loader

متابعات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع

الجيل «المفاجأة» وسقوط ذرائع «الفوضى» والبديل الإسلامي

دروس ثورة 25 يناير: هل استفادت ليبيا واليمن و....؟!


ستدخل ثورة شباب مصر في 25 يناير التي أنهت حكم مبارك صفحات التاريخ كعلامة فارقة في واقع ومستقبل مصر وكل الوطن العربي على كافة المستويات سواء من حيث نماذج التنمية، أو القوى الاجتماعية الجديدة أو أثر تكنولوجيا المعلومات، أو أثر العوامل الداخلية والخارجية في التطور الديمقراطي، أو فن ادارة الأزمات، أو مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط. وما يضاعف من أهمية تلك الثورة أنها جاءت تالية مباشرة للثورة التونسية التي أنهت حكم بن علي. وبذلك خلقت الثورتان زخما عربيا قويا في اتجاه رفض الاستبداد والسير في طريق الديموقراطية. ورغم ان نتائج الثورة المصرية لم تزل في مرحلة التشكل الا أنه يمكن ان نستخلص منها عدة نتائج عامة يمكن ان تفيد في فهم الحدث الثوري وما أحاط به من تطورات من ناحية بالاضافة الى فهم مستقبل التطورات السياسية في الوطن العربى. وربما مما يساعدنا على استخلاص بعض الدلالات المبكرة معايشتنا للحدث في محيطه الجغرافي في مصر وبالذات في ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية.
(1) كشفت ثورة 25 يناير عن تغييرات جذرية في التركيبة الاجتماعية للمجتمع المصري نتيجة لصعود تكنولوجيا المعلومات، وذلك في اتجاه صعود جيل جديد من الشباب المتعلم والمتقن لتلك التكنولوجيا. اطلع هذا الجيل من خلال شبكة الانترنت على الفضاء المعلوماتي العالمي وتواصل مع بعضه البعض، بعيدا عن المؤسسات الرسمية التي كان جل همها هو «التعبئة السياسية للشباب لخدمة النخب الحاكمة، كما توافق على أهمية الديموقراطية نتيجة تواصله مع الأجيال الأخرى في الدول الديموقراطية. وكانت حادثة مقتل الشاب السكندري خالد سعيد هي البؤرة التي توافق حولها هذا الجيل كأساس للتحرك. المعضلة ان أحدا لم ينتبه الى تكون هذا الجيل وكانت الفكرة التقليدية عنه أنه جيل من شباب الانترنت عديم الاهتمام بالسياسة، ومولع فقط بالأغاني وكرة القدم. ولكنه فاجأ الجميع بتحرك جماعي تم التوافق عليه عبر الانترنت. لم يكن هذا التحرك هو المفاجأة الوحيدة، ولكن المفاجأة الأكبر كانت في اصراره وصموده حتى أنه استطاع ان يدحر الجحافل التي سيرها انصار النظام عليه لتصفية تحركه، كما استطاع ان يصمد أمام ضغوط النظام. وتم ذلك كله بمنطق متكامل بدأ واضحا من حواراتهم مع الكبار عبر الفضائيات. بدا أنهم شباب يعرفون ما يفعلون وأنهم فكروا مليا في ذلك وعقدوا العزم على التنفيذ مهما كانت الصعاب. بل ان 302 شابا منهم استشهد أمام رصاصات وضربات الغدر ولم يفر واحد منهم من المواجهة. وألحق أنك اذا تحدثت اليوم الى أي مصري من جيل الكبار فانه لا يملك الا ان يعترف فورا بفضل هذا الجيل وريادته. هذا الجيل هو الذي يجب ان يمكنه المصريون من قيادة مصر في مرحلة التحول الجذري القادمة. ومن المؤكد ان هناك أجيالا مماثلة موجودة في دول أخرى يجب ان تهتم الحكومات بادماجها في النظام السياسى. فالحكومات تميل الى صرف تلك الأجيال نحو الأنشطة الترفيهية وتسعى الى تعبئتها سياسيا دون ان تنتبه الى الأجندة الخاصة بأجيال عصر تكنولوجيا المعلومات المعاصرة. ولا يمكن القول ان سبب تغير التركيبة الاجتماعية المصرية هو تكنولوجيا المعلومات أو الفيسبوك بالتحديد. فتلك التكنولوجيا خلقت أدوات التواصل ولم تخلق تلك الشريحة الاجتماعية. وألحق ان هذا التغير في التركيبة الاجتماعية للمجتمع المصري، وصعود العناصر الشبابية الجديدة، هو بشير لتحول قادم في الدور المصري نحو استعادة مصر عافيتها ودورها التقليدى. ففي تقديري، فان مشكلة مصر لم تكن أبدا مشكلة عدم توافر الموارد، كما كان النظام القديم يزعم، ولكنها مشكلة حسن توظيف وتوزيع للموارد.
(2) أما الدرس الثاني فهو يتعلق بفن ادارة الأزمات. فقد كان أحد أسباب السقوط المدوي للنظامين التونسي والمصري هو سوء ادارة الأزمة. يقصد بفن ادارة الأزمة استعمال أدوات تخفيف حدة الأزمة من خلال تطبيق أدوات تناسب المرحلة التي وصلت اليها تلك الأزمة. ماحدث في الحالتين التونسية والمصرية هو ان النظامين استعملا أدوات لادارة الأزمة لاتلائم المرحلة التي كانت الأزمة قد وصلت اليها. فالنظام يقدم التنازلات للثوار متأخرة للغاية بحيث أصبحت التنازلات المقدمة في كل مرحلة غير كافية، بل تتحول الى مصدر اضافي لرفع سقف مطالب الجماهير. فأزعم أنه لو ان الرئيس السابق مبارك كان قد قدم التنازل الذي قدمه في خطابه الثاني (تفويض السلطة الى نائبه) في خطابه الأول لكان الأمر قد اختلف تماما، ولكانت الجماهير ستتجه الى قبول بقائه في الحكم حتى نهاية مدته الدستورية. ويعزو البعض هذا الفشل الى عدم وجود المستشارين الأكفاء الذين يقدمون الرأي في الوقت المناسب، والى عدم وجود الخطط البديلة للتعامل مع مثل تلك المواقف المفاجئة. وهو درس مهم لم تتعلمه القيادة الليبية ولا القيادة اليمنية. ومن ثم، سيؤدي الى النتيجة ذاتها التي حدثت في تونس ومصر. الدرس الأساسي هو ان الاصلاح في التوقيت المناسب هو أمر جوهري لنجاح النظام في ادارة الأزمة.
(3) أما الدرس الرئيسي الثالث فهو انه لم يعد ممكنا تأجيل قضية الديموقراطية الى حين الانتهاء من عملية التنمية، كما فعلت النمور الآسيوية في القرن الماضي. فقد دأب النظام المصري السابق على القول بأولوية الاصلاح الاقتصادي على الاصلاح السياسي واستعمل النماذج الشرق آسيوية كمبرر لتلك الأولوية حيث حققت تلك الدول نهضتها دون اطار ديموقراطي. ولكن هذا القول يتجاهل ان النمور الآسيوية لم تكمل مسيرتها التنموية بدون التحول الديموقراطي، بل ان ثمة جدل قوى في الصين اليوم على هذه القضية. كما أنه في القرن الحادي والعشرين لم يعد ممكنا ان تستمر عملية التنمية بدون اطار سياسي ديموقراطي يضمن تدفق الاستثمارات سواء الداخلية أو الخارجية، ويضمن ضرب الفساد. فضلا عن ان الأجيال الجديدة ترى مايحدث من تجارب ديموقراطية في العالم ويزداد تطلعها الى أطر مماثلة، وذلك في عصر ثورة وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات. فأحد مصادر الأزمة المصرية كان هو النظام السياسي القائم على احتكار السلطة بشكل دائم من حزب واحد، وضعف دور البرلمان والأحزاب السياسية ما فتح المجال أما توحش الاحتكارات الرأسمالية. كما ان النظام الجديد لن يستطيع ان يتغلب على أزماته الاقتصادية بدون توفير هذا الاطار الديموقراطي الذي يكفل انطلاق عملية التنمية. فالاستثمار الخاص لن يتحقق الا اذا توافر اطار سياسي ديموقراطي ومستقر. ولا يعني ذلك ان الديموقراطية بمفردها قادرة على تحقيق التنمية، اذ يلزم توافر شروط أخرى. ولكنه يعني ان الديموقراطية شرط لايمكن التنازل عنه لتحقيق التنمية، بل ولحماية الأمن القومي. فالأجيال الجديدة تتطلع الى مشاركة سياسية حقيقية تؤدي الى تحسين أوضاعها الاقتصادية. ومن ثم، فلا بديل عن الاصلاح الديموقراطي بالتوازي مع التنمية.
(4) لعل الدرس الرابع لثورة 25 يناير هو ثبوت عدم صلاحية نموذج التنمية الذي روج له صندوق النقد الدولي والدول الغربية كاستراتيجية للتنمية في الدول النامية ومنها مصر. فقد صاغت تلك المؤسسات «وصفة نمطية للتنمية تدور حول تقليص دور الدولة التنموي وتفويض هذا الدور للقطاع الخاص بالكامل، والغاء الدعم على السلع الأساسية، وتحرير التجارة الدولية، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبى. ضغطت المؤسسات الدولية على مصر لتطبيق تلك الوصفة. وقد قاومتها النخبة الحاكمة في البداية ولكنها اكتشفت فيما بعد ان تلك الوصفة تحقق مصالحها فانطلقت في عملية بيع كامل للأصول المصرية الصناعية والعقارية للشركات الرأسمالية المحلية والأجنبية وتقاسمت معها العوائد حيث يتم البيع للشركات الناجحة بأبخس الأثمان وتحصل النخبة المحلية على نصيبها مقابل تسليم أصول مصر للغير. تمت أكبر علمية نهب لموارد مصر منذ عهد الخديوي اسماعيل وتحويل الملكية الوطنية الى الأجانب الذين بدأوا يتحكمون في قطاعات استراتيجية من الاقتصاد الوطني مثل صناعة الأسمنت. المشكلة ان النهب أدى الى فقدان الدولة قدرتها على التحكم في الانتاج والأسعار وأدى الى تفاقم مشكلة البطالة حيث قام الملاك الجدد بالتخلص من العمالة واغلاق المصانع للاستفادة من المضاربة العقارية على الأرض. هكذا زادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء. وفي عصر الاعلام والسماوات المفتوحة بدت تلك الفجوة واضحة جلية أمام الفقراء. ولم تكترث النخبة متخمة الثراء بايجاد قنوات لتخفيف حدة الاختناق الطبقي، لان هذا التخفيف لايدخل في أجندة صندوق النقد الدولي الذي أصر حتى النهاية على فكرة ان المنافع «ستتساقط على الفقراء. روج اعلاميو النظام لفكرة ان هذا النموذج هو الوحيد الصالح للتقدم وأنه كلما سارعت الدولة بتطبيق شروط الصندوق بل والاتحاد الأوروبي، بدون شروط، كان ذلك أفضل، ولم يستمعوا الى الأصوات التي حذرت من مغبة التطبيق الأعمى للوصفة الدولية، ودعوا حكومة مبارك الى الاستفادة من نماذج أخرى ناجحة رفضت تطبيق تلك الوصفة مثل البرازيل في عهد لولا دا سيلفا، وماليزيا في عهد محاضر محمد في ماليزيا حيث لم يخضع أي منهما لتلك الوصفة التي قد تصلح في المجتمعات الأوروبية ولكنها لاتصلح للمجتمعات النامية. ولكن وزراء الحكومة المصرية كانوا يعيشون في عالم لاعلاقة له بالواقع المصري وهو ما تجسد في قول وزير «التنمية الاقتصادية ان المصري الذي يحصل على ثلاثة جنيهات في اليوم ليس فقيرا. ومن ثم فانني أعتقد ان النظام الجديد الذي يجري بناؤه في مصر لابد وان يتخلى عن نموذج صندوق النقد الدولي لصالح نماذج أخرى أكثر نجاحا تأخذ في اعتبارها البعد الاجتماعي للتنمية، وان نموذج صندوق النقد الدولي قد انتهى الى الأبد.
(5) من ناحية خامسة، فقد برهنت ثورة 25 يناير على خطأ الفزاعات التقليدية التي استعملتها بعض الأنظمة لتبرير القمع السياسي وتأجيل الديموقراطية. ولعل من أهم تلك الفزاعات هو القول بان البديل للنظام القائم هو الفوضى السياسية، أو القول ان البديل للنظام القائم هو التيارات الاسلامية المتطرفة. المقولة الأولى توجه الى الداخل لزرع الخوف وفكرة تفضيل الوضع الراهن، والمقولة الثانية توجه الى الغرب لدفعه لدعم الممارسات التي تستبعد الاسلاميين من السياسة. أثبتت ثورة 25 يناير خطأ الفزاعتين. فالأمن في مصر زاد بعد رحيل النظام حيث تبين أنه كان ضالعا في غرس روح الشقاق الاجتماعي والمذهبي بين كافة فئات المجتمع، بل كشفت عن ان النظام كان ضالعا في عمليات الاحتقان الطائفي بما في ذلك تفجير كنيسة القديسين. كما كشفت الثورة عن ان الذي حركها لم يكن هم الاخوان المسلمون. فقد شاركوا في الثورة مثلهم مثل باقي المواطنين المصريين، ولكنهم لم يتسلموا قيادتها. وفي أي انتخابات حرة سيحصلون على نصيبهم العادل من المقاعد البرلمانية. بل أثبتت الثورة ان استبعادههم في الانتخابات الأخيرة كان من الأسباب التي حرضت على الثورة. قارن ذلك بتجربة ماليزيا حيث يشارك الحزب الاسلامي الماليزي في العملية السياسية ويحصل على نصيبه من مقاعد البرلمان بل يحكم في بعض الولايات، ما أدى الى تأكيد فكرة الاستقرار والأمن القومي الماليزى. والغريب ان النظام الليبي لم يتعمل الدرس المصري أو التونسي، واتجه الى استعمال الفزاعات ذاتها، بل وزاد عليها فزاعة أمن اسرائيل بالقول أنه في حالة سقوطة فان تنظيم «القاعدة سيطول اسرائيل وهي ما يوضح المدى الذي يمكن ان تصل اليه بعش الأنظمة التي ترفع شعارات قومية، للحفاظ على كرسي السلطة. ولكن ثبت ان تلك الفزاعات ليس ذات جدوى بدليل ان الغرب لم يصدقها. (6) أما الدرس السادس للثورة المصرية فهوان التطور الديموقراطي هو بالأساس عملية داخلية تنبع أساسا من القوى الاجتماعية المحلية، وان دور العوامل الخارجية غالبا مايكون سلبيا أو على الأقل ثانويا في تأثيره. فقد استطاعت قوة المجتمع المدني العربية ان تنهي نظامين لم يكن أكثر المتفائلين يتصور امكانية سقوطهما بهذه السرعة. كما ان السقوط ان أتى بأقل التكاليف دون أي اقلال من قيمة أرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل انتصار الثورة. أما محاولة التغيير عن طريق الغزو العسكري، أو «الفوضى الخلاقة على غرار طريقة جورج بوش فانها قد تؤدي الى انتكاسات خطيرة لكل شعوب المنطقة. حدث التغيير دون استعمال العنف المسلح ودون استعمال أسلوب «الصدمة والترويع الذي تحدث عنه رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، ودون تدمير البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع بل ودون غرس النزعات الطائفية. في الحالتين المصرية والتونسية أدت الثورة الشعبية الى التلاحم الاجتماعي والمذهبي. ويمكن القول ان نجاح الثورتين التونسية والمصرية يمثل انتكاسة للمشروع الأميركي في دموقرطة المنطقة، ولمشروع الحركات الدينية المتطرفة التي تدعو الى التغيير بالعنف المسلح، كما أنه يتوج مشروع المقاومة السلمية من خلال القوى الداخلية.
(7) من ناحية سابعة فانه اذا قارنا بين التطور الزمني للثورة التونسية في ديسمبر سنة 2010، والثورة المصرية في يناير سنة 2010 نجد ان أثر العدوى أو الانتشار واضح تماما. كانت ظاهرة الانتشار موجودة في المنطقة العربية منذ الخمسينات في شكل امتداد الانقلابات العسكرية من دولة الى أخرى، ولكنها تعود اليوم في شكل انتشار الموجة الديموقراطية من دولة الى أخرى. فلاشك ان اصرار الثوار المصريين على اسقاط النظام كان متأثرا بنجاح الثوار التوانسة في اسقاط النظام في بلادهم. وقد سبق ان قلنا في مقالنا السابق في النهار ان الثورة التونسية ستمتد الى باقي الوطن العربي ورد علينا أنصار النظام المصري السابق رافضين هذا التوقع، قائلين ان مصر تختلف عن غيرها ولم تمر أيام حتى وقعت الواقعة. فالسلوك الانساني لايختلف الا في الدرجة. ونضيف الى ذلك أنه في الدول التي تميزت بانتشار الفجوات الاجتماعية وهيمنة الممارسات الدكتاتورية فان عدوى الموجة الديموقراطية امتدت اليها بالفعل، كما حدث في ليبيا و اليمن. ولعل الأنظمة الحاكمة في تلك الدول تعي الدرس التونسي والمصري وتجنب شعوبها ويلات المواجهات العنيفة والسقوط غير الكريم للأنظمة. ولكن الى أي حد سيتأثر النظامات الاقليميات العربي والشرق أوسطي بالتحولات السياسية العربية؟ هذا ما سنناقشه في المقال القادم.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

د عبدالوهاب محمد الظفيرى

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد