متابعات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
منع الديموقراطية: سياسة التحالف ما بين الولايات المتحدة ومصر

لايزال كتاب جيسون براونلي المعنون السلطوية في عصر الديموقراطية والصادر في نهاية عام 2007 مُحتلاً للمرتبة الأولى لدى الباحثين والأكاديميين المهتمين بثورات الشرق الأوسط، فهو أولى الإصدارات التي تناولت كيفية تخفي بعض الأنظمة الاستبدادية في زي الديموقراطيات من خلال إجراء انتخابات وهمية، وهو ما ساعد على استمرار هذه الأنظمة لعقود من الزمن من أمثلة مصر وماليزيا تحت شعار تعزيز الديموقراطية.

ويُؤكد براونلي على أن هذه الأنظمة ادعت الديموقراطية الظاهرة بينما هي في حقيقة الأمر كانت تعرقل مسار الانتقال الديموقراطي الحقيقي للسلطة وتؤسس للحكم الاستبدادي بنخبته المتواجدة آنذاك على الساحة، محاولةٍ مقاومة التغيير بكل الطرق الممكنة وهو ما أطلق عليه براونلي الموجة الثالثة من التحول الديموقراطي.

وفي خضم الجدل المُثار حالياً تعثرت مسيرات التقدم الديموقراطي في دول الربيع العربي وبخاصة التجربتان التونسية والمصرية باعتبارهما السابقتين في اتخاذ خطوات حقيقة نحو الديمقراطية، وبخاصة الحالة المصرية والتي يسيطر على المشهد السياسي بها الإسلاميين في مواجهة مع المدنيين أو الليبراليين واتهام كل طرف منهما للآخر بمحاولة اختطاف الثورة والحصول على مساندة ومباركة الدولة الأكبر في العالم الولايات المتحدة لخدمة مصالحها في المنطقة.

يُطل علينا جيسون براونلي بكتابه الجديد منع الديموقراطية: سياسة التحالف ما بين الولايات المتحدة ومصر مٌعتمداً فيه على جمع العديد من الأدلة الأرشيفية والوصول لجميع المصادر المتاحة عن علاقة الولايات المتحدة ومصر ومنها ويكليكس، وكذا إجراء العديد من المقابلات مع صانعي القرار في كل من الولايات المتحدة ومصر، للوقوف على حقيقة الوضع الراهن في مصر باعتبارها حليف استراتيجي للولايات المتحدة وكيف أعاق هذا التحالف مسيرة التحول الديموقراطي لعقود من الزمن وعزز من الحكم الاستبدادي بها.

المواءمة السياسية للجيواستراتيجية الأميركية قبل 25 يناير

يرصد براونلي في الجزء الأول من كتابه العلاقة بين البلدين على مدى العقود الماضية، بداية من التوقيع على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مروراً بأن القاهرة أصبحت أحد الحلفاء الاستراتيجيين لواشنطن في المنطقة في أعقاب هذه المعاهدة، وانتهاء بملامح العلاقة في الوقت الحاضر وبشكل أكثر دقة حتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ونجاحها في الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك. ويؤكد براونلي على أن تعزيز واشنطن للقيادة المصرية تمركز بالأساس على ثلاثة مجالات رئيسة هي: الدفاع الوطني، استقرار الاقتصاد الكلي، والقمع الداخلي.

فمنذ توقيع معاهدة السلام على المستوى الرسمي بين مصر وإسرائيل، وقد تسنى للقاهرة الحصول على الكثير من المساعدات منذ عام 1979 والتي تُقدر بنحو 60 مليار دولار أميركي في شكل مساعدات مباشرة وغير مباشرة، وتمثل الهدف الأساسي من هذه المساعدات والغير مُعلن في تأمين مصالح الولايات المتحدة الرئيسية في المنطقة، الحفاظ على أمن إسرائيل، وإقامة علاقات قوية مع المُنتجين للنفط في منطقة الخليج، وهو ما أطلق عليه براونلي المواءمة المصرية للجيواستراتيجية الأميركية في المنطقة.

وفي المقابل قدمت الولايات المتحدة للقاهرة العديد من المساعدات بداية من المساعدة في مكافحة الإرهاب الإسلامي، مروراً بتقوية أسس النظام القائم والعمل على إبقائه باعتباره نظام ديموقراطي يحاول الحفاظ على حقوق الإنسان. وهو الذي لم يكن في حقيقته سوى نظام استبدادي يرتدي زى الديموقراطية من خلال هيمنة النخبة الحاكمة وسيطرتها على مقاليد الحكم السياسية والاقتصادية.

ويؤكد براونلي في هذا السياق على أن الولايات المتحدة في الوقت الذي تنادي فيه بضرورة إرساء قيم الديموقراطية وقيم حماية حقوق الإنسان، فإنها لا تتوانى عن التذرع بهذه المثاليات واستخدامها كستار بما يحقق مصالحها الاستراتيجية ومصالح حليفتها إسرائيل لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة حتى وإن قامت بتلفيق الواقع وربما أحياناً حقائق الماضي والمستقبل لتحقيق مصالحها.فخطابها الدائم عن نشر الديموقراطية وإرساء حقوق الإنسان، لا يتطابق دائماً مع أعمالها، وإنما يتم تطويعه بحسب الهدف الحقيقي ورائه وليس بالمُعلن للكافة. يقدم براونلي مثالاً على ذلك من واقع السنوات الأخيرة في حكم مبارك إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في يناير 2009 فيما أُطلق عليه عملية الرصاص المصبوب والذي شهدت القاهرة في أعقابه حركة مظاهرات واسعة المدى نظمتها حركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير) والتي يصفها براونلي ببزوغ نجم المعارضة الحقيقية لنظام مبارك وسياسته مع الولايات المتحدة الأميركية والتي بدراستها توصل إلى ما تبغيه المعارضة في مصر (من إرساء قيم التحول الديموقراطي الحقيقي، وحماية حقوق الإنسان، استعادة مصر لدورها ومكانتها الإقليمية في الوساطة لحل الوضع المتفاقم إزاء القضية الفلسطينية) خاصة مع انتقادهم المتزايد لسياسات مبارك الخارجية والموائمة مع الولايات المتحدة، بدلاً من اتخاذ موقف واضح ضد العدوان الإسرائيلي على غزة وما يمثله من انتهاك صريح لحقوق الإنسان التي تنادي بها الولايات المتحدة. وهو ما كان ينذر من وجهة نظر براونلي بعدم قدرة استمرار النظام القائم إلا لفترة قصيرة وسرعان ما سينهار مع بزوغ فجر المعارضة الحقيقية على الأراضي المصرية.

تضارب السيادة الشعبية والاستراتيجية الأميركية في أعقاب 25 يناير 2011:

في أعقاب قيام ثورة 25 يناير 2011 ونجاحها في إسقاط النظام الحاكم بقيادة الرئيس السابق حسني مبارك، أشاد الرئيس الأميركي باراك اوباما بالثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس مبارك وأجبرته على الاستقالة في 11 فبراير من العام ذاته. ولكن المُتتبع لموقف الولايات المتحدة منذ بزوغ الشرارة الأولى للثورة في مصر سيجد أنها لم تساندها في البداية وأن تأييدها للديموقراطية جاء متأخراً - بحسب براونلي - والسبب في ذلك وفقاً له يرجع إلى مناهضة الولايات المتحدة للديموقراطية الشعبية والسيادة الشعبية وهو ما يناهض مصالح الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في المنطقة.

كانت رؤية الولايات المتحدة آنذاك تتمحور حول الانتقال المُنظم للسلطة إلى أحد المُقربين من النظام السابق لضمان الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وكان التفسير غير المُعلن من جانب واشنطن يقوم على أساس أنه في الوقت الذي يحدد فيه الاقتصاد ثم الأمن السلوك الانتخابي للفرد في الولايات المتحدة، فإنه على العكس من ذلك سيكون السلوك الانتخابي للمواطن المصري إذا ما عُقدت انتخابات حقيقية سيكون الأمن على رأس أولويات هذا المواطن والتي يأتي في مقدمتها في حالة السيادة الشعبية القضية الفلسطينية خاصة ومع الرفض الشعبي للتطبيع مع إسرائيل وكان التطبيع على المستوى الرسمي للدولة فقط. وهو ما يهدد أمن إسرائيل في المنطقة، ويعزز من رؤية واشنطن بوصول أحد المقربين للنظام السابق لسدة الحكم في القاهرة.

فمن أحد احتمالات إقامة انتخابات حرة قدرة التيارات الإسلامية على الوصول لسدة الحكم والتحكم في مقاليد الأمور في الدولة المصرية وهو ما قد ينتج عنه التحرك بمقاليد الأمور في اتجاه لا ترضاه الولايات المتحدة الأميركية وهو ما عبر عنه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا إدوارد جيرجيان أن الولايات المتحدة لن تقبل رجل واحد، صوت واحد، ولو مرة واحدة.

ويحمل هذا التصريح في مضمونه إشارة إلى أن الحركات الإسلامية سوف تستخدم الديموقراطية للاستيلاء على السلطة ثم إغلاقها على نفسها فقط وهو ما يعتبر تحديا خطيراً للديموقراطية الناشئة في مصر، وعلى صعيد الولايات المتحدة سيكون عليها التأكد من توجيه النشاط السياسي الإسلامي نحو التفضيلات التي تريدها والتي يأتي على رأسها الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

ويحذر براونلي من أن النُخب على جانبي العلاقة المصرية - الأميركية سوف تحاول الحد من تأثير تحول مصر نحو الديموقراطية الحقيقية، للحفاظ على مصالح كل منهما.

بقلم جيسون براونلي



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات  

الأولى

النائب الأول يعود غداً

يعود النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود إلى البلاد غداً الاربعاء عقب رحلة علاج في الخارج أجرى خلالها فحوصات طبية تكللت  ...

المزيد

الأولى

السفير الإيراني لنظيره الأميركي: تصريحاتك واهية!!

أكد السفير الايراني لدى البلاد روح الله قهرماني ان ايران لم ولن تتدخل في الشؤون الداخلية لاي من دول الجوار العربي، وأبدى قهرماني في بيان صحافي  ...

المزيد

الاخيرة

التحقيق مع باسم يوسف بتهمة إهانة مرسي

أصدر النائب العام المصري المستشار طلعت عبد الله أوامره إلى النيابة المختصة، بالتحقيق مع مقدم برنامج «البرنامج» على قناة «سي بي  ...

المزيد

النهار الاقتصادي

أكدوا أن السوق ينتظر عمليات جني أرباح تؤسس مستويات جديدة
خبراء: سيطرة المضاربات وسط زخم الشراء على الأسهم الصغيرة

أجمع خبراء اقتصاديون على أن العمليات المضاربية مازالت مستمرة في قيادة دفة تداولات سوق الكويت للأوراق المالية (البورصة) وسط زخم الشراء على الأسهم  ...

المزيد

النهار الاقتصادي

في تقرير حول أداء المصارف خلال النصف الثاني من 2012
6.13 % نمو الأصول النقدية لدى البنوك المحلية

نمت الاصول النقدية والارصدة للبنوك المحلية مع بنك الكويت المركزي بمقدار 9 مليارات دولار وبنسبة 6.13 % في المتوسط خلال النصف الثاني من العام الماضي  ...

المزيد

متابعات

مصر في عصر «الإخوان» .. الاستعانة بالمرشد لتحديد جلسات «الشورى»!

في واقعة هي الأولى من نوعها في مجلس الشورى تقدم حسين زايد النائب عن حزب الوسط بطلب رسمي لأمانة المجلس يطالب فيها الاستعانة بالدكتور محمد بديع المرشد  ...

المزيد

متابعات

منع الديموقراطية: سياسة التحالف ما بين الولايات المتحدة ومصر

لايزال كتاب جيسون براونلي المعنون «السلطوية في عصر الديموقراطية» والصادر في نهاية عام 2007 مُحتلاً للمرتبة الأولى لدى الباحثين  ...

المزيد

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية