المشهد الأول: من روائع متحف اللوفر في باريس تلك اللوحة العظيمة الجميلة ذات الألوان البديعة التي تجسد معاناة الإنسان مع الموت الأسود مرض الطاعون الذي سجل كابوساً مرعباً في الذاكرة الجماعية للجنس البشري. تلك اللوحة التي تجلّت فيها عبقرية الرسام في بدايات القرن 19 لتضع مُشاهدها أمام حيرة وخوف صراع الإنسان مع خطر الموت... من تناثر للمرضى بين مفارق للحياة وآخر مستسلم لمصيره ينازع سكرات الموت، وثالث شاحب الوجه مدَّ يده يطلب العون وما من معين!! تتجسد الحيرة في اللوحة وتكون في قمتها حين ترى القائد الفرنسي الجبار المحنك (نابليون بونابرت) بين جنوده في مستشفى (يافا) خائر القوى، قد ركبه الهم وعلاه الإحباط واستولى عليه اليأس من هول ذلك الجنرال المخيف العدو المجهول الذي دخل في دم وعظام جنوده ووضعهم في حالة هذيان تامة (الطاعون Plauge ).
.....وكما حملت السفن جرذانها، فإن الجرذان حملت في ظهورها البراغيث اللعينة، التي تحمل بدورها في دمها الجراثيم مسببة المرض لتحط رحالها في رائعة فنية جميلة أخرى وتأخذنا عبر قصة سنة الطاعون في الكويت 1831....
المشهد الثاني: من روائع فن التمثيل في الكويت تلك التمثيلية الدرامية الممتعة ذات الشخصيات الرائعة وعلى رأسهم الفنان المبدع سعد الفرج والفنانة المتميزة مريم الصالح وجميع الممثلين الذين وبجدارة سطروا مأساة الموت الأسود في رائعة «الدروازة». البانوراما التي أرّخت قصة الكويت مع الموت الأسود والتي حولت أكثر أحياء المدينة إلى مقابر جماعية. شاهدنا الناس يموتون بالجملة، والجثث تملأ الفرجان والبرايح والطرقات، والكلاب والوحوش واللصوص تعبث بالبيوت وممتلكات الناس وهم عنها في شغل من شدة هول الطاعون!!! وتؤرخ القصة عودة أبناء الكويت -الذين كانوا يبحثون عن لقمة العيش في بلاد الله الواسعة - إلى أرض الوطن ليجدوها خالية من السكان، إلا من بعض الضعاف الذين نجوا من الموت فكانوا الأساس الثاني الذي انتشل الكويت من الفناء المحتم والانقراض التام. وفنّد المؤرخون في رواياتهم أن الطاعون قضى على ما يقارب من 60% من سكان الكويت ليصل عددهم إلى 4000 نسمة في تلك السنة... ويشاء القادر القدير فيتلاشى المرض شيئاً فشيئاً حتى ينعدم قبل أن تنعدم الكويت.
لقد زلزل الطاعون البيولوجي المرعب بهجماته عصور التاريخ، وعشش لعشرات السنوات، فمسح مدناً بكاملها من خريطة الوجود، وصدّع حضارات ثم غاب في بطن التاريخ مرة أخرى، فلا يعرف الناس كيف جاء ولا كيف ولّى وانقشع ظله الرهيب..... ليدخلنا في غياهب طاعون العصر.....الطاعون الاجتماعي.....
المشهد الثالث: من الروائع السوداوية لبني البشر الذين يتفننون في معاملة أبناء جنسهم، فإذا كانت جرثومة الطاعون تنتقل عن طريق التنفس على الشكل الذي أرّخه التاريخ، فإن الطاعون الاجتماعي لا يقل في خطره وينتقل أيضاً عن طريق الجهاز التنفسي، ينتقل من الحبال الصوتية عبر الموجات الصوتية. الأول يستهدف الجهاز التنفسي، والثاني يعشعش في الجهاز الواعي العقلاني، الأول يدمّر الصحة البيولوجية، والثاني يدمّر الصحة النفسانية والأخلاقية. الأول وحداته بكتيرية والثاني وحداته الفكرة الضارة والنوايا السيئة. الأول سهل بسيط بسبب أحادية المُسبب - الجرثومة اللعينة، والثاني أخطر من الفيروس لتقلّبه وتنوّعه في التدمير. الأول أصبح سهل الكشف في عصر المجهر والكمبيوتر والثاني أصعب ما يكون في كشفه لعدم الاعتراف بأنه مرض في عصر الانترنت!! ولم يعد عالم البيولوجيا والطب هو منقذ الإنسان بل جاء منافسه عالم السيكولوجيا وعلم الاجتماع ليحلل ديناميكية الطاعون الاجتماعي - الأصعب في الضبط والأفظع في الانتشار- وخاصة في ظل زمن النفاق والواسطات واللاكفاءة والكبرياء والكذب والنفاق وحب الظهور والزعامة والانتفاخ المغرور....
بصمة موال
«اللهم أَدم علينا نعمة وحدتنا الوطنية فلا تمزقنا الاختلافات، ونعمة المودة والتواصل فلا تدمرنا الخصومات، ونعمة الاتفاق على تنمية الوطن وازدهاره فلا تعوقنا الأهواء والاتجاهات».
الكلمة الأبوية التي بعثها لنا صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح حفظه الله ورعاه في العشر الأواخر من رمضان والتي بين فيها «أهمية تعزيز التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والبعد عن الأطروحات المسيئة والتشكيك في النوايا والقدرات وتصيد أخطاء بعضنا البعض وتأزيم المواقف لمصلحة منافع ذاتية ضيقة ونقل اختلافات الرأي والرؤية إلى خارج قبة البرلمان لتكون حديثا للناس والصحافة على حد سواء».
كلنا بصمة التغيير