كتاب

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
الحلقة السادسة والاخيرة
أشرف مروان.. حياة غامضة.. وموت مثير!
مقالات أخرى للكاتب

شهدت الصحف المصرية والدولية والإسرائيلية جدلاً واسعا، حول رحيل أشرف مروان ودارت الكتابات والتحليلات الصحافية حول ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: انتحار أشرف مروان بسبب اكتئابه ويأسه من عدم شفائه من مرض السرطان وأمراض أخرى، أو بسبب تزايد التشكيك في سمعته الوطنية من الموساد والمؤرخين الإسرائيليين وعدم وجود أي تحرك مصري لرد اعتباره في حياته.
الثاني: اغتياله على يد الموساد وعملائه في الخارج لأنه تسبب في خداع الإسرائيليين وهزيمتهم في حرب يوم الغفران «حرب أكتوبر 1973».
الثالث: اغتياله على يد تجار الأسلحة بسبب دخوله في ملعب الشياطين وخاصة ما تردد عن دوره في صفقة اليمامة «أو الأسلحة البريطانية المقدمة للسعودية».
أما بالنسبة للسيناريو الأول وهو فرضية الانتحار فهي التي تبنتها الشرطة البريطانية في بداية التحقيقات بناء على روايات من سمتهم بالشهود المستقلين الذين رجحوا فرضية انتحار مروان بإلقاء نفسه من شرفة شقته بالدور الخامس في أحد المباني الواقعة في شارع كارلتون هاوس تيراس بحي بيكاديلي سيركس الراقي بوسط العاصمة البريطانية لندن، وبذلك اعتبرت شرطة لندن انه لا شبهة جنائية وراء الحادث وانه لن تجري ملاحقة احد ولكن ضغوط الجالية المصرية في لندن «التي ترأسها مروان لسنوات طوال» نجحت في اقناع الشرطة البريطانية بإعادة فتح التحقيق في القضية والتي كلفت رئيس إدراة الجرائم الخطرة باعادة التحقيق بمساعدة شرطة «حي ويستمنستر المحلي». وكان د. مصطفي رجب رئيس اتحاد المصريين ببريطانيا قد شكك في احتمالات أن يكون مروان مات منتحرا مؤكداً أن هناك شكوكاً بين الجالية المصرية في بريطانيا خاصة المقربين من أشرف مروان بأنه «تم اغتياله» مؤكداً أن مروان أخبر بعض المقربين منه بأنه متخوف من أن يحدث له شيء.
السيناريو الثاني
وأما السيناريو الثاني الذي يفترض اغتيال مروان على أيدي الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» فقد ارتبط بفرضيات عديدة منها ان أشرف مروان أو العميل «بابل» وهو الاسم الحركي لمروان كما أطلقه عليه المؤرخ اليهودي أهارون بيرجمان وتبعه آخرون أهمهم الصحافي الأميركي هوارد بلوم في جريدة «نيويورك تايمز» صاحب كتاب «عشية التدمير» وكذلك ما كشفت عنه الوثائق الإسرائيلية عن حرب يوم الغفران «أكتوبر 73» وما نشرته الصحف الإسرائيلية ووسائل الإعلام هناك من ان أشرف مروان كان عميلاً مزدوجاً جعل الموساد أضحوكة أمام العالم كل هذا أدى إلى تصفيته. وقد ذهب إلى تأكيد هذا الاحتمال نجل مروان نفسه «جمال» الذي أكد أن والده تلقى تهديدات من جهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد» قبل يومين فقط من حادث وفاته. أما الصحف الإسرائيلية فقد أكدت هذا المعنى وحملت جميعها معنى واحد هو «في كل الاحوال نحن السبب في موت أشرف مروان» وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت «أن أشرف مروان سبب اخفاقاً تاماً لمؤسسة الموساد وانه صاحب الجريمة الكاملة وأضافت الجريدة بأن موت أشرف مروان يكتنفه الغموض وان خبر انتحاره بمثابة نكتة سخيفة وان احتمال القضاء عليه وارد خاصة انه كان متخوفاً على حياته منذ كشفت إسرائيل عام 2003 انه عميل للموساد وادعت الجريدة أيضاً أنه كان من المفروض ان يلتقي في اليوم الذي توفي فيه مع المؤرخ الإسرائيلي أهارون بيرجمان الذي كشف عن هويته الاستخبارية على حد قولهم منذ أربع سنوات وقالت «يديعوت أحرونوت» على لسان بيرجمان ان أشرف مروان اتصل به في الليلة السابقة لموته وترك له ثلاث رسائل صوتية على آلة التسجيل وهذا غريب ولم يحدث من قبل وأضاف بيرجمان أنه حدثه تليفونياً واتفقا على تحديد موعد للقاء وكان مساء اليوم التالي. أما صحيفة «معاريف» فأكدت أن أشرف مروان كان السبب في جعل الموساد أضحوكة العالم وان بقعة سوداء لوثت تاريخ الجاسوسية في إسرائيل بسببه وانتقدت بشدة الكشف عن اسم مصدرها قبل الوفاة معتبرة ذلك كسراً لكل قواعد التجسس في العالم موضحة ان أي عربي سيفكر ملياً قبل ان يبادر إلى الاتصال مع الموساد لتزويدهم بأي معلومة وسيتذكر أن مروان سقط من شرفته. أما جريدة «هآرتس» فقد دافعت عن وجهة النظر المعارضة لذلك وقالت إن أجهزة المخابرات الإسرائيلية حاولت تشويه أشرف مروان للانتقام منه فوقعت في الفخ ونشرت الجريدة على لسان زامير رئيس الموساد السابق أن مروان لم يكن أبداً عميلاً مزدوجاً وان المجتمع الإسرائيلي هو المجرم الأساسي المسؤول عن قتله بسبب ما نشر عنه من شائعات بالصحف الإسرئيلية خلال الأعوام السابقة ولكن هذا لا يعني انه شارك في خداع الاجهزة الأمنية الإسرائيلية وهدد مصالح إسرائيل.
ظروف غامضة
أما الصحافي الأميركي هوارد بلوم صاحب كتاب «عشية التدمير» القصة الخفية لحرب يوم كيبور، فقد كتب مقالاً مطولاً في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تحت عنوان «من قتل أشرف مروان؟» قال فيه: «إن الظروف الغامضة التي أحاطت بموت مروان قبل أسبوعين أثارت العديد من الشبهات»، مشيراً إلى ان وفاة الرجل الذي عثر عليه في الشارع بعد سقوطه من شرفة شقته في الطابق الرابع بحي «سانت جيمس» في لندن لا تقل تعقيداً عن حياته الحافلة بالأسرار كأخطر جاسوس في تاريخ الشرق الأوسط. وأشار بلوم إلى أن وفاة مروان بهذه الطريقة أثارت جدلاً واسعاً حول احتمالات تورط أجهزة استخبارات في قتله كما زادت من حدة النقاش الذي دار بشأن عمله كجاسوس للموساد أو لعبه بمهارة دور العميل المزدوج لصالح مصر. وأضاف بلوم: ان وفاة المسؤول المصري البارز ألقت الضوء كذلك على أهمية الخلاف القانوني داخل إسرائيل حول تسريب اسمه للصحف وبعد العثور على جثته في الشارع، ولم أستطع منع شعور تسرب لدي بأن لي دوراً ولو صغيراً في الأحداث التي قادت إلى وفاته بسبب ما نشرته في كتاب «عشية الدمار». وكشف «بلوم» ان قصة مروان التي تتوافر فيها كل أركان التشويق والاثارة، بدأت في ربيع عام 1969 حينما قدم إلى لندن لإجراء فحص على معدته لدى طبيب في شارع هارلي وكانت عيادة تستخدم سابقاً كغطاء للمقابلات السرية التي كانت تتم بين الملك حسين عاهل الأردن الراحل والمدير العام لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى وفي الوقت الذي كان يتسلم فيه مروان الأشعة التي تشخص مرضه أعطى الطبيب ملفاً مليئاً بالوثائق المصرية الحكومية وطلب منه توصيله إلى السفارة الإسرائيلية في لندن من جانبه أكد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) ان الوثائق التي سلمها مروان سليمة وتخص الحكومة المصرية وقام على الفور بتشكيل فريق عمل لدراسة مخاطر العمل مع هذا المتطوع المهم الذي أتى حاملاً سلة من الهدايا غالية الثمن وطرح احتمال كونه عميلاً مزدوجاً.
وبعد ثلاثة أيام من لقائه الطبيب اتصل الموساد بمروان بينما كان يسير في محال هارودز الشهيرة وانطلاقاً من هذه اللحظة بدأ حياته كجاسوس ومن البداية قدم كثيراً من الوثائق والمستندات السرية التى جعلته عند الموساد كما لو كان ينام في سرير عبدالناصر. واستناداً إلى فيض الأسرار التي سربها مروان أسست إسرائيل قناعتها الخاصة والتي تحولت بمرور الوقت إلى عقيدة راسخة لدى القادة السياسيين والعسكريين وتؤكد انه من دون حصول مصر على صواريخ وقاذفات بعيدة المدى ومن دون اتحاد الدول العربية فلا يمكن لمصر أن تشن حرباً ضد إسرائيل. واستناداً إلى أهمية تحول التعامل مع مروان الذي حصل على عدد من الأسماء الكودية أبرزها «الملاك وبابل والصهر» إلى صناعة صغيرة وكان يلتقي وجهاً لوجه مع ضابط الاتصال الخاص به وغالباً مع مدير الموساد نفسه في منزل آمن في لندن لا يبعد كثيراً عن فندق «دورشيستر» وكان يتم تسجيل جميع المقابلات ويقوم فريق متخصص من الموظفين بتفريغها وتقديمها مكتوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي وقائد الأركان ثم إلى بقية المسؤولين. ولفت بلوم إلى أن مروان كان يتلقى 50 ألف دولار في المقابلة الواحدة لكن هذا كان ثمناً ضئيلاً مقارنة بعشرين مليون دولار تم انفاقها عليه في السنوات الأخيرة من حياته المهنية كجاسوس وثمة شعور سيطر على قادة إسرائيل بأن هذه الأموال تنفق بشكل جيد لأنها كانت تكشف لهم كيف يفكر أعداؤهم. وفي أبريل 1973 أرسل «بابل» أو «الصهر» إلى ضابط الاتصال الخاص به رسالة خاطفة في كلمة واحدة وهى «فجل» وتحمل معناً كودياً واحداً وهو الحرب الطارئة ومباشرة كما يقول «بلوم» توجه زامير مدير الموساد من تل أبيب إلى لندن وفي المنزل الآمن هناك أبلغه مروان بأن مصر وسورية ستشنان هجوماً مفاجئاً. وقامت إسرائيل على الفور باستدعاء آلاف من جنود الاحتياط ونشرت فرقاً اضافية في سيناء والجولان واستمرت حالة الطوارىء ثلاثة أشهر وكلفتها 35 مليون دولار وثبت انه انذار خاطىء وان ما أبلغ به الصهر غير صحيح. وبعد خمسة أشهر وتحديداً يوم 5 أكتوبر 1973 أرسل الصهر رسالة خاطفة أخرى حوت أيضاً كلمة «فجل» واستيقظ زامير في الساعة الثانية والنصف صباحاً وسافر في الصباح التالي مباشرة إلى لندن على طائرة «العال» للتأكد من المعلومة وبالفعل كانت سورية تحشد دباباتها وصواريخها في الشمال وتقوم مصر بمناورات بالقرب من قناة السويس بينما بادرت روسيا بإخلاء رعاياها من المنطقة لكن بالرغم من ذلك أعلن الجنرال إيلي زعيرا رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي أمام فريق العمل الخاص به أن احتمالات شن هجوم مصري ـ سوري على إسرائيل ضعيفة بل أقل من الضعيفة.
وأخيراً عند منتصف الليل بتوقيت لندن ظهر الصهر في المنزل الآمن وتحدث مع مدير الموساد زيفي زامير لأقل من ساعة ثم غادر واتصل زامير بمساعده في الساعة 3 صباح يوم السادس من أكتوبر أو يوم كيبور.. أكثر الأيام قداسة في أجندة أعياد اليهود وقال له إن مصر وسورية سوف تهاجمان بالتزامن مع ساعة الغروب. وقال بلوم: إن المفاجأة حدثت قبل ذلك، وتحديداً في الساعة الثانية ظهراً، حيث هاجمت الجيوش العربية دفعة واحدة فعبرت القوات المصرية قناة السويس من الجنوب بينما تحركت الدبابات السورية من الشمال، واستطاعت سحق الجيش الإسرائيلى غير المستعد للحرب وبعد ثلاثة أيام من القتال أعرب موشيه ديان عن قلقه زوال دولة إسرئيل وليس مجرد خسارة الحرب، وأعطيت رئيسة الوزراء غولدا مائير زجاجة تحوي أقراصاً قاتلة للانتحار حيث فضلت الموت على مشاهدة اللحظة التي تدمر فيها دولتها. وحتى الآن لا تزال حرب أكتوبر أو يوم كيبور كارثة استخباراتية في تاريخ إسرائيل وبعد عقود من وقوعها يتبادل الموساد وجهاز المخابرات العسكرية الإتهامات اليوم حول المتسبب في خسارتها فالجنرال إيلي زعيرا الذي فقد منصبه كرئيس للاستخبارات العسكرية بالإضافة إلى سمعته قضى سنوات يبحث ويحلل المعلومات والأحداث التي قادت إلى الحرب. وقال بلوم: أجرى الموساد تحقيقاته الخاصة وانتهى إلى أن الصهر لم يكن عميلاً مزدوجاً ورغم هذا لم يقتنع زعيرا وتحدث إلى الصحافيين حول نظريتهم وكنت واحدا منهم ولم يخبرني إطلاقاً باسم «الجاسوس» ولكنه قادني إلى الطريق الذي جعل من السهل تحديده بعد أقل من نصف الساعة من البحث على الإنترنت واستخدمت اسم أشرف مروان في كتابي عن حرب يوم كيبور. أضاف بلوم: انه بعد فترة قصيرة من نشر الكتاب وصف زيفي زامير مدير الموساد الجنرال إيلي زعيرا بالخائن لكشف هوية مروان وقدم التماساً إلى المدعى العام للتحقيق ولكن لم يحدث تدخل رسمي وفي الشهر الماضي قضت المحكمة العليا بأن زعيرا كشف فعلياً عن هوية مروان.
وقال بلوم: الآن أتذكر تفاصيل محادثتي التليفونية الأخيرة معه وقد سألته: هل أنت خائف؟ فرد: ولماذا أخاف؟! .. لقد كنت جندياً. وأضاف الكاتب الأميركي: لقد تعهد مروان لي بالكشف عن معلومات أكثر حول الدولة التي كان يعمل لصالحها، حينما نظهر سوياً في برنامج تليفزيوني بالولايات المتحدة لكنه عاد قبل يومين من التسجيل وقال إنه لن يكشف عن أي أسرار قبل الانتهاء من كتابه عن الحرب. وتابع بلوم: لم أسمع عن مروان بعد ذلك ولم أحدثه وأعتقد ان «سكوتلانديارد» وأجهزة أخرى تحاول الآن العثور على الأوراق والمسودات التي كان يكتبها قبل وفاته. ويعتقد الكثيرون في القاهرة بأن مذكرات أشرف مروان التي كان يعتزم كتابتها وراء اغتياله لو صح ذلك واعتبر عدد من المصادر القريبة من النظام ان مروان حقيقة كان يعكف على كتابة مذكراته فيؤكد د. مصطفي الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب، وهو أيضاً كان سكرتيراً للرئيس مبارك لشؤون المعلومات، ان رائحة المؤامرة ليست بعيدة عن حالات الرحيل المفاجىء لبعض حالات الشخصيات الأجنبية المرموقة في العاصمة البريطانية وغيرها من المدن الغربية ويقول د. الفقي: ان حزني على «أشرف مروان» سوف يلازمني لفترة طويلة خصوصاً اني التقيته في القاهرة قبل رحيله بأسابيع قليلة وكان حديثاً طويلاً عن مذكراته، ورغبت في ان يضع شهادة د. عبد العزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق في حقه نقلاً عنه في مقدمة تلك المذكرات، ولست أنسى زياراتي للندن في حينذاك انني أزور المكتب كعادتي السنوية منذ حصولي على الدكتوراه تحت إشراف إدارة البعثات المصرية ومقرها في العاصمة البريطانية لست أنسى أن أشرف مروان .. عندما علم بوجودي هرع للقائي هناك في محبة وتلقائية اتصف بها دائماً تجاه كل من يعرفه لذلك سوف يظل رحيله المفاجىء لغزاً محيراً لا أظن أجهزة الأمن البريطانية قادرة على حله أو حتى راغبة في ذلك!» أما بخصوص واقعة سقوط أشرف مروان من شرفة منزله في لندن فهناك كثير من علامات الاستفهام التي تحيط بهذا الموضوع فقد يكون سقط قضاء وقدراً نتيجة لمجموعة الأمراض التي كان مصاباً بها وقد يكون سقط نتيجة لانتحاره وأخيراً قد يكون لدافع جنائي نتيجة لقيامه بنشاط بتجارة السلاح الذي هو مصدر ثروته. وجدير بالذكر ان أشرف مروان قد عمل بتجارة السلاح منذ أكثر من ربع قرن ولهذا حاز على ثقة كثير من مشاهير العالم نتيجة عمله كمستشار للمعلومات للرئيس السادات بالإضافة إلى رئاسته لهيئة التصنيع العربية. وفيما يتعلق بإعادة فتح التحقيق بأجهزة الشرطة البريطانية في هذا الحادث فهذا له دلالاته وأكثر المستفيدين من هذا نحن كمصريين لكي تتضح لنا حقيقة وفاته الغامضة. ويقول اللواء د. نور عبد المنعم الخبير الاستراتيجي فيما يتعلق بأن أشرف مروان عميل مزدوج: هذه قضية غامضة لا نستطيع الحكم فيها الآن فقد تكون هذه الادعاءات او المزاعم صادقة أو كاذبة وقد يكون أشرف مروان قتل، لانه أعلن انه بصدد كتابة مذكراته وقد يكون كتبها بالفعل والذي جعلنا لا نرجح أي احتمال من الاحتمالات التي أعلنت عنها وسائل الإعلام هو عدم تعليق الحكومة المصرية على أي من هذه الاحتمالات التي ساقها الإعلام وساقتها التحقيقات في لندن، باستثناء تصريحات الرئيس مبارك الذي أفاد بأن أشرف مروان رجل وطني مخلص وليس عميلاً وإنما كان في صف التوجهات المصرية وأن في أغلب الظروف أشرف مروان انتحر عندما علم عن تسرب المعلومات عن «بابل» الاسم الحركي الذي كان يتعامل به مع المخابرات الإسرائيلية، وإلا لماذا لم ينتحر أو يقتل في فترات سابقة؟ ولماذا قتل أو انتحر عندما ظهر بابل؟ فقد ذكر مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية في صحيفة «معاريف» أن أشرف مروان أخبره بميعاد حرب أكتوبر وذلك في 5 أكتوبر أي قبل ميعاد الحرب بيوم واحد ولكنه أخبره أنها ستكون في الساعة السادسة مساء وهنا خداع في اتجاه واحد. وكان مدير المخابرات الإسرائيلية خارج إسرائيل في ذلك الوقت وهذا يعنى انه التقى بأشرف مروان شخصياً خارج إسرائيل حيث لم تكن بينهما أى اتصالات أخرى سوى المقابلات الشخصية وتساءل اللواء نور عبد المنعم لماذا لا تكون المخابرات الإسرائيلية وراء مقتله إذا كان قتل فعلاً؟! حيث انه كان يعمل بتوجيه من المخابرات الإسرائيلية وكان ينقل المعلومات للموساد بطريقة محددة وهي المقابلات الشخصية وذلك في توقيت معين في ظل خطة خداع استراتيجي لإسرائيل حيث ان أشرف مروان كان ضابطاً بالجيش المصري ورجل كيمياوي وكان يطلق عليه «الرجل السوبر» فهو تم تعيينه كرئيس للهيئة العربية للتصنيع وكان سكرتير المعلومات للرئيس السادات، ثم بعد الحرب سافر إلى لندن وخدم مصر بعلاقاته وأضاف: أنه فيما يتعلق بأن مصدر ثروة أشرف مروان الطائلة هي تجارة السلاح أوضح ان تجارة السلاح ليست عيبا طالما أنها في إطار قانوني وان هناك رجال أعمال حاليين سبق لهم التعامل مع تجارة السلاح حيث كانوا يوردون للقوات المسلحة المصرية وقد يكون هذا السلاح لغماً أو أجهزة حاسب آلي عسكري أو أي معدات أخرى، طبقاً لاحتياجات الدولة. اللواء أحمد الطوانسي الخبير الاستراتيجي قال: ان أشرف مروان لم ينتحر بل تم اغتياله خاصة ان الموساد الإسرائيلي روج انه عميل مزدوج وبالتالي فان أصابع الاتهام تشير للموساد الإسرائيلي حيث انهم أحدثوا بلبلة بأن أشرف مروان عميل مزدوج لكن القيادات المصرية تراه رجلا مخلصا وذلك لانه ضلل العدو الإسرائيلي في حرب 1973. كما ان لندن مكان مفتوح لعملاء الموساد وقتل فيها قبل ذلك على شفيق والليثي ناصف وسعاد حسني وأخيراً أشرف مروان كما أن الشخص الذي ينتحر يكون شخصاً مريضاً أو يعانى اكتئاباً أو يعيش ظروفاً صعبة بينما أشرف مروان شخصية عامة كما أنه ميسور الحال مالياً، وله ثقل اجتماعي « .. ويرى الطوانسي ان الموساد قام باغتيال مروان نظراً لدوره الكبير في حرب 1973 بسب تضليله للقوات الإسرائيلية وقامت المخابرات المصرية بتكليفه لكي يكون عميلاً لنا ولكن ليس كعميل مزدوج بينما اعتبرته إسرائيل عميلاً مزدوجاً وقامت باغتياله لتأخذ بـثأرها. كغيره من الشخصيات القليلة في التاريخ شغل أشرف مروان الناس حياً وميتاً.. فما بين صعوده ورحيله غموض لا حدود له أشبه بقصر الأسرار الملىء بالشفرات والألغاز والغرف المظلمة كلما حاولت الاقتراب منه ازداد غموضاً وتعقيداً تقف عنده حدود المنطق ودهاء الرجال.
رياح عاتية
فهو رجل متعدد الأوجه والأقنعة صامت لدرجة لا تحتملها أعتى الصخور.. صلد لا تهزه العواصف ولا تزعزعه الرياح العاتية، صاحب وجه فولاذي.. في مقدمته صلعة من آثار العمليات العقلية الكبرى وحروب الدهاء وفي عينيه نظرة عميقة الأغوار تحمل عشرات الأسئلة التى لم تستطع إخفاءها تلك النظارة العريضة التى تحتل مسافة بارزة من وجهه حتى أصبحت لازمة له في جميع الصور التي ظهر بها في المناسبات الخاصة والعامة. ولعل د. حسن نافعة أول من نبه إلى ضرورة التحليل النفسى لشخصية أشرف مروان يقول د. نافعة: يمكننى القول إننى وصلت من مجمل ما قرأت إلى نتيجة مفادها أن أشرف مروان جمع بين الذكاء والطموح وان ارتباطه بكريمة عبدالناصر لم يكن سوى وسيلة وباب لفتح الطريق أمام طموح كانت الغاية فيه تبرر الوسيلة دائماً، وهناك رواية أشار اليها أحد الباحثين الجادين وهو بالمناسبة قومي وناصري حتى النخاع تقول: «إن أشرف مروان لم يتردد في اللجوء إلى السيدة سعاد الصباح طلباً للمال أثناء دراسته للدكتوراه في لندن وان الرئيس عبدالناصر استدعاه إلى مصر فور علمه بهذه الواقعة التى استغل فيها اسمه وغضب منه لدرجة تهديده بتطليق ابنته منه، لولا تمسك الأخيرة بزوجها ودفاعها المستميت عنه». ويروي د. نافعة ان لهذه الواقعة ـ إن صحت ـ دلالة خطيرة تشير إلى أن مروان لم يكن ـ على ما يبدو ـ يهتم كثيراً بمراعاة العديد من الحساسيات والنواحي الأخلاقية والمعنوية في تعاملاته الشخصية. وإذا كان د. فؤاد السعيد «وهو كبير الباحثين بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» يتفق مع ما ذهب اليه د. حسن نافعة ويرى أن دراسة الخلفيات السيكولوجية لأشرف مروان على قدر كبير من الأهمية إلا أنه يحلل الجوانب الاجتماعية في شخصية مروان كالتالى:
يرى د. السعيد ان صعود أشرف مروان ارتبط بثلاثة أشياء:
أولاً: الانتهازية السياسية والميكيافيلية التى دفعته للانحياز «للسادات» في معركته مع مراكز القوى رغم أنه كان كان ضمن مجموعة العمل هذه، بالإضافة لكونه متزوجاً من ابنة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وهؤلاء كانوا من أنصاره وأتباعه.
ثانياً: النظرة البراغماتية والواقعية التى تمتع بها مروان فقد رأى الجانب المؤكد انتصاره هو السادات فمال اليه باعتباره مصدر الشرعية والسلطة الحقيقية.
ثالثاً: ان كون مروان من أسرة متوسطة وفي النهاية يبقى «زوج الابنة» جعله أكثر طموحاً وتطلعاً لما هو أبعد من كونه «مجرد الصهر» للزعيم الراحل جمال عبدالناصر. لكن د. السعيد يستبعد فكرة الانتحار على شخصية مثل مروان بمراجعة تاريخ حياته. أما العالم الدكتور أحمد عكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي فلم يركز على الخلفيات السابقة لأشرف مروان لكنه قام بتحليل أسباب رحيله الغامض فأوضح ان ما أثير حول مروان في السنوات الاخيرة من أنه كان عميلاً مزدوجاً لإسرائيل. رغم ان كل اتصالاته بالإسرائيليين كانت بعلم السادات ومباركته . وهو ما يبرئه تماماً من كل ما نسب إليه إلا أنه كان يسمع هذا ويقرأه في وسائل الإعلام المحلية والعالمية ويرفض التعليق أو الرد وهذه العواصف اجتمعت عليه دفعة واحدة فأحس بأنه وحيد تماماً، حتى ولو كان بين الناس والأهل وفي أعماله ومشاريعه والجالية التي تحبه. يقول د. عكاشة «لدي قناعة بأن مروان راح ضحية الاكتئاب بكل معانيه.. بل راح ضحية نسيج اجتماعي متهالك، كان هو الحصن الأخير للمصريين من قبل فأصبح فخاً يقعون فيه ويصطادهم واحداً تلو الآخر بدلاً من أن يكون يداً للعون أو المساعدة».

في حياته قالوا عنه الكثير والكثير.. وصفوه بالبطل المعجزة أيام صعوده المبكر في عصر السادات.. ووصوله لمنصب سكرتير الرئيس للمعلومات، نفوذه البالغ أثار البعض، فهاجموه بعنف، حتى خرج من الرئاسة ليتولى منصباً آخر رغم ذلك لم تتوقف الحملات ضده بل ازدادت ضراوة.. حتى ترك موقعه، واختفى في لندن وهناك لم تتوقف وسائل الإعلام عن البحث في صفقاته المثيرة للجدل بالعقارات والبنوك وتجارة السلاح وأشياء أخرى.. تناقلت صراعه الرهيب مع آل الفايد في لندن.. وعندما رحل عن دنيانا في حادث ما مازال غامضاً قالوا عنه أكثر وأكثر واتهموه في وطنيته، وقالوا إنه كان عميلاً مزدوجاً لإسرائيل، بينما أكد القادة المصريون ان العميل «بابل» هو الذي خدع اسرائيل وبرأوا ساحته من تلك الاتهامات.
فأين الحقيقة في كل ما قيل.. وهل كان أشرف مروان فعلاً عميلاً مزدوجاً؟ أم كانت جميع مهامه بتكليف من السادات؟! وهل كانت مؤسسات الدولة وأجهزتها على علم بما يقوم به من أدوار معينة.. وما حقيقة واقعة وفاته المثيرة وهل مات منتحراً أم مقتولاً أم قضاء وقدراً؟! هل كان مروان ظالماً أو مظلوماً؟! وما هو مصير مذكراته التي اختفت يوم رحيله المفاجئ؟!
لا شك أن الجيل الجديد سيتساءل عن حقيقة أشرف مروان وعن طبيعة دوره في حرب أكتوبر؟!
ومن حق هذا الجيل أن يعرف الحقيقة كاملة دون تزييف أو تجميل.. ومن أجل ذلك كان هذا الكتاب، الذي يحمل رؤية موثقة كتبت بطريقة توخينا فيها الموضوعية والحياد.



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات  

دكتور عباس العشيرى
لاأعرف ما هى غاية كتابنا الأفاضل من نبش قبور الرموز المصرية . وهذا النبش غالبا مايكون بألة حادة . يضير الرمز أكتر منه اثباتا للحقيقة .. ويحقق المرجو تماما من أثارة هذا الموضوع .. سعت اسرائيل وبجدية لتشويه صورة الدكتور مروان بعد اللطمة الموجعة التى قدمها لها خلال حرب أكتوبر .. واستطاع أن يخدع أقوى جهاز مخابرات فى العالم . بل وقيادته السياسية ايضا .. ومعها المخابرات الأمريكية على السواء .. فلم تجد اسرائيل بدا من القضاء على هذا الرجل الأسطورى .. وبدات بتشويه صورته ... وللأسف أنصاعت لها الكثير صحفنا العربية وحققت لها ماتريد واكثر ... ولكن التاريخ المصرى لا ينسى صانعيه ... وهاهو الرئيس مبارك يؤكد مدى وطنية الدكتور مروان ويصافحه عند قبر الرئيس ناصر .. اثباتا منه على مدى وطنية الدكتور مروان ودوره الرئيسى فى حرب أكتوبر .. واننى من هذا المنطلق أطالب كتابنا الأوفياء بمراعاة الدقة عند ذكر رموزنا العظيمة .. وأطالبهم ايضا بصلاة على روح الوطنى المخلص الدكتور أشرف مروان .. أسكنه الرحمن فسيح جناته .. دكتور عباس العشيرى
الأربعاء 19 مارس 2008

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية