص الآخر، وهو دائماً مزود بأحدث آلات التسجيل المخبأة في ثيابه.
وعندما تولى أشرف مروان رئاسة الجالية المصرية في لندن - وهي جمعية تضم المصريين المقيمين هناك تأسست عام 1984 على يد اللواء حسن أبوسعدة السفير المصري الأسبق في لندن- لم ينس مروان ثأره مع الفايد بعد ثلاثة أشهر من نشر حواره في مجلة الصياد فقرر، رفع قضية على محمد الفايد، واعلان الحرب القضائية عليه.
وعندما عرض التلفزيون المصري مسلسل «محمود المصرى» في عام 2004 تساءل الكاتب الصحافي محمد وجدي قنديل في جريدة الاخبار بتاريخ 7 ديسمبر 2004 هل محمود المصري هو محمد الفايد؟
وهل الشاب المغامر السكندري هو الفرعون المصري الذي شق طريقه إلى القمة في لندن وجلس على إمبراطورية محلات «هارودز» ؟ وهل أكرم العدو اللدود للمصري هو ذاته أشرف مروان الذي كان بينه وبين الفايد ثأر قديم، ودخل في صراع معه فتحالف مع غريمه البريطاني رولاند ضده ؟ ويجيب قنديل على تساؤلاته قائلاً: «لاشك ان محمد الفايد هو المقصود في المسلسل التلفزيوني والذي ذاعت شهرته بعد صفقة محلات هارودز الشهيرة التي كانت الملكة اليزابيث أحد روادها.. ويبدو ان المؤلف حاول الابتعاد عن شخصية الفايد الحقيقية ونقل مسار الأحداث إلى اليونان بدلا من بريطانيا وقام بالتحوير في الشخصيات الأخرى، وبالذات أشرف مروان الذي كان يناصب الفايد العداء ويتحين الفرصة للقضاء عليه مالياً. وما أبعد الفارق بين الواقع والخيال.. وقد عاصرت تلك الاحداث عن قرب خلال زياراتي للعاصمة البريطانية في الفترة التي لمع فيها نجم الفايد بعد قدومه من الخليج عندما اقتحم سوق المال واحتدم الصراع وبدأ الهجوم على الفايد حينما فاز بصفقة «هاوس أوف فريزر» التي تتبعها محلات «هارودز» الشهيرة وهزم صديقه القديم «رولاند» الذي يمتلك صحيفة الأوبزرفر واستغل خصوم الفايد ذلك للتشهير به ومنهم أشرف مروان».
صراع الفايد
ولم تمر معركة الفايد ومروان مرور الكرام فبعد وصول القضية إلى مجلس العموم البريطاني شكلت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة المستشار «جون جريفز» للبحث في منابع ثروة أشرف مروان، وأصدر «جريفز» تقريراً يحمل اسمه ما أثار ضجة في أوساط المال العالمية لكن مروان تجاهل كل هذا وظل يتنقل كالشبح من صفقة إلى أخرى محققاً أرباحاً خرافية.. فقد استطاع مروان خلال سبع سنوات فقط من إقامته في لندن من تكوين امبراطورية اقتصادية كبيرة، فقد أنشأ شركة للاستثمار هناك قدر رأسمالها عام 1988 بعشرة ملايين دولار وشارك في أسهم شركة «بولي بيكل» بـ 3 ملايين جنيه استرليني وكان يمتلك 19.4% من أسهم شركة بيفلوكس وهي شركة قابضة تشرف على عدة شركات بريطانية، تتولى مشروعات استثمارية وهندسية كبرى، وتردد أنه عرض شراء مجموعة شركات كونراد المالكة لسلسلة محلات «بريتشن هوم» و«أومزركير» مقابل مليارين و40 مليون جنيه استرليني وقد أثار كل ذلك ضجة رجال المال والبورصة في لندن بالإضافة لشرائه بعض الأسهم في شركات(فيليب ستريت هولدينغ) بل تردد أيضاً انه اشترى نادي القمار الشهير في لندن «بلاي بوي» مع شريك آخر وباعه محققا ربحا قدره مليون جنيه استرلينى. وكان يمتلك حصة في شركة «أميركان انترناشيونال تبرويام» الأميركية للبترول وكذلك عدة أسهم في «هاوس فريزر» لحساب «لوزهو» بمبلغ مليوني دولار ولديه طائرة خاصة لتنقلاته وكان يعيش في قصر فخم في لندن عرضه للبيع مقبال 25 مليون جنيه مصري!
وله أملاك خاصة في الولايات المتحدة وفرنسا وفندق «سونفيدا» في جزيرة «بالمادي مايوركا» باسبانيا وقد اشتراه عام 1980 بمبلغ 7 ملايين دولار وأقام فيه عيد ميلاده الذي أحياه المطرب المعروف عمرو دياب وحملته طائرة خاصة إلى إسبانيا حيث شاركه نجوم البيزنس والسياسة والإعلام في العالم الاحتفال بيوم ميلاده.
وفي 31 أغسطس عام 1979 اختير أشرف مروان رئيساً لمجلس إدارة شركة الاتحاد العربي للاستثمارات وهي شركة مصرية بدأت برأسمال 4 ملايين دولار وساهم فيها 27 من رجال الأعمال المصريين والعرب وكذلك شركات من لوكسمبورغ والولايات المتحدة ومساهم فرنسي واحد وتتركز أعمالها في استصلاح الأراضي وإنشاء وإدارة المصانع والبناء والأمن الغذائي.
وقد دخل أشرف مروان بيزنس الإعلام عندما اشترى أسهماً بـ 11 مليون دولار «فيدلر فليت» للصحافة التي تصدر «ديلي اكسبريس، وصنداي اكسبريس وديلي ستار» وتعد واحدة من أكبر مجموعات الصحف في بريطانيا ثم باعها بـ 13 مليون دولار وربح من هذه العملية 2 مليون دولار في أقل من شهر واحد. وقد ذكرت تقارير صحافية لـ «الفانينشيال تايمز» ان الغموض يكتنف ثروة الدكتور مروان وأنشطته خاصة وهو الذي كان يشار اليه في القاهرة على انه «الطفل المعجزة» بسبب النفوذ الذي مارسه والانجازات التي حققها وهو في العشرينيات من عمره.
العاصفة
كان أشرف مروان على موعد دائم مع العاصفة يفتح لها صدره بهدوئه القاتل دون ان ينحني أو يلين.. لكن العاصفة هذه المرة لم تكن قادمة من القاهرة حيث خصومه من الساداتيين والناصريين معاً بسبب صعوده السريع الذي جعل خصومه يطلقون عليه لقب «الطفل المعجزة» الذي وصل إلى منصب سكرتير الرئيس السادات للمعلومات وعمره لا يتجاوز الثلاثين عاماً. كما ان العواصف هذه المرة ليست بسبب صفقاته الخاصة وأرباحه الخرافية في كل شىء بدءاًَ من تجارة السلاح، ومروراً بالعقارات والسياحة وحتى الاعلام.
كانت العاصفة هذه المرة أخطر مما يتوقع وفوق ما يتصور عقله المدرب على حروب الدهاء والمتاهات العقلية وجميع الاحداثيات وعلوم الاستخبارات.
فبعد مرور عام على حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 عندما تحطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر على أيدي المقاتلين الشجعان في يوم العبور العظيم خرج علينا مؤرخ إسرائيلي يدعى «أهارون بيرجمان» بكتاب صدر في لندن بعنوان «تاريخ اسرائيل» وفي أكتوبر2002 وفي شهر رمضان المعظم - لاحظ اختيار التوقيت - وقبل ان يطرح الكتاب للاســـواق قامــت جريـــدة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في سبتمبرعام 2002 بنشر عرض لكتاب «بيرجمان»، وهو بالمناسبة كان يعمل ضابطا في الجيش الإسرائيلي ووصل إلى موقع نائب قائد كتيبة، ورفض الخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم ترك الجيش وهاجر إلى لندن واستقر هناك حيث يعمل أستاذاً للتاريخ بجامعة لندن منذ عام 1989، ان «بيرجمان» لم يذكر أشرف مروان في كتابه بالاسم صراحة بل وصفه «بزوج الابنة» أو صهر الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وقد اهدى اليه نسخة من كتابه، وأرسلها إليه في لندن مع إهداء غريب ومثير «إلى أشرف مروان بطل مصر!!» ويبرر بيرجمان ذلك بأنه كان معجباً بشخصية أشرف مروان كـ «جاسوس مثالي».
الجاسوس المثالي!
ويقول «بيرجمان» في كتابه: «لم أذكر اسمه لاني من أشد المعجبين به. أعتقد أنة كان الجاسوس المثالي ، فقد كان جاسوسا في غاية المهارة ، ونجح في خداع اسرائيل فهو أكثر الرجال مساهمةً في انتصار مصر حيث نجح في خداع إسرائيل قبيل حرب أكتوبر 1973 فهو البطل المصري في حرب اكتوبر، لانه كان شديد الذكاء والمهارة في الطريقة التي خدع بها إسرائيل». انتم في مصر يجب عليكم تسمية شارع باسمه وبصراحة ايضا انني شديد الحزن ، لانه أنكر روايتي لاني معجب به فهو رجل في غاية الأهمية، لقد استطاع خداع إسرائيل بتأكيد ان الحرب سوف تؤجل إلى نهاية 1973 في الوقت الذي كان يعلم فيه أنها ستكون في أكتوبر. لقد عمل لسنوات للموساد، ولكن الموساد لم يتبين خداعه، لقد جاء ليطرق باب السفارة الإسرائلية هنا في لندن وفي وسط النهار.
رواية بوليسية
كانت هذه كلمات «بيرجمان» قبل أن يغيّر رأيه ويهاجم مروان في أحاديثه لوسائل الاعلام المختلفة بعد ان وصف أشرف مروان كتاب «بيرجمان » بانه رواية بوليسية خيالية تجاوز مؤلفها كل الحدود العقلية والسياسية والمنطقية فلا أنا جيمس بوند ولا علاقتي العائلية بالرئيس جمال عبدالناصر وعلاقتي السياسية بالرئيس أنور السادات تسمحان بأن تترك الأمور بالنسبة لي على هذا النحو الساذج الذي يصوره خيال مؤلف هذا الكتاب، رغم ان الكتاب ينسب أشياء قد تكون في موضع اعجاب لمن تنسب اليه غضب «بيرجمان» من تصريحات مروان، ما دفعه لذكر اسمه صراحة، وقال في حوار مع «الأهرام العربي» بتاريخ 21 ديسمبر 2002 أجرته الزميلة خلود الجمل في لندن: «كنت شديد الحرص في كتابي على ألا أذكر اسمه، ولم أقل حتى أن الشخص المقصود هو زوج ابنة عبد الناصر، ولكنني قلت أن هذا الشخص تربطه صلة قرابة بعبدالناصر وعندما نشرت «يديعوت احرونوت» مقالاً عن كتابي قبل نشره ومن دون تصريح مني قالت انه كان يدعى «زوج الابنة» لأنه زوج ابنة عبدالناصر وقد ذكر أشرف مروان في حوار نشره أخيراً أن رؤيتي عن زوج الابنة خيال بوليسي سخيف أو شيء من هذا القبيل، لكن علي أن أدافع عن سمعتي كمؤرخ ، لأنني لا يمكنني قبول شيء كهذا. الرجل الذي لقبته «زوج الابنة» في كتابي هو أشرف مروان زوج مني ثالث أبناء الرئيس جمال عبد الناصر».
ورغم نفي «بيرجمان» أن تكون له أي علاقة بالموساد إلا أن توقيت نشرالكتاب والتناقضات الموجودة بداخله تؤكد أن «بيرجمان» حصل على معلوماته نتيجة صراع الأجهزة الأمنية في اسرائيل، خاصة بين المخابرات الحربية «أمان» والمخابرات العامة «الموساد». فقد رفض «بيرجمان» الإفصاح عن مصادر هذه المعلومات رغم كونه مؤرخاً وليس صحافياً. ثم أنه متناقض مع نفسه فهو مرة يصف أشرف مروان بأنه قدم خدمات مهمة لإسرائيل، وكانت تقاريره ترفع لأعلى المستويات السياسية العسكرية، ومرة أخرى يزعم قيامه بدور العميل المزدوج بين مصر واسرائيل، مستهدفاً تضليل تل أبيب وفي الحالتين يبدو الخداع متعمدا، اذ ان مغازلة المشاعر العربية بوصف مروان بطلاً لعب دوراً مهماً لصالح بلاده يشتمل على إيمان حتمي بوجود علاقة مفترضة بينه وبين الموساد.
أجهزة أمنية
وذكر بيرجمان في الحوار وليس الكتاب «أن مصادره هي من أعلى الجهات في الأجهزة الأمنية في اسرائيل»
ويضيف برجمان قائلاً «هم هؤلاء الناس الذين اعتادوا الجلوس في تلك الغرف الصغيرة، يقرؤون تقارير أشرف مروان، فمن أخبروني عنه هم هؤلاء من اعتادوا تلقيبه بالدكتور أو بزوج الابنة وهؤلاء يعرفونه جيداً، وهذا أحد مصادري». وهناك شق آخر، فأنت اذا ما قرأت قصة فترة 73 وعندما تقرأ الكتب والمقالات والوثائق، وتقوم بعمل تحقيق فسوف تتوصل الى نفس النتيجة أن هذا الجاسوس المزدوج هو أشرف مروان، فكثير من التفاصيل التي وردت عن حادث الطائرة الليبية نشرت في كتاب للملحق العسكري المصري في ليبيا، والذي كان يدعى صلاح الدين السعدني، فورود اسم أشرف مروان في الرواية كثيراً، ولم أذكر اسم الكتاب في كتابي لأنني كنت حريصاً على عدم الكشف عن اسمه».
مال مقابل معلومات
وقد زعم بيرجمان في كتابه أن العميل «بابل» كما اطلق عليه ذهب الى السفارة الإسرائيلية في لندن عام 1969 أي قبل الحرب بأربع سنوات وطلب مًقابلة مندوب أو ممثل الموساد الإسرائيلى، وبعد جدل ومناقشات تمت الموافقة على طلبه ولم ينفعل ضابط الموساد عندما قدم الرجل نفسه له بأنه أشرف مروان، وقال له بالحرف الواحد: «أنا أريد أن أعمل معكم، وأن أقدم لكم معلومات لا تستطيعون الحصول عليها حتى في أحلامكم الوردية».
وأضاف «وأنا أريد المال مقابل المعلومات. أريد أموالاً كثيرة وصدقني سوف تشعرون بالسعادة وأنتم تدفعونها». وبعدها طلب منه رجل الموساد بأدب أن يغادر المكان، ولكن أشرف مروان قال له: « فقط عليك بنقل اسمي الى اسرائيل، وسوف أحضر هنا مرة ثانية بعد أسبوع. وخرج بعدها من السفارة» وعندما وصل الأمر للموساد لم يصدقوا آذانهم، فلقد سافر «شي» أحد الخبراء الكبار في إعداد وتدريب العملاء الى اوروبا، من أجل مقابلة الرجل، كما تنبأ مروان، وكانت اسرائيل متحمسة لدفع أموال طائلة لمروان نظير المعلومات التي أحضرها وكان المبلغ يتراوح ما بين 15 و20 ألف دولار «بقيمة هذه الأموال في السبعينيات» في المقابلة الواحدة ووصل اجمالي ما دفعه الإسرائيليون له حوالي 3 ملايين دولار. وقد ذكر بيرجمان في كتابه أن أشرف مروان زودهم بمعلومات ناقصة أدت لوقوع كارثة يوم كيبور «حرب أكتوبر»، فقد أبلغ رئيس المخابرات العسكرية « ايلي زعيرا » يوم 5 أكتوبر 73 في لندن أن الحرب ستبدأ الساعة السادسة مساء يوم 6 أكتوبر وكانت كلمة السر «نستون» ومعناها احتمال الحرب، لكن الحرب بدأت قبل ذلك بأربع ساعات، وكانت هناك معلومات أوصلها الى الموساد تلعب على أكثر من حبل وبطريقة تتجاوز حدود الاحتراف!!
أسرار مخابراتية
وقد فجر كتاب بيرجمان الخلافات من جديد داخل إسرائيل. فبعد سنوات طويلة من تقرير لجنة «أجرانات» حول التقصير في حرب أكتوبر يوم كيبور فقد نفت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية في تقرير مطول كتبه محللها للشؤون المخابراتية «يوسي ميليمان» ان يكون رجل الأعمال أشرف مروان هو العميل المزدوج الذي خدعها في أكتوبر 73 وأخبرها بموعد غير صحيح للحرب وكذبت الموساد من جانبها الأسرار المخابراتية التي سربها المؤرخ الإسرائيلي د. أهارون برجمان في كتابه الأخير «تاريخ إسرائيل» من ان العميل البارز الذي خدع إسرائيل في حرب أكتوبر يمت بصلة قرابة لأسرة الرئيس جمال عبدالناصر وان ضباط الموساد المتعاملين معه كانوا يطلقون عليه اسم «زوج الابنة » لانه زوج ابنة عبدالناصر.
واتهمت «هاآرتس» برجمان بأنه تخاذل عن الدفاع عن إسرئيل خلال الانتفاضة الأولى عندما استدعي للخدمة في الجيش وهرب إلى لندن وأشار «ميلمان» إلى ان الموساد والشاباك لايزالان مقتنعان حتى الان أن هذا العميل البارز الذي تعامل معهما في نهاية االستينيات وبداية السبعينيات لم يكن عميلا مزدوجا، وعلق مسؤولو الموساد على هذا التسرب المثير بالنسبة لهم بانهم يحافظون على سرية عملائهم ومصادرهم حتى لو مرت سنوات على تجنيدهم.
وأضافوا أن الحديث دار بجدية عن هوية هذا العميل، وقيل في نهاية الثمانينيــــات انه «رفعت على الجمال» المعروف بـ «رأفت الهجان» الذي يدعون انه كشف بواسطة الشابــاك «جهاز الأمن الداخلي» واتضح انه مصري جاء لإسرائيل متنكراً في صورة مهاجر يهودي، ومن وقتها وهو عميل مزدوج.
وأضافوا لمزاعمهم ان الحديث دار بعدها حول ان يكون الملك حسين هو العميل المزدوج بسبب لقاءاته السرية مع «جولدا مائير» وعناصر الموساد خاصة لقاء سبتمبر 1973 الذي يقال انه حذر «مائير» فيه من خطر هجوم مصري سوري على إسرائيل.
وفقاً لوسائل الاعلام الغربية فان هذا العميل المزدوج عرض خدماته على إسرائيل بزيارته للسفارة الإسرائيلية في لندن عام 1969 ولم تثق فيه الموساد بسهولة واستفاضت الصحيفة في التدليل على ان أشرف مروان ليس هو العميل المزدوج بالحديث عن المكافأة الكبيرة التي حصل عليها مروان كونه عميلاً للموساد بالفعل وقدرتها بمئات الآلاف من الدولارات ونفقات تنقلاته الخارجية والصعوبات التي كانت ستواجهه خلال هذه الرحلات لو انه عمل مع الموساد.
وذكرت «هاآرتس» ان مسألة «العميل المزدوج » لاتزال مثيرة للجدل حتى الان بين قيادات الموساد وأبرزهم «تسفي زامير» و«إيلي زعيرا» لكن التحقيقات الرسمية التي أجرتها لجنة «اجرانات» أكدت على وجوده بالفعل، إلا انها لم تكشف عن هويته، بل ان بعضهم يرفض الحديث عن الموضوع من الأصل.

في حياته قالوا عنه الكثير والكثير.. وصفوه بالبطل المعجزة أيام صعوده المبكر في عصر السادات.. ووصوله لمنصب سكرتير الرئيس للمعلومات، نفوذه البالغ أثار البعض، فهاجموه بعنف، حتى خرج من الرئاسة ليتولى منصباً آخر رغم ذلك لم تتوقف الحملات ضده بل ازدادت ضراوة.. حتى ترك موقعه، واختفى في لندن وهناك لم تتوقف وسائل الإعلام عن البحث في صفقاته المثيرة للجدل بالعقارات والبنوك وتجارة السلاح وأشياء أخرى.. تناقلت صراعه الرهيب مع آل الفايد في لندن.. وعندما رحل عن دنيانا في حادث ما مازال غامضاً قالوا عنه أكثر وأكثر واتهموه في وطنيته، وقالوا إنه كان عميلاً مزدوجاً لإسرائيل، بينما أكد القادة المصريون ان العميل «بابل» هو الذي خدع اسرائيل وبرأوا ساحته من تلك الاتهامات.
فأين الحقيقة في كل ما قيل.. وهل كان أشرف مروان فعلاً عميلاً مزدوجاً؟ أم كانت جميع مهامه بتكليف من السادات؟! وهل كانت مؤسسات الدولة وأجهزتها على علم بما يقوم به من أدوار معينة.. وما حقيقة واقعة وفاته المثيرة وهل مات منتحراً أم مقتولاً أم قضاء وقدراً؟! هل كان مروان ظالماً أو مظلوماً؟! وما هو مصير مذكراته التي اختفت يوم رحيله المفاجئ؟!
لا شك أن الجيل الجديد سيتساءل عن حقيقة أشرف مروان وعن طبيعة دوره في حرب أكتوبر؟!
ومن حق هذا الجيل أن يعرف الحقيقة كاملة دون تزييف أو تجميل.. ومن أجل ذلك كان هذا الكتاب، الذي يحمل رؤية موثقة كتبت بطريقة توخينا فيها الموضوعية والحياد.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت

المزيد

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات