مقابلات

تصغير الخطتكبير الخط العودة share
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
جمال مكي «صاحب نظرية العمارة التدويرية»
مطعم «الساحة» قرية لبنان التراثية تحكي حكاية الماضي بأسلوب شيق فريد
نهى أحمد حنيفة مقالات أخرى للكاتب

نبدأ معاً حكاية القرية اللبنانية وتفاصيل حياتها اليومية على ضوء قنديل شحيح يحاول نشر الضوء في أرجاء المكان وهو مطعم الساحة التقينا بالمعماري جمال مكي الذي ولد بالكويت وهو لبناني الجنسية حاصل على دبلوم دراسات عليا في الهندسة المعمارية عن مشروعه قصر الاكتشافات العلمية الحديثة عام 1987، ليخيرنا المزيد عن مطعم الساحة.

كيف بدات الحكاية؟

حين غادر جمال قريته باتجاه الكويت، ظلّ قلبه معلقاً بأذيالها، يشده الحنين لاسترجاع أيامها، ويؤرقه الشوق للسير في دروبها لكن أحلامه ضاعت حين صُدم بقريته مدينة بعد طول الغياب.

صمم مكي على استعادة قريته ورسمها كما كانت، فراح يجمع أدواتها وعناصرها وحجارة بيوتها المهدمة، وضّبها مع أمتعته ليأخذ على نفسه عهدا يعيد رسم هيكلية قريته التي كادت تندثر، ليجسدها في الفراغات المعمارية من القناطر الى الخان والسطحية والدكان والعلية والعرزال... فجاءت قريته متحفاً حيّاً للبيئة التقليدية بعمرانها وأنماط الحياة فيها والأدوات القديمة المستعملة في الأنشطة اليومية كافة.

قرية الساحة هي قرية لبنان التراثية تتوسط مدينة الكويت التي احتضنتها مشكورة بقلب أبنائها الكبير وعواطفهم الجياشة المتعطشة للانفتاح بل للتكامل مع شعب لبنان الذي أحبوه وأحبهم.

الساحة رمز التراث اللبناني؟

مشروع الساحة وُجد تيمناً بساحة الضيعة لأنّ الساحة هي في الأساس أهم عنصر من عناصر القرية اللبنانية لكونها المكان الذي يجتمع فيه كلّ أهالي القرية بصغارهم وكبارهم ليتشاركوا أفراحهم وأحزانهم وهمومهم ونشاطاتهم... وتتميّز الساحات القروية ببيوتها المتلاصقة وحوانيتها وقناطرها الكثيرة، فكانت الساحة بمثابة الصورة التي عبّر عنها الأديب اللبناني الراحل أنيس فريحة في كتابه القرية اللبنانية حضارة في طريق الزوال.

المطعم عبارة عن قرية صغيرة كادت تندثر تحكي لك تفاصيل القرية القديمة تغري بالاستقالة من العصرنة والحداثة: ففيها بيت الفلاح اللبناني، وهناك الساحة حيث يجتمع أهالي الضيعة ويحيون ليالي السمر، وهنالك القلعة التي كان يسكنها النواطير لحراسة القرية من الغزوات واللصوص، إضافة إلى العلّية والبركة والسطحية والحارات والقبو والسوق القديم. 

ولعل ما يسرق العين هو توظيف بعض أدوات القرية في إطار بصري رائع يخدم المشهد العام، كأن يتحول النورج الى ثريات وطاولات وأبواب ونوافذ، والخوابي الى قمريات تدخل النور والهواء الى الغرف، والطناجر إلى حافظة للمصابيح، ودواليب الحنطور الى ثريات، والمندلونات الى نوافذ، وآلات الخياطة سنجر الى طاولات وموائد. 

ولعل ابرز ما يتبادر إلى ذهن زائر المكان هو سؤال حول كيفية توفير هذه الأدوات والعدة، وتجميع حجر صخري تشكل الواجهة الخارجية للمشروع، وكيفية تحويل هذا المكان الى قرية نموذجية.

وعند دخولك المكان سوف تشعر وكأنك سافرت على متن رحلة من نسج الخيال أو كأنك سافرت على بساط الريح.. ديكور داخلي من الحجارة، على الجدران والأرضية المرصوصة من حجارة صغيرة تشكل نقوشات ورسومات، والقناديل تتدلى من الأسقف، ففي كل زاوية فكرة تجسد القرى اللبنانية، وفي الخلفية يصدح صوت الأسطورة فيروز.

ما هي الساحة ؟

قرية لبنان التراثية تعرف عن نفسها مشروعا ولد من رحم التراث وتربي على صون البيئة ونما على تأكيد الهوية ليشب قرية لبنانية بامتياز وجمع فلول القرية البلدات وضبها مؤونه معمارية وأعاد تدوريها ليوظفها فى البناء بما يتناسب مع تطلعات العصر عمارة بيئية تراثية تقليدية تؤكد الهوية العربية الإسلامية وتقلب الموازين لتغزو القرية المدينة وتتربع فيها متحدية الغزو الثقافي والعمارة المستوردة والكتل الأسمنتية والحجارة الصماء التحى تزحف إلينا لتقضم تراثنا وتطمس معالم تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا.

ما سبب عمل مشروعك بالكويت؟

تنوعت محطات الساحة لكن للكويت مكانة لدينا تشكل خاص ولدى اللبنانيين بشكل عام، فهي نقطة التقاء ومحور الخير والتعاون لما تحتضن من أخوة وأعزاء وأهل أشقاء تركوا بصماتهم جلية في لبنان عموماً وفي مؤسسات جمعية المبرات الخيرية خصوصاً وكانت لهم مكانة خاصة عند سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله رضي الله عنه وأرضاه كيف لا وهم ولها عندي منزلة خاصة أيضا فانا من مواليد الكويت ولى فيها ذكريات وحنين إلى طفولتي الأولي من الرعيل الأول في مسيرة الخير والعطاء ناهيك عن كونها بلد الثقافة والانفتاح والتقدم والرقي.

ماذا عن المشروع؟

مشروع الكويت جاء مميزا ومتقنا فهو المشروع الخامس بعد لبنان وقطر والسودان ولندن وقد تمت الاستفادة في بنائه من خبرات بناء المشاريع كما روعيت في تنفيذه معايير الصحة والسلامة لناحية تصميم المطابخ فيما يسمى مبدأ السير إلى الأمام كذلك طريقة توزيع الأقسام بالإضافة إلى اعتماد تجهيزات متطورة تتناسب مع الأنظمة الحديثة لتتجمع معا في منتج سليم وآمن لزبائنا وزوارننا.

بما يتميز المطعم؟

حوّلت المطعم إلى معلم ثقافي وسياحي عالمي. عندما تطأ قدماك هذا المكان وتتأملّ عيناك هندسته وتسمع أذناك سيرته العابقة برائحة التاريخ والتراث والجذور، تنفرج أساريرك ويغدو الزمان فرساً يحملك الى الوراء حيث تلتقي الأصالة بالحنين والعراقة بالمودّة والبساطة بالجمال... تنبثق من حكاية الساحة كلّ معاني المحبة والألفة والوفاء لتدلّ على أنّ هذا المكان الاستثنائي في تاريخه وجغرافيته ليس سوى سر من أسرار الزمان الذي ولّى دون رجعة.

يتصف المكان ببراح واسع جدا وتم تقسيمه بشكل ذكي جدا للاستفادة من كل المساحة المتوافرة، وفي الوقت نفسه لتأمين الخصوصية للزوار، فالسقف هو عبارة عن قطع من الخشب قديمة، والأرضية من الموزاييك، وتم جلبها هي الأخرى من بيوت لبنانية قديمة، وهي أشبه ببساط ملون يتوسط حجارة بيضاء تم استعمالها في كل أرجاء المكان وعلى الجدران، وتقسيم المكان بطريقة هندسية، فتحت كل قنطرة جلسة مختلفة، منها التي تحوي مقاعد تكسوها الأرائك الحمراء التقليدية مع المندلون الأثري على الجدار ليشكل روعة حقيقية في التصميم. 

وتم استخدام الإنارة الخافتة في ثنايا وزوايا المكان، وجميع الطاولات مميزة ويختلف بعضها عن بعض من حيث الشكل ولكن معظم قواعدها استعملت فيها ماكينات الخياطة الحديدية التي كانت توجد في الماضي في كل بيت لبناني وغالبا ما تكون من ماركة سينغر، وبين القسم والآخر تقف أبواب أثرية من الخشب تحمل عليها عبارات بالعربية، إضافة إلى جمالها وإعطائها رونقا خاصا للديكور، إلا أنها تقوم بتحويل المكان إلى عدة أقسام. 

كما توجد الأسماء التي أطلقت على كل قسم وجلسة من المكان، فهناك حارة باب إدريس، وزقاق البلاط بالإضافة إلى أسماء شهيرة أخرى معروفة في بيروت، ولم ينس مصمم ومنفذ الديكور زاوية المعلم أغوب الأرمني.

من أين أتت الفكرة؟

فكرة المشروع عبارة عن إعادة رسم هيكلة القرية التي اندثرت أو كادت تندثر وجسدها في فضاءات وفراغات معمارية من القناطر والخان والسطحية والعين إلى الساحة والزوارب والعلية إلى البيوت المتلاصقة تحاكي تلاصق أهل القرية وتلاحمهم إلى الساحة مجتمع الأهل والأحبة إلى المقتنيات والأدوات اليومية المستعملة في حياة أهل القرى والتي تمكن المتجول في أنحائها من قراءة التاريخ بأسلوب مختلف جديد سير الحياة اليومية للقرويين ومعاينا أدواتهم المستعملة في عملهم وبيوتهم على السواء.

كيف بدات؟

بدأت الفكرة منذ 8 سنوات في لبنان، وهدف المشروع هو نشر الثقافة اللبنانية وتقديم الأكلات اللبنانية في قالب قروي، ففي لندن توجد عدة مطاعم لبنانية، إلا أن مطعم الساحة يختلف عن باقي المطاعم، فهو يتعدى كونه مجرد مطعم يقدم الأطباق اللبنانية المعروفة عربيا وغربيا، فالهدف هو تقديم أكلات الأمهات والجدات التي تحتوي على النكهة والطزاجة والمكونات الجيدة.

ما المقصود بقراءة التاريخ باسلوب مختلف؟

خطوة واحدة كفيلة بنقلك الى عالم مختلف والنظر الى بناء قاوم الزمن بحجارته العتيقة وأدواته المستهلكة المهملة التي تحولت الى تحفة فنية داخل المطعم ورسالة هوية ودعوة مفتوحة الى الاستفادة من ذلك المخزون الثقافي الآيل إلى الزوال ومن خلال جولتك داخل الساحة تشم عبق التراث المنبعث من زوايا المكان الذي يحدثك عن الماضي والتاريخ والحضارة تلك الساحة ما هي إلا كنز يبهرك حين النظر إليه والى الهندسة المعمارية المبدعة فالساحة بنيت على اساس وقواعد ضمنت لها الاستمرارية والنجاح.

ما هي هذه القواعد أو الأبعاد؟

الساحة لم تكن كذلك سوى لأنها اتخذت لنفسها أبعاداً أرست عليها قواعدها هذه الأبعاد هي التي رسخت دعائمها في منطقة لا تتمتع بالمواصفات الجمالية التي يحتاجها مشروع سياحي من إطلالة على بحر أو جبل أو ما شابه لتحيا المنطقة بالمشروع ولا يحيا المشروع بالمنطقة دون أن ننسى أن الانطلاقة الأولى من بيروت في منطقة كانت تستعمل في السابق مكباً للنفايات وتحولت من خلال الساحة إلى منطقة تضج بالحياة.

أما الأبعاد فهي:

البعد الثقافي

تتمتع الساحة بلمسة ثقافية تراثية جلية معالمها في تفاصيل المشروع تخلق عوامل تفاعلية بين الإنسان والتراث يجمعها ويوجهها الحنين إلى الماضي وهو ما حاولنا ترجمته معماريا برفع شعر ( لأول مرة ) القرية تغزو المدينة بحب وحنين.

البعد المعماري

تسليط الضوء على عمارتنا لأنها المرآة التي تعكس ثقافة المجتمعات على امتداد العصور وكونها المحور الأهم الذي يستقطب المقومات الحضارية للأمم والشعوب حاملة بين طياتها الفنون التشكيلية والموسيقية والمسرحية حيث انه الحيز الذي يحوي الإنسان في حركته الداخلية والخارجية وأيضا هي ملتقى العلوم الهندسية والفنية لتستحق عن دارة أمومتها للفنون إذا التزمت خط الأصالة وحفظت أمانة التراث.

البعد التراثي

تأكيد ارتباط الأصالة بالمعاصرة دون اغتراب لنستمر بها من الماضي إلى الحاضر وصولاً للمستقبل.

البعد البيئي

اعتماد مبدأ العمارة التدويرية التي تقوم على تجميع المقتنيات الأثرية القديمة ومخلفات الأبنية المهدمة وإعادة توظيفها في مجال البناء كما تجسيد عمارة Green Building.

البعد الإنساني

يعود ريعها للأيتام ومؤسسات جمعية المبرات الخيرية وهي تقوم بتوظيف ذوي الاحتياجات الخاصة.

البعد الاجتماعي

ملتقى كافة شرائح المجتمع على اختلاف انتمائهم وتطلعاتهم ومستوى المعيشة في جو عائلي حميم تسوده الألفة والمحبة والاحترام.

البعد الاقتصادي

يشكل المشروع رافدا إنتاجيا مهما وتظهر أهميته الاقتصادية من خلال بناء نفسه بنفسه وفتح فرص عمل لأكثر من 250 موظفاً بالإضافة إلى عودة نسبة من انتاجه لمؤسسات جمعية المبرات الخيرية إنه مشروع لكل المجتمع.

البعد الصحي

حملت الساحة قرية لبنان التراثية من صحة وسلامة الغذاء فجازت شهادة الايزو 22000:2005 في صحة وسلامة الغذاء لضمان تقديم منتج سليم يرضي الزبون.

البعد السياحي

لقد شكلت كل الأبعاد التي قامت على أساسها الساحة مجتمعة تعزيزا ومساهمة فعالة لقطاع الخدمات السياحية بأنواعها المتعددة من ثقافية وترفيهية واجتماعية.

ما هي الطريقة المميزة في تحضير الطعام في الساحة؟

النظام الذي يتبع في أي مطبخ تابــع للساحــة هـــو تحضير المأكولات فــي وقتها (A La Minute)، وإن كان هذا الأمر لا يروق لبعض الزبائن الذين يتأففون من فترة الانتظار التي تصل في بعض الأحيان إلى 15 دقيقة، ولكن وبعد تذوق الأطباق يدرك الزبون أن الانتظار مهم للحصول على طبق طازج.

ما هو الأثر الذي تركته الساحة في المجتمعات المحلية والإقليمية والعالمية؟

الفروع التي تم افتتاحها منذ تأسيس الفرع الأول إلى اليوم والصدى الايجابي الذي لاقته في مختلف البلاد التي حلت فيها دون أن ننسى حيازتها لشهادات معمارية متميزة منها شهادة من جائزة منظمة الدول العربية لدورة الثامنة عن المشروع المعماري تقديرا للجهود المبذولة فيه والذي يعتبر عما عبر القيمون على الجائزة شاهدا على جدوى العمارة العربية الإسلامية وقيمتها في التطور والتنمية كذلك شهادة أفضل عمارة فندق Best Hotel Architecture وأفضل فندق صغير من حيث الإنشاء والتصميم New small hotel construction and design وقد نالها فندق الساحة لبنان International Hotel A wards لندن في شهر كانون الاول 2011.

كلمة اخيرة؟

أحب أقول: إننا نتطلع إلى المستقيل بعين ساهرة وجهود سباقة لا تحدها الحدود والمسافات ولا تقف عنده الأوقات فريقنا يعمل صباح مساء على تقديم الأفضل في مختلف النواحي الخدماتية والتنظيمية والصحية كما الإنسانية بما يتناسب والتطلعات الحديثة والاحتياجات المجتمعية.

هذا من ناحية ومن ناحية ثانية نقوم بمتابعة تأسيس فرع جديد للساحة بالعراق وتحديدا بغداد الكاظمية وهو مشروع كبير يضم أسواقا تجارية ومطاعم متنوعة وفندقا مع خدماتهم المختلفة كما إننا نستقبل طلبات الراغبين في الحصول على فرنشايز للساحة في مختلف أنحاء العالم منذ بداية 2011.

وأحب أنوه بأن فريق العمل في سباق مع الزمن لتعميم فكرة الساحة كاستثمار في التراث العمراني وإحياء للهوية العربية الإسلامية في مختلف البلدان والبقاع كسياحة إسلامية ملتزمة وأنظمة عالية الجودة.



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

النهار الاقتصادي

أطلقت شعارها «زهرة العرفج» لتؤكد تأصلها في أرض الوطن وتطلعها الدائم للأعلى
«وربة للتأمين» تطل على الكويت بحلتها الجديدة

تمكنت شركة وربة للتأمين، احدى الشركات الرائدة في مجال التأمين محلياً وواحدة من اربع شركات وطنية داخل الكويت، من تكليل استراتيجيتها الخاصة باعادة  ...

المزيد

برلمانيات

«التحقيق بالإيداعات» واجهت النصف وممثلي «البنك»
البراك: مسؤولو المركزي حجبوا المعلومات عن اللجنة وإجاباتهم مبتورة

أكد رئيس لجنة التحقيق في قضية الايداعات المليونية النائب مسلم البراك ان البنك المركزي متحفظ في اعطاء اللجنة المعلومات والبيانات الدقيقة حول هذه  ...

المزيد

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية