متابعات

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
سياسة المسلمين بلا «دولة إسلامية».. هل يصلح «العدالة والتنمية» التركي نموذجاً للإسلاميين العرب؟

قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في سبتمبر 2012 في كلمة خلال الاحتفال الخاص بمرور عشر سنوات علي وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم لقد أظهر حزب العدالة والتنمية للجميع بأن الديموقراطية يمكن أن تعمل بشكل جيد جداً في دولة يمثل المسلمون فيها أغلبية السكان.

وقد أكد العديد من المحللين السياسيين أن النموذج التركي هو مثال يحتذى به لكل الدول الإسلامية كنموذج للحكم حتى أن هناك من روج لفكرة النموذج التركي وعلى رأسهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة ، وكذا المفكر الإسلامي طارق رمضان، وفي استطلاع أخير للرأي في القاهرة فقد رجح ما يقارب من نسبة 44 في المئة من المصريين ضرورة أن تحذو القاهرة حذو تركيا وفرنسا في نظامها السياسي، وقد سجل نفس الاستطلاع 8 في المئة في دولة خليجية كبرى بينما سجل في إيران نسبة 1 في المئة فقط.

ويُستدل من هذه النتيجة بأن فكرة النموذج التركي تلقى قبولا في العالم العربي ولها صدى كبير في التأييد في أعقاب موجات ما يسمى بـ الربيع العربي التي اجتاحت الدول العربية منذ ديسمبر 2010.

فقد تم اقتراح نموذج حزب العدالة والتنمية وتبنيه من قبل القوى السياسية في كل من الغرب والشرق الأوسط التي تخشى من أن يتحول الإسلاميون العرب إلى الإصدار السني من الدولة الإيرانية، وأن تتجه هذه الأنظمة نحو التعصب والسلطوية ومناهضة الغرب، ومن ثم فقد أصبح التحدث عن النموذج التركي هو الموضوع الغالب على المناقشات في أروقة المؤتمرات والتحليلات المختلفة عالمياً وإقليمياً بتبني فكرة مفادها أن حزب العدالة والتنمية نجح في ممارسة الديموقراطية السياسية الصحيحة بمختلف آلياتها دون إقامة دولة إسلامية، وإنما دولة دستورية أعلنت أن الشريعة مصدر للقانون. ومن هنا كان نجاح الحزب وقبول فكرة محاكاته من جانب الأنظمة الإسلامية العربية في أعقاب موجات الربيع العربي.

بهذه المقدمة يستهل أحمد كورو الزميل الزائر في مركز بروكينغز الدوحة والأستاذ المشارك للعلوم السياسية في جامعة ولاية سان دييغو ورقته التحليلية عن النموذج التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية مُستعرضاً المقصود تحديداً بالنموذج التركي، ومدى إمكانية تطبيقه في الدول الإسلامية العربية، والتحديات التي تقابل تطبيق مثل هذا النموذج، مُستنداً في ذلك إلى خبرته التحليلية ودراسته المتعمقة للنظام التركي وبخاصة في كتابيه السابقين: الديموقراطية والإسلام والعلمانية في تركيا والسياسات العلمانية والدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا والحاصل على جائزة الكتاب المميز عن كتابه الأخير.

النموذج التركي وإمكانية تطبيقه:

عندما يثار مصطلح النموذج يذهب بعض المحللين والممارسين للعبة السياسية إلى أنها بمثابة النسخ أو الاستنساخ للنموذج المراد تطبيقه، وفي هذا الإطار يوضح الكاتب أنه يجب الأخذ ببعض النقاط في عين الاعتبار لتجنب الارتباك المفاهيمي المصاحب لمحاولة تطبيق النموذج التركي، وتتمثل هذه النقاط فيما يلي:

أولاً: مصطلح النموذج لا يعني الاستنساخ وإنما المقصود به هو أنه من الممكن أن يكون بمثابة إلهام للدول العربية المجاورة دون أن يستلزم ذلك الالتزام به حرفياً هو نموذج ذو إطار استرشادي.

ثانياً: عندما يعتد بتجربة ما ويرى القائمون على النظام تطبيقها، لا يعني ذلك تكرار التجربة بكامل خطواتها، وإنما الاستفادة من المنتج النهائي للتطبيق خاصة مع اختلاف المدخلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية لكل مجتمع عن الآخر، وبالأخذ في الاعتبار التطبيق بطريقة المخرج النهائي سيؤدي ذلك بالضرورة إلى التعاون ما بين الأنظمة المختلفة وتفاعلها ولن يكون هذا بمثابة عائق أمام تطبيق التجربة.

ثالثاً: تطبيق النموذج لا يعني تصديره وإنما انتقال الأفكار وتبادلها من خلال القنوات المؤهلة لذلك سواء عن طريق الأحزاب السياسية أو المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام ومن ثم المقصود في هذا السياق هو التبادل الثقافي والسياسي الأوسع والذي يمتد إلى ما أبعد من العلاقات السياسية الخارجية للأنظمة.

وتعتبر تركيا نموذجاً فريداً من نوعه من حيث شكل العلاقات المدنية العسكرية في البلاد وقوة تقاليدها العلمانية في الوقت ذاته، فمؤسسة الجيش التركي تتمتع بالثقل والثقة من جانب مختلف القوى السياسية من خلال الجمع ما بين العلمانية اسمياً لدولة ومجتمع ذي أغلبية مسلمة، وهو ما يعتبر مؤشرا على اعتدال التيار العلماني بالإضافة إلى تنامي الاتجاه نحو تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية وتبنيها في مناحي الحياة العامة بين أفراد الشعب، وهو ما يدلل على تفرد النموذج التركي مقارنة بنماذج استثنائية أخرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا. فالنموذج التركي يعتبر نموذجاً للإسلاميين في العالم العربي فهو يمثل التطبيق العملي للسياسة التي تستند لأسس ومبادئ الإسلام، وفي نفس الوقت التوافق مع العلمانية السلبية.

النموذج التركي ما بين مبادئ الإسلام والتفسيرات المتعددة للعلمانية:

تعتبر دعوة رئيس الوزراء التركي أردوغان إلى دولة علمانية في الدول العربية هي الرسالة الأكثر إثارة للجدل منذ سبتمبر 2011 والتي بدأها حينذاك في القاهرة وشدد في أحد المقابلات التليفزيونية على أن هناك تفسيرات متعددة للعلمانية من خلال تعريف حزبه للدولة العلمانية على أنها محايدة تجاه جميع الجماعات الدينية، وأشار إلى إمكانية تطبيق هذا المفهوم في المجتمع المصري الذي يشهد عملية تحول ديموقراطي جذرية فالدولة العلمانية بالمفهوم التركي تضمن الحرية الدينية والعقائدية فالدولة يجب أن تحمي حتى الملحدين من مواطنيها.

وقد أشار إلى إمكانية تطبيق نفس المفهوم في كل من تونس وليبيا. ومن أجل توضيح الصورة فإنه يجب تحديد نوعين من العلمانية، الأول العلمانية الحازمة والتي تتطلب من الدولة أن تلعب دوراً نشطاً في استبعاد الدين من المجال العام وجعله شأناً خاصاً ومن الأمثلة على ذلك فرنسا والمكسيك وحتى وقت قريب تونس. الثاني العلمانية السالبة والتي تتطلب تمكين الدولة من القيام بدور سلبي في استيعاب الرؤية العامة للدين ومن أمثلة هذا النموذج الولايات المتحدة وهولندا والسنغال.

يلاحظ أن النوع الأول من العلمانية كان هو المسيطر علي تقاليد الأمور في القرن الماضي وبوصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم فقد نجحت القوات الموالية للإسلام من خلال الحزب وحركة غولين في تحريك تركيا نحو العلمانية السلبية ونجاح أفرادها في الانتخابات والدفع بهم مرة أخرى إلي المجتمع المدني ووسائل الإعلام للترويج للمبدأ والعمل على تفعيله وإنجاحه.

والدولة العلمانية تقوم على محورين أساسيين هما: ألا تحل المؤسسة الدينية محل المؤسسات التنفيذية والتشريعية والهيئات القضائية للدولة، وثانيهما ألا يكون هناك دين رسمي للدولة والذي يعتبر أول إجراء حاسم لمبادئ السيادة الشعبية الديموقراطية والتمثيل والمساءلة.

وبالنسبة للإسلاميين العرب فإنهم إذا ما قاموا بإحلال المؤسسات الدينية غير المنتخبة مكان السلطات التشريعية فسوف يحد هذا من القدرة على التشريع الذي هو آلية هامة لأي نظام ديموقراطي ومن ثم إسباغ الدور الدستوري على أعمالها وهو ما يمثل ضربة كبيرة للمبادئ الأساسية للديموقراطية.

وبالانتقال الى الدول العربية يؤكد الكاتب على أن مفهوم العلمانية له دلالات سلبية ويرجع ذلك إلى تاريخ الأنظمة الاستبدادية العربية، ومن ثم فإنه من الممكن الترويج للنموذج وإطلاق مصطلحات أخرى عليه منها على سبيل المثال دولة محايدة واستخدامها كمصطلح يحل محل الإشارات المختلفة إلى العلمانية في النصوص القانونية والدستورية بدلاً من التنوع بذكر أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة دون ذكر الشريعة كما هو الحال في تونس، أو الإشارة إلى الشريعة كمصدر للقانون كما هو الحال في مصر قبل 2012 ومنح المؤسسة الدينية دور تفسير الشريعة الإسلامية على سبيل المثال مصر بعد 2012. وكذا أن يكون للمؤسسات الدينية سلطة إلغاء التشريعات والاعتراض على المرشحين في الانتخابات مثال ذلك إيران. وعليه فإن النموذج الأفضل لمصر في البداية هو الفهم الصحيح لمفهوم العلمانية من جهة والإسلامية من جهة أخرى والتوفيق بينهما بما يتيح للأفراد والجماعات الإسلامية تعزيز آرائهم الإسلامية في نظام ديموقراطي من خلال العملية التشريعية والمشاركة في المؤسسات السياسية والقضائية والمشاركة مع المجتمع المدني وترسيخ القيم الإسلامية من خلال محاربة الفساد والمحسوبية وتعزيز العدالة، ومن ثم لن تنشأ الحاجة لتسمية الدولة رسمياً بالإسلامية فالمهم هو التطبيق العملي وليس المسميات الظاهرية.

وينهي الكاتب تحليله بأنه يجب على حزب الحرية والعدالة الحاكم في مصر الانتباه والأخذ في الاعتبار مطالب الليبراليين والأقباط وعدم الاقتصار فقط على تلبية وجهات نظر مجمعاتهم الانتخابية فلابد من إقناع الرأي العام بما يحذوه الحزب في الحياة العامة والسياسية خاصة في ظل حالة الاستقطاب السياسي الواضحة فيها والتي تؤكد على أن الحزب لا يستجيب لاهتمامات ومطالب الفئات الآخرى في المجتمع بالإضافة إلى أن الحزب في حاجة للدعم الداخلي لسياساته وكذا الدعم الخارجي كشريك موثوق به ومن ثم عليهم أن ينتهجوا منحى أكثر واقعية.

* مركز بروكينغز الدوحة

بقلم احمد كورو



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات  

الأولى

النائب الأول يعود غداً

يعود النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود إلى البلاد غداً الاربعاء عقب رحلة علاج في الخارج أجرى خلالها فحوصات طبية تكللت  ...

المزيد

الأولى

السفير الإيراني لنظيره الأميركي: تصريحاتك واهية!!

أكد السفير الايراني لدى البلاد روح الله قهرماني ان ايران لم ولن تتدخل في الشؤون الداخلية لاي من دول الجوار العربي، وأبدى قهرماني في بيان صحافي  ...

المزيد

الاخيرة

التحقيق مع باسم يوسف بتهمة إهانة مرسي

أصدر النائب العام المصري المستشار طلعت عبد الله أوامره إلى النيابة المختصة، بالتحقيق مع مقدم برنامج «البرنامج» على قناة «سي بي  ...

المزيد

النهار الاقتصادي

أكدوا أن السوق ينتظر عمليات جني أرباح تؤسس مستويات جديدة
خبراء: سيطرة المضاربات وسط زخم الشراء على الأسهم الصغيرة

أجمع خبراء اقتصاديون على أن العمليات المضاربية مازالت مستمرة في قيادة دفة تداولات سوق الكويت للأوراق المالية (البورصة) وسط زخم الشراء على الأسهم  ...

المزيد

النهار الاقتصادي

في تقرير حول أداء المصارف خلال النصف الثاني من 2012
6.13 % نمو الأصول النقدية لدى البنوك المحلية

نمت الاصول النقدية والارصدة للبنوك المحلية مع بنك الكويت المركزي بمقدار 9 مليارات دولار وبنسبة 6.13 % في المتوسط خلال النصف الثاني من العام الماضي  ...

المزيد

متابعات

مصر في عصر «الإخوان» .. الاستعانة بالمرشد لتحديد جلسات «الشورى»!

في واقعة هي الأولى من نوعها في مجلس الشورى تقدم حسين زايد النائب عن حزب الوسط بطلب رسمي لأمانة المجلس يطالب فيها الاستعانة بالدكتور محمد بديع المرشد  ...

المزيد

متابعات

منع الديموقراطية: سياسة التحالف ما بين الولايات المتحدة ومصر

لايزال كتاب جيسون براونلي المعنون «السلطوية في عصر الديموقراطية» والصادر في نهاية عام 2007 مُحتلاً للمرتبة الأولى لدى الباحثين  ...

المزيد

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية