loader

تصغير الخطتكبير الخط العودة أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

نضج في الطرح وحرفية في التعامل مع رسم المشهديات السينمائية

اللبنانية نادين لبكي في فيلمها «وهلق لوين» تذهب بعيداً!


يوم بعد آخر تؤكد المخرجة اللبنانية نادين لبكي علو كعبها والنضج الفني في التعامل مع الحرفة السينمائية. وكأنها تريد ان تؤكد بانها البداية وهنالك المزيد والمزيد الذي سيرسخ مكانتها وحضورها السينمائي. وهي في عملها السينمائي الثاني وهلق لوين او والآن الى اين؟ تذهب الى مرحلة قصية لربما لم يبلغها الكثير من صناع السينما العربية على صعيد الشكل والمضمون. وقبل ذلك نشير الى ان نادين كانت قد تربت في رحم الفيديو كليب العربي. ولكنها لم تتوقف عند تلك المحطة بل تجاوزتها حينما قدمت عملها الروائي الاول كارميل او سكر بنات الذي عرض يومها في تظاهرة اسبوعا المخرجين وحصد جائزتها ومن قبلها اهتمام النقاد عالميا. وهذا ما طور علاقتها ايضا مع الكثير من المنتجين الذين فتحوا ذراعيهم لها. ولعل العمل الجديد هو حصاد كراميل والنتائج الكبيرة التي حصدها وهو يذهب الى موضوع اجتماعي بحت على خلفية الحرب الاهلية التي عاشها لبنان.

فى وهلق لوين تأخذنا نادين لبكي الى احدى القرى المعزولة في لبنان والتي تضم مزيجا من المسيحيين والاسلام كما هو شأن جملة القرى اللبنانية والضيعات والمدن والشوارع والازقة وربما البيت الواحد.

ويأتي الفيلم معتدا على سيناريو عامر بالشخصيات والاحداث والعلاقات وقد تعاونت نادين في كتابة هذا النص مع كل من جهاد حجيلي وردني الحداد.. والحكاية دائما من خلال السيدة امل نادين لبكي التي تمتلك مقهى صغيراً في تلك القرية التي عزلتها الحرب عن كل شيء ولكنها تظل دائما تترقب كل ما يحصل هنا او هناك في محيط القرى المجاورة او لبنان بكامله فكلما انطلق رصاصة هناك وضعت سيدات القرية يدهن على قلوبهن خوفا من تفجر الامر في قريتهم الهادئة. ولهذا يظل دأب سيدات القرية هو رفع الفتيل كلما تفجرت ازمة.

أمل المسيحية تظل عينها على الصباغ المسلم وهو في الحين ذاته يبادلها الشعور ذاته ولكن دائما هناك سبباً ما يفرقهما كنعاس للظروف التي تحيط بهما.

يتواصل اهل القرية مع العالم من خلال محورين الاول عبر صبي وصديقه يذهبان الى المدينة لبيع من انتجته القرية وشراء جميع الاحتياجات والجانب الآخر من خلال المذياع او تلفزيون قديم تم العثور على مكان في القرية يصل اليه البث التلفزيوني حيث نشاهد كماً من الحكايات والمفرقات ولكن حينما تأتي نشرات الاخبار تبدأ محاولات نساء القرية من اجل صرف الانظار لان تسريب اي خبر عن مواجهة مسلمة مسيحية تحوّل القرية الى بركان. ولكن حتى متى تفلح النساء في السيطرة على الامور. وهذا ما يجعل نساء القرية يبتكرن الحلول الواحد تلو الاخر. الا ان الامر لا يخلو من بعض المواجهات فحينما انزلق احد الصبية واضطر للامساك بالصليب في الكنيسة والذي انكسر امام ثقله ولانها لم يصرح بالامر اسندت التهمة الى المسلمين. وحينما دخلت بعض الاغنام الى المسجد لان الباب كان مفتوحا اسندت التهمة الى المسيحيين وهكذا عمليات لتبادل الاهتمامات كان تعمل على تصعيد الامور وتفجيرها الا ان النساء كن يجتهدن في نزع الفتيل وصب الماء على النار. هكذا كانت تمضي الايام حالة من الترقب والتوتر. رغم التعاون بين خوري الكنيسة وشيخ الجامع الا ان حالة التفجر تظل قائمة.

ويتفتق ذهن النساء في طرح كم من الحلول ومن بينها توجيه الدعوة لمجموعة من الراقصات الروسيات لعل الرجال ينشغلون عنهن لبعض الوقت وهذا ما يتم فعلا لايام عدة حيث يكون الجميع في خدمة تلك الفتيات. وبعد حين تعود المناوشات وهنا تبادر النساء الى خلط كمية من الحشيشة في الاكل والشرب حتى يفقد رجال القرية وعيهم ويتم في تلك الاثناء العثور على بعض الاسلحة المخبأة.. الا ان وفاة احد الصبية الذين يغادرون القرية يوميا من اجل جلب الاحتياجات نتيجة رصاصة احد القناصة يفجر الامر من جديد رغم انه لا علاقة لاهل القرية بالامر. وتعود النسوة للعمل على إطفاء تلك الحرائق التي تلوح بالافق... وحينما تجدن ان الابواب ستغلق امامهن تأتي الفكرة الاكبر حيث يتآمرن على ان تتحول كل منهن الى الديانة الاخرى بحيث تصبح المسيحية مسلمة حتى تهدأ البيت المسيحي وتكون هي الخصم فان اراد زوجها ان يثأر فليثأر منها وليس من الآخرين كما هو حال النساء المسلمات اللواتي تحولن الى مسيحيات في لعبة مشبعة بالسخرية والام القاسي الذي يدفع الانسان الى أن يتخلى عن دينه من اجل ان يحفظ سلام بيته وشارعه وقريته وبلده.

فيلم يقول الكثير بالذات في المشهد الاخير حينما يتجه اهل القرية لدفن الصبي المقتول ويجدون انفسهم في حيرة اين سيتم دفنه في الجانب المسلم او المسيحي وهنا يأتي السؤال من اجل البحث عن طريق جديد: وهلق لوين.. او الآن الى اين؟ سؤال كبير لعله السؤال المحوري في مستقبل لبنان والكثير من الدول التي تسترخي على نصل الطائفية وبركان التطرف وآتون رفض قبول الآخر. فيلم يذهب بعيدا الى مرحلة ابعد من حدود الصورة والحدث والشخصيات. وهذا ما يؤكد حالة النضج الفني الذي اشرنا اليه عند نادين لبكي التي ستواجه الكثير من المآزق المتطرفة من هذه الجهة او تلك والتي تبحث عن الهوامش دون ان تعي أننا امام خطاب رفيع المستوى وفعل سينمائي يرتقي الى مرحلة تجعله ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي. وهو امر ليس بالسهل كما يعتقد البعض.

في الفيلم كم من الاغاني الجميلة التي جاءت لتكون جزءا اساسيا من صلب الحدث والبناء الدرامي صاغ ألحانها الموسيقار اللبناني خالد مزنر. وهنا لا نريد ان نتوقف عند التمثيل لاننا كنا امام عفوية في الاداء بالذات اهل القرية حيث تم تصوير العمل والذين تسربوا ليصبحوا جزءا من السياق والنسيج العام للفيلم ما منحه مساحة من المصداقية. وإن كنت اود التوقف عند ذلك المشهد الخطابي الذي اطلقته أملى نادين لبكي في المقهى بعد الشجار الذي اندلع بين رجال القرية وبه الكثير من الاحساس بالالم وغياب المستقبل. مشهد كبير تطلب لياقة عالية في تقديمه وحمل كل مقولات العمل وهو البحث عن حل والتأكيد على مفردة: كفاية.. لقد تعبنا! في الفيلم احتفاء كبير بالمرأة اللبنانية المسيحية والمسلمة على حد سواء وفي الفيلم ترسيخ لدور المرأة العربية في لعب دور حقيقي في تأكيد السلام وحمايته من اجل مستقبل الابناء والاسرة والبلد. ومن هنا ايضا نرصد حالة النضج والعمق في الطرح والمعالجة. حيث الابتعاد عن التقليدية ولربما المباشرة الى حالة من العمق الفني والرصانة في الكتابة وتفجير طاقات فريق العمل فكانت المفردة اللحن وكانت الصورة في بهائها مدير التصوير كريستوف اوفنستين الذي رسم كماً من المشهديات السينمائية الثرية بلغة الصورة.

لا نريد ان نطيل..

ويبقى ان نقولة: برافو نادين لبكي.. ففى وهلق لوين تذهبين بعيدا في تأكيد حالة النضج السينمائي ومن هنا المدخل الى حيث العالمية.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد