قضية الأسبوع

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
الاحتفال بيومه العالمي مر في صمت
«الكتاب» العربي.. وراء سبعة قضبان

صانع الحضارات.. وعاء المعرفة.. حافظ الأديان.. سفينة الخيال.. بستان ورد.. ضوء في آخر النفق.. رفيق السفر.. وبوابة الدخول الى أرض الأحلام.

الكتاب وما أدراك ما الكتاب!

في قصته كتاب الرمل تحدث بورخيس عن ذلك الكتاب اللانهائي وكأنه يهمس بأن وجودنا كله، الكون بما فيه ليس سوى كتاب يهمس لنا بكل اللغات، ومهما تصفحنا لا نصل الى نهايته أبداً.

وعبر آلاف السنين، تطورت صناعة الكتاب بدءاً من الكتابة على العظام والأحجار والجدران وأوراق البردي، وصولاً الى مطبعة يوهان غوتنبرغ أول من قام عام 1447م بتطوير قوالب الحروف المتجاورة كي يوضع عليها الورق ويُضغط، فتطبع الكلمات آلياً، ليدشن اختراع المطبعة نهاية العصور الوسطى، وبداية العصر الحديث. وان استغرق العرب والمسلمون أكثر من ثلاثة قرون، كي يدركوا أن مطبعة غوتنبرغ ليست من عمل الشيطان!

وقبل غوتنبرغ وبعده، دأب البشر على تصنيف الكتب الى كتب دين وكتب دنيا، ومازال هذا التصنيف قائماً بالطبع، وان كانت طباعة وحفظ الكتب ظلت لعشرات السنين بيد رجال الدين والحكام، وتكاد أن تقتصر على الكتاب الديني فيما ظلت الكتب الدنيوية قليلة نسبياً، وتعرض معظمها للنسيان والاهمال والضياع، ولهذا السبب تعد الكتب التي تشكل ارثنا الانساني ـ في بداياته ـ قليلة نسبياً، مثل فن الشعر لأرسطو، الالياذة والأوديسا لهوميروس، كليلة ودمنة لابن المقفع، الكوميديا الالهية لدانتي، أو مسرحيات شكسبير.

كل حضارة، كانت تستطيع أن تحصي كتبها ـ غير الدينية ـ التي يتداولها المنتمون اليها، الى أن حدث الانفجار العظيم في صناعة الكتاب بفضل المطبعة، ثم بعد خمسمائة عام بفضل الكمبيوتر، لتولد يومياً آلاف الكتب عبر العالم، يحار في تصنيفها أساتذة الفهرسة والمكتبات، ما بين معارف عامة وموسوعات، وعلوم بحتة وآداب وأديان وتاريخ وسير وروايات ودواوين شعر.

يقال ان أقدم كتاب في العالم يرجع تاريخه الى أكثر من ألفين وخمسمائة عام وكتب بلغة ايستروسكان التي لم يعد لها وجود حالياً ويتكون من تسع صفحات مصنوعة من الذهب قيراط 24 ويضم نصوصاً وصوراً تمثل فارساً وحورية ماء وقيثارة ومحاربين.

ان للكتاب نفسه، قصة مشوقة عبر التاريخ رصدها كثيرون منهم ألبرتو مانغويل في تاريخ القراءة وتاريخ الكتاب لألكسندر ستبيتشفيتش والصادر في جزئين عن عالم المعرفة تحدث فيه عن استيراد أوروبا ل الورق الدمشقي في صناعة الكتاب! وعن الرُقم الطينية للسومريين في أوروك باعتبارها بداية الكتابة وأول أبجدية للبشر، قبل خمسة آلاف عام.

وللأسف مر الاحتفال باليوم العالمي للكتاب في أجوائنا العربية، في صمت تام. لأننا ببساطة دأبنا على سجن الكتاب وراء سبعة قضبان. كأننا نرغب في دفن كل كتاب يولد بدلاً من أن نحتفي به، تارة باسم الرقابة وتارة أخرى لتدني نسب القراءة وتارة ثالثة لصعوبة تداوله أو انتهاك حقوق الملكية الفكرية، وفيما يلي شهادات قيمة وجولة في حاضر الكتاب العربي مقارنة بوضع الكتاب في بلدان أخرى.

أخطر ما يواجه الكتاب في العالم العربي هو تفشي الأمية التي تتراوح ما بين 30 الى 60% بين الرجال، وتصل في بعض الدول الى 80% بين النساء، وكشف مدير مكتب اليونسكو الاقليمى فى الدول العربية د. حمد بن سيف الهمامى، أن أكثر من 50 مليون شخص فى المنطقة العربية معظمهم من النساء، لا يجيدون القراءة والكتابة، وان كان البعض يرفع الرقم الى 70 مليون أُمي.

ويشير التقرير السنوي الرابع للتنمية الثقافية، الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي، الى أن معدل الالتحاق بالتعليم في الدول العربية لا يتجاوز 21.8 في المئة، بينما في كوريا الجنوبية 91 في المئة، واستراليا 72 في المئة، واسرائيل 58 في المئة. أما متوسط نسبة الأساتذة في التعليم العالي بالنسبة الى عدد الطلاب في العالم العربي فهي أستاذ جامعي لكل 24 طالبًا. وفي أميركا أستاذ جامعي لكل 13 طالبًا.

ورغم مرور نصف قرن على ادراك حجم المشكلة وتأثيرها على التنمية وبنية المجتمع وتطوره سياسياً، ورغم عشرات المدارس والجامعات التي شيدت خلال تلك العقود، لكن الحقيقة الموجعة أن نسب الأمية تزداد ولا تنقص.

ان الشخص الأُمي يعيش في عزلة عن الثقافة والفنون والابداع، وتكاد أن تنحصر علاقته في اهتمام سطحي بالتلفزيون وما يبثه من أفلام وبرامج ومبارايات، لكن وعيه يظل معلباً ومسطحاً، بلا تفاعل حقيقي أو قدرة على انتاج وتداول الثقافة وفي القلب منها الكتاب، ومن السهل التأثير على هذه الشريحة الكبيرة وتضليلها لافتقارها الى الوعي النقدي اللازم لاستيعاب القضايا ومناقشتها.

وتتحول هذه الشريحة الكبيرة، يضاف اليها شريحة الأمية الثقافية وهي التي تجيد أبجدية القراءة والكتابة، لكنها تلقت تعليماً رديئاً أو محدوداً، الى كتلة استهلاكية ضخمة لاقتصاد السوق، وكتلة انتخابية صمّاء للعديد من التيارات المؤدلجة.

لا أحد يقرأ

ان الشريحة التي تجيد القراءة والكتابة بدرجات متفاوتة ليست أحسن حالاً من شريحة الأميين في علاقتها بالكتاب، فبينما تُعتبر القراءة جزءاً أساسياً ضمن منظومة المواطنة في الغرب، حيث يقرأ الناس في محطات القطارات والمتنزهات والبيوت والمدارس، لا نجد أدنى اهتمام بالقراءة في عالمنا العربي، حتى حصص المطالعة انقرضت تقريباً من المدارس وما تتطلبه من تغذية مكتباتها وتشجيع التلاميذ على عادة القراءة.

وتشير احدى دراسات المركز العربي للتنمية الى أن متوسط قراءة الطفل العربي لا يزيد على 6 دقائق في السنة، ومعدل ما يقرأ 6 ورقات، ومتوسط قراءة الشاب من نصف صفحة الى نصف كتاب في السنة، ومتوسط القراءة لكل مواطن عربي 10 دقائق في السنة مقابل 12 ألف دقيقة للمواطن الأوروبي!

دراسات أخرى تفيد بأن كل 20 مواطنًا عربيًا يقرؤون كتابًا واحدًا سنوياً، بينما يقرأ المواطن البريطاني 7 كتب أي 140 ضعف ما يقرأه العربي، أما الأميركي فيقرأ 11 كتابًا في السنة أي 220 ضعف ما يقرأه العربي.

بؤس الأجر

في ظل نسب أمية أضعاف المتوسط العالمي، ونسب قراءة هي الأدنى على مستوى العالم، ليس من المتوقع أن يكون سوق الكتاب رائجاً، لأنه كسلعة لا يهم سوى نسبة ضئيلة تقل عن واحد في المئة. فبينما يطبع روائي متوسط القيمة في أي بلد أوروبي حوالي 50 ألف نسخة، يطبع الكاتب العربي المشهور في أحسن الأحوال من خمسة الى عشرة آلاف نسخة لحوالي 300 مليون عربي!

واذا جئنا الى أوضاع المؤلفين والباحثين، فهي في المجمل مزرية، لأن المكافآت التي يحصلون عليها مقابل تأليف كتبهم ـ اذا سمح لهم الناشر أن يحصلوا عليها أساساً ـ أقل من 10% من سعر الغلاف، فيما يحصل الموزع الوسيط على ما يقرب من 40%، حيث يتم التعامل مع الكاتب باعتباره الحلقة الأضعف في عملية نشر وتداول الكتاب، فاذا افترضنا أن مؤلفاً قام بأبحاث ودراسات لمدة عام وطبعها في كتاب يباع في السوق المصري بعشرين جنيهاً، وكانت الطبعة ألف نسخة، فهذا يعني أنه لن يحصل على أكثر من ألفي جنيه عن جهد عام كامل، أي أقل من 250 دولاراً! فكيف يتوفر الوقت والطاقة والرغبة والحماس للأديب أو الباحث لكتابة رواية أو بحث علمي، اذا كان لن يحصل في نهاية الأمر على أي مقابل، أو في أحسن الأحوال على أجر زهيد جداً، كأنه يتسول، أو كأنه يعاقب على حسه الابداعي وجهده البحثي؟!

أزمة نشر وتوزيع

لا تتوفر في العالم العربي دور نشر كافية لتقوم باعادة طبع وتحقيق ونشر آلاف الكتب التي صدرت بالعربية عبر أكثر من ألف عام، بل هناك ميل الى النسيان والتجاهل سواء ما يتعلق بتاريخ الكتاب العربي أو حتى حاضره. كذلك نادراً ما تهتم وسائل الاعلام المختلفة بصدور كتاب جديد أو تطرح مناقشة جادة حوله، حيث تنعدم البرامج التي تُعنى بالاصدارات الحديثة، والأمر نفسه بالنسبة الى الصحف.

وعندما نُلقي الكرة في ملعب الناشر، فهو لديه أيضاً همومه بدءاً من أسعار الورق الخام، والطباعة والتصميم والمراجعة اللغوية، وركود معارض الكتب وارتفاع الايجارات وتكاليف الانتقال بين المعارض المختلفة، وحصول الموزع على حصة الأسد، وضعف شبكة التوزيع أساسً، ولسان حاله يقول: لا تلوموني، فأنا بالتأكيد سأكون أول الرابحين اذا بيع من الكتاب 50 ألف نسخة، لكن الحقيقة أنه تمر علي أيام في معرض كبير مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب ولا أبيع أكثر من نسخة واحدة بعشرين جنيهاً.

وأخبرني أحد الناشرين أنه اضطر للكذب في تقرير الضرائب وزعم أنه ربح عن عام كامل 500 جنيه وأقسم لي أنه يخسر منذ ثلاثة أعوام، لكن المحاسب نصحه بادعاء أي ربح والا سوف ترتاب فيه الضرائب لماذا يفتح دار نشر اذا كان يخسر، وقد يغلقون له دار النشر!

الوضع البائس الذي يعيشه المؤلف والناشر أثر بالطبع على مستوى الكتاب وجودته واتقان طباعته، وخلق سوقاً هشة وحافلة بالغث. وبينما العالم الغربي يشجع الابداع في مصادره وصيغه المختلفة، يبدو للعيان أن ثمة حرباً ضد الابداع بكل تجلياته في عالمنا العربي.

وبلغة الأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل، فان اجمالي ما يتم تأليفه من الكتب سنويًا في الدول العربية لا يساوي أكثر من 1.1% من الانتاج العالمي السنوي من الكتب، وبينما تعمل الصين على ترجمة وطباعة كل كتاب يصدر في أميركا خلال ثلاثة أيام من صدوره، فان ما يترجم في الدول العربية سنوياً حوالي 400 كتاب فقط.

وهناك كتاب يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما هناك كتاب لكل 500 انكليزي، ولكل 900 ألماني، وفي عالمنا العربي يصدر حوالي 1650 كتابًا سنويًا، بينما في أميركا وحدها يصدر 85 ألف كتاب سنويًا.

القرصنة

على بؤس الأجر الذي يحصل عليه المؤلف، ومحدودية ربح الناشر ـ في حال ربح ـ يتعرض سوق الكتاب العربي لخطر التكنولوجيا التي ضاعفت سوق القرصنة، وان كان موضوع القرصنة وعدم احترام حقوق الملكية الفكرية ليس جديداً لدينا، فما أكثر الكتب التي كانت تطبع في بغداد مثلاً ثم تظهر منها طبعات غير قانونية في بيروت أو القاهرة.

ولم ينعكس تطور منظومة حقوق الملكية دولياً علينا، حتى الآن، بل العكس اتسعت أشكال القرصنة الى درجة أن هناك عشرات المواقع تعيد رفع الكتب مصورة pdf بعد شهر فقط من صدورها، فما المكسب الذي يتوقعه منها المؤلف أو الناشر؟ وحتى الآن لم نسمع عن اغلاق هذه المواقع أو دفع تعويضات للمتضررين.

وساهمت التكنولوجيا الرقمية بدءاً من أجهزة التصوير، وصولاً الى الآي فون والكيندل في سرعة انتشار وتداول الكتب المزورة، خارج النطاق القانوني. وثمة من يرى أن فعل القرصنة رد فعل طبيعي على جشع الناشرين، وتكريس لحق الانسان في المعرفة مجاناً، ورفض مبدأ تسليعها.

مهما كان لهذا الرأي من وجاهة، الا أنه ضاعف من بؤس الأوضاع التي يعانيها المؤلف العربي وهضم ما تبقى له من حقوق زهيدة، علماً أن حصول الكاتب على المكافأة التي يستحقها ينعكس ايجاباً على المستوى الفكري والمعرفي والابداعي لكتابه، وعلى سوق النشر عموماً.

الرقابة

يتعرض الكتاب لصيغ متنوعة من الرقابات أشهرها في عالمنا العربي هي الرقابة الدينية، وفي مصر مارس مجمع البحوث الاسلامية هذا الدور بنشاط ضد عدد لا بأس به من الكتب والكتاب، وبعضهم نجح في اصدار كتابه بحكم محكمة، وهناك أيضاً الرقابة الخفية التي يمارسها المدققون اللغويون في دور النشر الحكومية على وجه خاص، فهم قد يرفعون تقارير تطوعية لمنع صدور هذا الكتاب أو ذاك، أو يتطوعون بحذف ما لا يروق لهم من فقرات، كما حدث في أعمال لنجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس!

وهناك تاريخ حافل من التواطؤ بين جهات دينية وأمنية وحكومية وبرلمانية لحجب بعض الكتب أو منع تداولها، لعل أشهرها أزمة طه حسين وكتابه في الشعر الجاهلي الذي أدى الى ابعاده عن الجامعة واستقال مدير الجامعة نفسه احتجاجاً على التدخل السافر للحكومة.

ومن الرقابة الدينية، الى الرقابة الخفية، يعاني الكتاب العربي أيضاً من رقابة المطارات التي تتعقبه كأنه صندوق مواد مخدرة، وشخصياً مررت بهذه التجربة من السؤال والفحص والاشتباه لمجرد أنني كنتُ أحمل عشرين نسخة من كتابي نجيب محفوظ وتحولات الحكاية، وساعتها خشيت أن توجه لي تهمة حمل كتاب من دون ترخيص مسبق أو أن يتم اعتقال الكتاب نفسه واعدامه خشية على الأمن العام والسلم الاجتماعي!

الطريف أن عشرات الكتب والأبحاث صدرت عن تاريخ الرقابة على الكتب والانتاج الفكري في عالمنا العربي دون أن يغير ذلك من الأمر شيئاً. بل أصبحت الرقابة بكل صورها بما فيها المنع من معارض الكتب، أمراً هزلياً لا معنى له في ظل اتاحة الكتب الممنوعة الكترونياً.

لاشك أن هذه الوصاية على الفكر والابداع وتعقيم المجتمع باغلاق كل نوافذ التغيير وتداول المعارف، أدت الى اعادة انتاج التخلف والأمية الثقافية، والعجز عن التفاعل الخلاق مع العالم. علماً أن أوروبا عرفت خلال تطورها حَجْراً مماثلاً على الكتب وحرقها وحرق أصحابها أحياناً، وكان من أهم ملامح دخولها العصر الحديث هو احترام الكتاب وحرية التعبير وتكريس سلوك القراءة.

بيئة طاردة

وهكذا يعيش الانسان العربي وسط بيئة طاردة للكتاب ومناخ عام لا يشجع على القراءة، ففي ظل حروب لا تنتهي وصراعات يتسع نطاقها، وفي ظل أنظمة عسكرية متسلطة وعجز المجتمع عن ادارة ذاته، وتفشي معدلات البطالة والأمية والفقر والمرض، لا يمكن أن يجد المواطن العربي أية قدرة على شراء كتاب ولا أن يملك ترف الوقت للاستمتاع بالقراءة، فهو مشغول دائماً بتوفير الحد الأدنى من آدميته، أو بمعنى أدق حيوانيته من مأكل ومأوى، كأنه فأر في جحر. وعندما تتحدث مع مثل هذا المواطن عن أهمية قراءة رواية أو سماع سيمفونية لبيتهوفن، سيعتبرك على الأرجح مجنوناً!

بصيص أمل

برغم أن كل ما سبق ذكره يدعو الى اليأس على أوضاع الكتاب في العالم العربي، لكن هناك دائماً بصيص أمل، فالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت أصدر طيلة أربعة عقود أكثر من ألفي كتاب منها حوالي 400 كتاب في سلسلة عالم المعرفة وحدها، وأكثر من هذا العدد ترجمه المركز القومي للترجمة في مصر، اضافة الى ظهور مشاريع أخرى منها مشروع كلمة الذي ترعاه هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وصدر خلاله عشرات العناوين المهمة، وكذلك المنظمة العربية للترجمة التي تترجم مؤلفات فكرية بالغة الأهمية عن لغتها الأصلية.

كما تقوم مؤسسات أهلية وحكومية وخاصة بدور نشط في اصدار التقارير التي تتعلق بأوضاع المعرفة والتعليم والبحث العلمي والكتب منها مؤسسة الفكر العربي والمنظمة العربية للثقافة والعلوم أليسكو. اضافة الى أن السنوات الأخيرة شهدت تخصيص جوائز مرموقة يرعاها القطاع الخاص وشخصيات عامة لتشجيع الكُتاب العرب، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة العويس، وجائزة ساويرس وجائزة الشارقة للابداع وغيرها.

ربعي المدهون: هذه هي تجربتي في بريطانيا!

الروائي الفلسطيني ربعي المدهون يعيش في الغرب وتحديداً في لندن، ومن ثم فهو يطل من نافذة تسمح له بالمقارنة بين وضع الكتاب في العالم العربي وفي الغرب عموماً، وفيما يلي شهادته اللافتة حقاً:

للكاتب في الغرب مكانة مرموقة. موقع في المجتمع، يحيل الى الفكر، الخيال، الابداع، التميز. يتوفّر لكل كاتب قارئ لانتاجه. ولكل شكل من أشكال الكتابة وحقولها، قراء ومعجبون. لكن لقب كاتب يحيل، أيضا، الى ميزة أخرى، هي الدخل المادي المعقول، الذي يمكن معه القول، بأن الكتابة بتطعم عيش وأكثر قليلا.

أن تنشر كتابا في بلاد نسبة القراءة فيها مرتفعة جدا، والاهتمامات متنوعة ومتشعبة (يظهر تقرير أخير لليونيسكو، بأن معدل قراءة البريطاني هو 7 كتب سنويا، بينما المواطن العربي ربع صفحة)، يعني ان نسبة بيعه عالية. يتلقى الكاتب، بعد توقيع العقد مع الناشر مباشرة، مبلغا من المال مقدّما، يتراوح بين الف جنيه استرليني وبضعة آلاف، قد تصل الى مبالغ خيالية، احيانا. لا تسترد في الغالب، ولا تستقطع من مكافآة المؤلف المتفق على نسبتها في العقد، (الكاتب العربي يدفع للناشر). في وضع كهذا، يكتفي الناس في الغرب، بتعريف الكاتب باسمه، دون حاجة الى توصيفه بـ الكاتب الكبير، او المبدع الخلاق، او المتميز، فهذه مواصفات تضفيها على الكاتب أعماله، وتضفى عليها، ولا تتأتى من مواقف أخلاقية تقليدية مجاملة، ولا لاعتبارات السن، ولا رغبات المسايرة أو النفاق.

في مطلع يوليو المقبل، نحتفل في مكتبة فويلز في لندن، كبرى المكتبات البريطانية وأكثرها عراقة، باشهار النسخة الانجليزية منالسيدة من تل أبيب. سيكون ذلك برعاية دار نشر تلغرام، ومؤسسة انجلش بن التي فازت السيدة من تل ابيب بمنحتها السنوية العام الماضي، ومن شأنها دعم عمليات الاعلان والتسويق، بالاضافة الى المركز العربي البريطاني، وفي حضور ناشرتي، السيدة لين غاسبار، ومترجمي، البروفيسور ايليوت كولا، ومحرر الرواية، ميتشيل البرت، وجمهور بريطاني سيلبي دعوة مفتوحة.

تقدم تجربتي مع النشر في بريطانيا، التي مر عليها عامان، خلاصات واقعية حول الموضوع الذي يثيره هذا الملف

بداية، ثمة عقد مع الناشر ملزم قانونيا، بينما تنفيذ بنوده مع ناشر عربي، محكوم بالموقف الأخلاقي للناشر، وربما بالعلاقة الشخصية.

شخصيا، تلقيت مقدما، مبلغا من المال غير مسترد. نسبتي من بيع الكتاب موثقة في العقد. التلاعب بها مستحيل ويعرض الناشر لمساءلة قانونية. موعد دفع المستحقات سنوي وملزم، ولا يتطلب السؤال، او الرجاء المذل، احيانا، ومد اليد الى الناشر.

منذ البداية، قدمت ناشرتي، رأيها في الرواية التي اشترتها. واقترحت تعديلات ناقشناها في اكثر من جلسة، وتوافقنا عليها، وأمامنا هدفان مشتركان:

الاول، اعادة انتاج الرواية، بما يوافق ذائقة القارئ البريطاني، وقد أبديت تفهما لتلك الحاجة التي ترقى الى مستوى الضرورة.

الثاني، تحقيق أعلى نسبة من المبيعات، وبالتالي زيادة المردود المالي والتجاري، وأوسع انتشار تحققه جهودنا المشتركة.

يتولى المهمة فريق عمل متكامل، انضممت اليه كمؤلف: المحرر، ومدير الانتاج والتسويق، ومديرة الاعلانات، ومديرة المؤسسة (الناشرة). تولى المحرر، ميتشيل البرت، منذ اكثر من عام، مهمة تنفيذ التغييرات والتعديلات التي اتفقنا عليها. قدم لي ميتشيل، خلال الشهور الستة الماضية، مساعدة قيمة، في عملي على تطوير بعض المشاهد في الرواية، وتقليص مشاهد اخرى، واضافة حوار الى النص في موضعين، لاعتبارات فنية املتها التعديلات الجديدة. وقد ترك لي المحرر، مهمة تنفيذ ذلك بطريقتي الخاصة وبأسلوبي حفاظا على اتساق النص. من المفيد الاشارة هنا، الى ان المحرر الأدبي، لا يكون روائيا بالضرورة، لكنه يتقن قواعد الكتابة وشروطها، وبناء الشخصيات الروائية فنيا، وعلاقاتها داخل النص، وتركيب النص نفسه، وقضايا ذات علاقة. وهذا ما تفتقر اليه غالبية دور النشر العربية. لهذا يعمد الروائيون العرب الى استشارة اصدقائهم للوقوف على ملاحظاتهم قبل النشر. لكن ما يخلص اليه الاصدقاء، يقدم، عادة، في سياق مؤطّر بالخجل ومغطى بالمجاملة والاعتبارات الأخلاقية. ويبقى غير ملزم لصاحب النص، الذي غالبا ما تدفع به مواقف شخصية اخلاقية، تنتمي الى الكبرياء الذاتي المرضي، الى تجاهل حتى مثل تلك النصائح المجانية.

بعد هذا تأتي العملية النهائية، مراجعة النص كلمة كلمة، وضمان خلوّه من اية اخطاء.

يولي الناشر التسويق اهمية لا تقل عن التحرير. وزّع ناشري على المكتبات ومحال بيع الكتب، ومواقع البيع الالكتروني، واهمها امازون ملخصا دعاويا للرواية وصورة غلافها. ووزع نصّها كاملا على نقاد في الصحف البريطانية، وشخصيات اعتبارية، تم اختيارها بالتوافق، تقدم مراجعات للكتاب، يتم اختيار عبارة منها او فقرة لوضعها على الغلاف الأول او الأخير. وقد اعتمدنا للغلاف الأول، عبارة وردت في مراجعة مهمة للروائي اللبناني، الياس خوري: Takes you to the height of reading pleasure; او تأخذك الى اعلى متعة القراءة.

يتولى الناشر حفلات الاشهار، والتوقيع في لندن وعدد من المدن البريطانية الأخرى. وستساهم مؤسسة انجلش بن في ترتيب حفلات التوقيع، ودعوة جمهورها للحضور والمشاركة (تضم المؤسسة آلاف المشتركين الاعضاء). وتتكفّل تغطية نفقات حفلات التوقيع.

هكذا يكون النشر صناعة، لا تتحكم فيها أمزجة الناشر او ميوله، ولا تسيرها رغباته، وترتهن فقط للسوق وحاجاته، وقدرة العمل نفسه، موضع التسويق، على المنافسة.

فاطمة البودي: الأخلاق والضمير قبل العقود القانونية

للناشرين بالطبع رؤيتهم حول عملية نشر وتسويق الكتاب العربي، تلخصها الناشرة د.فاطمة البودي صاحبة دار العين في الشهادة التالية: في هذا الوقت العصيب الذي تجتاحنا فيه قوي ظلامية غاشمة تهدد المنطقة العربيه كلها تتزايد صعوبة النشر وتقل قدرة الكتاب علي الحركة من بلد لآخر، بالاضافة الى المعوقات القديمة كانعدام شركات توزيع مهنية، وأكثر ما يواجهنا كناشرين حالياً هو ارتفاع أسعار الورق بشكل كبير مع الأزمة الاقتصادية التي مست الحياة اليومية والانهيار الذي تشهده مصر وتراجع قيمة الجنيه أمام العملات العربية. كل ذلك انعكس أيضاً علي أسعار الطباعة، فارتفعت نسبة كلفة الكتاب 40? تقريباً وهذا يؤثر على تسعير بيعه بالتأكيد رغم ضعف القوة الشرائية.

ومع ان المعارض العربية تشكل متنفساً لنا كناشرين لكننا نعاني فيها من مشاكل متنوعة منها مشكلة الرقابة على الكتب التي أصبحت تشكل عبئا اضافياً عدا عن تزايد ايجار الأجنحة ما يؤثر على حصيلة ما يربحه الناشر من المعرض، فأصبح الناشر يعاني من نقص السيولة المادية خصوصاً مع انخفاض نسب البيع للمكتبات في مصر وتوقف وزارة التربية والتعليم في ظل نظام الحكم الجديد عن شراء الكتب لمكتبات المدارس بمراحلها المتنوعة.

وقد يكون النشر المشترك أحد حلول الأزمة الحالية لتجنب صعوبة نقل الكتب بين البلاد العربية وسهولة صدور الكتاب في أكثر من بلد عربي في نفس الوقت لكنه أيضاً له بعض السلبيات. وفي النهاية فان العلاقة بين الكاتب ودار النشر يجب أن تحكمها الأخلاق والضمير قبل العقود القانونية، لأنهما متضمنان في توزيع سلعة تحول دون انتشارها عوائق كثيرة.

ميس العثمان: لتكتشف الجنون بنفسك

وللراوئية ميس خالد العثمان موقف من الطنطنة لبعض الكتب وبحثها عن المتفرد والمختلف وتوجز شهادتها قائلة: للكتاب حالة المتأرجح بين اشتعال وخبو.. كحال الوطن العربي وتحولاته وتبدلاته التي مللناها على شاشات التلفزيون وصرنا نهرب منها باتجاه أي انعزال حميم، مع كتاب أو ورقة أو موسيقى.. والغريب أن الساحة ممتلئة حد الفيضان بأشكال من الكتابات التي لا يمكن تصنيفها حتى ضمن سياق محدد، ولا حتى أن نرأف بها إذا ما طغت جمالياتها على تصنيفها فنتجاوز عنها و... ندعمها حبا وقراءة وترويجا واقتناءً.. الساحة الثقافية تفيض بالجديد، على فترات تشتد وتضعف، تتنافس وتهدأ، تترشح لنيل جوائز بعجائبية مفرطة، ولا يهدأ التصفيق ولا التطبيل إلا بانقضاء الحدث.. ومن بين كل هذا الزعيق الكتابي/الطباعي، لا أختار إلا البعيد/ المميز/ المنتج باحترافية عالية والذي لا يُذكر على صفحات الجرائد، ذلك الذي تتعثر به اندهاشا واقتناصا في جولاتك المكتبية دون أن يشير إليك البائع كي تقتنيه.. ولا أن يسألك صديق أن تشتريه.

في عالمنا العربي نقول (كل مشروك مبروك) و أراه ( كل مشروك محروق)! إلا في القراءة والاطلاع لا تلتفت لآراء غيرك من القرّاء إلا من ندر.. اقرأ بنفسك وقيّم.. وكن أنت وصيا على ذائقتك... اعمل حفرياتك بعيدا عن مواقع التنقيب القرائية المعتادة، وحلّق بوسع المدى، لتكتشف الجنون بنفسك و.. تعلو بالقراءة الحقة.. فليس كل من كدس الكتب شراء واقتناء كان من العارفين.. هذه خدعة كبرى!

الصدير: رجل أعمى يصدّ الشمس بيديه!

عن الكاتب والكتاب في السعودية أدلى الشاعر السعودي زكي الصدير بهذه الشهادة:

كلما فكرت في حال الكتّاب العرب بصورة عامة، والكتّاب السعوديين بصفة خاصة، وعلاقة الرقيب - بمعناه العام - بهم تحضرني صورة كاريكاتورية لرجل أعمى يحاول أن يصدّ الشمس بيديه حتى لا تصل لأحد! وباعتقادي أنه من الغريب اصرار البعض على محاربة الكتب والكتاب وفق أهوائهم لمجرد أنه لم يكن ضمن النسق الاجتماعي المعتاد، الأمر الذي قد يُكسب الكاتب وكتبه حظوة وحضوراً وانتشاراً في الساحة الثقافية المحلية والعربية عبر دعايات مجانية تقوم بجعل كتبنا في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً وانتشاراً، كما حصل مع كتابي الأخير شهوة الملائكة حين منعت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدشينه في فنون الدمام.

المؤلم ان بعض هذه الكتب الممنوعة والمنتشرة لا تستحق كل هذا الصراخ، فهي أقل من عادية، لكن قدرها قادها لمعركة سببت في اشعال نارها! والزمن بكل حراكه الاجتماعي والثقافي والسياسي كفيل بقلب معادلات كثيرة، وبتشكيل معادلة جديدة لكل هذا الجدل العقيم/المضحك.

اننا في المملكة ككتّاب ومشتغلين في حقل الثقافة باختلاف صنوفها نبحث بشكل جدي عن آلية قانونية واضحة حيال سطوة التيار المحافظ على الابداع تحت ذرائع دينية أحادية التأويل. فربما لو وصلنا الى تشكيل موقف عام نستطيع من خلاله –ساعتها- أن نوقف هذا الجور والمنع غير المبرر على كتبنا واصداراتنا.

ولقناعتي بأن الكاتب السعودي ابن الوطن العربي الكبير، لذا لا أعتقد أن هنالك صعوبات ذات ملامح مختلفة بشكل كبير عن تلك الصعوبات الرقابية والحقوقية التي يستشعرها المثقف العربي في بلده بصفة عامة مع تفاوت النسب القانونية والدستورية التي تحميه بشكل جزئي بين دولة لأخرى. ومع ذلك الا أنني أستشعر ضرورة العمل على انشاء اتحاد كتاب وأدباء سعوديين يكون مظلةً قانوية تحميهم من هواجر الصحراء وأذى المطر.

فبعد تحفّظ دام طويلاً من وزارة الداخلية السعودية، وبعد توصيات ارتفعت لعدة مرات من مؤتمر الأدباء والكتّاب والمثقفين للوزارة، وبعد جدل صحفي استمر لسنوات متتالية، بعد ذلك كله جاءت موافقة وزير الثقافة والاعلام على تأسيس أول جمعية للكتّاب السعوديين العام الماضي 2012، ولكن ليس جميع الكتّاب! اذ جاءت الموافقة فقط لكتّاب الرأي المنتظمين في الكتابة حول الشأن العام بالصحف المحلية وذلك- حسب ما ذكره عضو اللجنة التأسيسية علي الشدي- لتكون مظلة جامعة لكتّاب الرأي لتعزيز روح المهنية في ممارسة الكتابة والمساعدة على رعاية حقوقهم متعاونة مع جميع مؤسسات المجتمع المدني وخاصة تلك العاملة في تشكيل الرأي العام

باعتقادي أن تضييق الجمعية على كتّاب الرأي فقط يفقدها أهم خاصية من خصوصياتها وهي حرية الرأي نفسه، فكلنا يعلم أننا –في السعودية- لا نمتلك صحافة حرة، أو صحافة معارضة، وأن كتّاب الرأي ملزمون بقوانين الرقيب التي لا يمكن بحال من الأحوال تجاوزها أو القفز عليها، ممّا يجعل الكتّاب بهامش ضيق، يخضعون لآلية محددة ضمن سياسة الصحيفة المحكومة بقيود عامة للسلطة نفسها. الأمر الذي سيجعل من هذه الجمعية عبئاً ثقيلا على الكتّاب أنفسهم، حيث ستلزمهم بآيديولوجيا تفرضها عليهم اللّوائح المقرّة بالمجلس العمومي المنعقد لكتّاب (مرضيٌ عنهم) تم ترشيحهم في الأصل من رؤساء ومديري التحرير!

لماذا لم تأت الموافقة على تأسيس جمعية للكتّاب السعوديين دون تقييدها؟! حتى تتحوّل فعلاً لمظلة تحمي كتابنا جميعهم بلا استثناء من المساءلة والسجن والاقصاء دون الحاجة لـ بوس الخشومرمي البشوت وانتظار الفرج لكل قضاياهم المعلّقة؟! ولكن، لعلها تكون مجرد بداية لجمعية بلا قيود.

الصغير: الأمية لدى الأتراك معدومة

د.أحمد الصغير أستاذ الأدب العربي في جامعة رجب طيب أردوغان، شاهد على حال الكتاب العربي في نافذة أخرى، تنتمي الى لغة مختلفة، وفي الوقت نفسه تجمعنا معها أواصر التاريخ والدين. سألناه عن وجود الكتاب العربي في السوق التركي فأدلى بهذه الشهادة:

لاشك أن الكتب العربية في تركيا تشهد في الآونة الأخيرة تقدما ملحوظاً من حيث البيع والشراء والقراءة، لكنه تقدم من ناحية واحدة ـ حيث بدأ الأتراك الاقبال على شراء الكتب الدينية المطبوعة باللغة العربية في العلوم الاسلامية (كالفقه، والتفسير والحديث، والفلسفة الاسلامية والتاريخ)، وقد شجعت الحكومة التركية الحالية اقامة معارض الكتب العربية في الجامعات وكليات الالهيات (كليات العلوم الشرعية) في أنحاء الجمهورية التركية، وكانت مصر في معرض اسطنبول الدولى للكتاب في السنة قبل الماضية 2011 ضيف شرف المعرض ما أسهم في انتشار الكتب العربية، ولكنه انتشار غير لافت في حقيقة الأمر مقارنة بالكتاب الروسي أو الانجليزي أو الالماني.

واذا عقدنا مقارنة بالكتاب التركي، فان وضع الكتاب التركي حقق رواجا كبيرا في تركيا من حيث البيع والشراء والقراءة، وبالنسبة لحقوق الملكية الفكرية، فالكتاب التركي يُباع بأسعار مرتفعة، حيث يحقق الناشر مكسبا، ويمنح المؤلف حقه في التأليف قبل الطبع أو النشر ويمنحه حقه عن كل طبعة يطبعها. ولا تجد من يسرق فكرة أو كتابا وينسبه لنفسه أو أن تقوم دار نشر بطبع كتب بعينها دون الرجوع للمؤلف وطلب التصريح منه والتعاقد معه أو مع ورثته. وان حدث ذلك فان القضاء يفصل بين الناشر والمؤلف.

أما الكتاب العربي للأسف الشديد فلا يتمتع بأي حقوق تذكر، فقد يطبع الكتاب وينشر ويباع ويقرأه الناس دون الرجوع للمؤلف أو الاستئذان منه.

ومن خلال معايشتي اليومية للأتراك بصفة عامة، هم أكثر ثقافة واطلاعا، حيث انهم يتابعون الاصدارات الجديدة في الرواية والشعر والقصة القصيرة، ويسهمون بالمشاركة في حضور حفلات التوقيع والموسيقى، فمرة من المرات سألتُ صديقا تركيا، قلت له: لماذا تشتري هذا الكتاب الشعري وأنت متخصص في علوم البحار، قال أنا أحب الشعر، وثانيا: أريد تشجيع المؤلف، وتشجيع أبنائي على القراءة والفهم.

ان نسبة الأمية لدى الشعب التركي معدومة، فجميع الشعب يعرف القراءة والكتابة، وسبعون في المئة يستخدمون الانترنت في بيوتهم وفي محل عملهم.

وأودُّ القولَ ان الكتاب التركي يزداد انتشارا كل يوم في المجالات العلمية المختلفة، وخاصة المجالات السياسية والتكنولوجية، بينما يقف الكتاب العربي على استحياء في أيدي المتخصصين من الأتراك في كليات العلوم الشرعية وفي كليات الآداب والعلوم الانسانية، ومن ثَّم فينبغي على وزراء الثقافة العرب الاسهام في اقامة المعارض الثقافية في تركيا والتعريف بالأدب العربي وفنونه المختلفة داخل الجامعات والمنظمات الثقافية حيث يقبل الآن الأتراك على دراسة اللغة العربية بشكل كبير، وهم في طور التعليم، لأنهم ينظرون لها من ناحية دينية صرف. ولا يعرفون سوى الكتب الشرعية، لأن العربية ارتبطت في أذهانهم بالدين الاسلامي. ولأنها كانت من المحرمات في عهد أتاتورك، اليوم أصبحت متاحة في كل مكان. وبقى أن نسهم نحن العرب في انتشار كتابنا العربي عن طريق الترجمة أو العرض أو الطرح.

شاهر خضرة: أنظمة فاسدة وعقلية إلغائية

هناك دائماً مأزق مع نشر الشعر، لأسباب تتعلق بالتسويق، وأحياناً بالرقابة، ويعتبر الشاعر السوري شاهر خضرة حالة نموذجية فيما يتعلق بالمنع والرقابة وعزوف الناشرين أحياناً، رغم فرادة تجربته الشعرية. وفيما يلي شهادته بكل عفويتها وشجنها:

حينما نشرت كتابي الشعريين الأسماء والأرض ترفع ساقها في تونس تساءلت بعض وسائل الاعلام عن غرابة أن ينشر كاتب مشرقي كتاباً في تونس والعادة المعروفة هي أن يسعى كتاب وشعراء البلاد المغاربية بكتبهم الى بلاد المشرق لينشروا فيها، وكانت اجابتي ببساطة هي علينا أن نكسر القاعدة وعلينا أن نعرف الآخر والآخر منّا وفينا تاريخا ولغة وثقافة وما يتبع من وشائج، ولست ممن يفخرون مفاخرات جاهلية عصبية لأوطان مع الأسف أحيانا لا تستحق أسماءها مهما كان هذا الكلام جارحا، فأنا من سورية وعشت خارجها أكثر مما عشت فيها ربما بضعفين، ولكن ما يهمني من هذا الانتماء سوى الحنين والعواطف والشعور بالانكسار النفسي لبعدي عنها أياما.

عام 1980 تقدمت الى اتحاد كتاب العرب اتحاد الكتّاب في سورية من المعيب قوميا أن يكون اسمه اتحاد كتاب سورية فكان اسمه اتحاد كتاب العرب تقدمت بمجموعة قصائد مكتوبة عامي 1978 -1979 ورفضت لأسباب مستواها الشعري والفني كما فهمت، وقبلت ذلك من الرقيب (الحريص على المستوى) وغبت عن سورية وأحجمت عن النشر نهائيا حتى عام 1999 صادف أني كنت في دمشق والتقيت بأحد الناشرين السوريين واقترح علي أن أنشر شعري مبتدءا بمجموعة شعرية، وتعهد بنشره وتجاوُز كل العقبات، وكنت أيامها بوضع مادي ممتاز، فقمت بتغيير عنوان المجموعة التي رفضت عام 1980 وكذلك بتغيير عناوين بعض القصائد ومن ثم تغيير تاريخ كتابة القصائد لأن الكتاب سيمر على اتحاد الكتاب ذاته بوصفه الرقيب مع غرابة أن تكون مؤسسة من المفروض أن تكون نقابية تدافع عن الكتّاب تكون هي ذاتها رقابة وشرطة تخضع لعقلية النظم البوليسية فضلا عن فسادها، وكنت أقصد فضح نزاهة اتحاد الكتاب ورقابته وزيف طباعته في كثير من منشوراته في مستوياتها الفنية الشعرية المدّعاة، وبالطبع نشرت المجموعة، وللحق أعترف أنني أنظر لتلك القصائد نظرة تاريخية على صعيد تجربتي الشخصية، ولم تعد بالنسبة لي تعني سوى أنها كمداميك الأساسات عليّ دفنها تحت بنيان تجربتي التي تطورت ومر عليها زمن قرابة ربع قرن، ولكن نشرتها لهدف التحدّي وفضح الحالة السائدة، الا أنني لم أجد من ينشر لي مقالا حول الموضوع مرفقا صورة للكتابين المرفوض والمسموح، ولا حتى في صحيفة لبنانية، وبالتالي ظل الكتاب في المستودع دون أن أسمح بتوزيعه.

تلك هي حالة من حالات الوضع الثقافي في سورية خلال نظام البعث والحركة التصحيحية وأزلام النظام من الأحزاب الموالية اليسارية المتسترة والمتحكمة بالاعلام أيضا، وهي تجربة مرّة عشتها ولا أدري ان كان أحد عاشها مثلي.

وماذا أتكلم عن الرقابة ففي سورية يستغرق الحصول على الموافقة لنشر الكتاب أشهر طويلة قد تصل الى العام، بينما في الأردن التي طبعتُ فيها ديوان شعر حصلت على موافقة الرقيب بعد يومين، ومن المفارقات الساخرة كتابي الشعري سونيتات شامية الذي وافق الرقيب الأردني على نشره بعد يومين من تقديمه لقسم الرقابة في وزارة الاعلام الأردنية، بقي في اتحاد الكتاب العرب السوري ووزارة الاعلام ستة أشهر ومن ثم رفض الرقيب الموافقة عليه بسبب كلمة في قصيدة غير مكتوبة (أقسم بشرف وطني لم تكن مكتوبة) لأني استعضت عن كتابتها بوضع نقط وعندما تقدمت للحصول على موافقة السماح بالتداول رفضت وزارة الاعلام اعطائي الموافقة لأنها سبق ورفضت نشر الكتاب.

نعم هي سورية والتي يردد كل صباح في جميع قطعات جيشها ومدارسها ومنظماتها يوميا شعار (وحدة.. حرية.. اشتراكية) ولم أكن أفهم ما هي الحرية المزيفة الكاذبة التي حكمونا باسمها عقودا. أما في مصر فلقد نشرت ديوانين شعريين عام 2005 وعام 2007 وفي عهد كان المصريون يتضجرون دائماً من نظام حكمهم ويطالبون بمزيد من الحريات، وما عرفته أن الرقيب في مصر ملغى أساساً ولا رقابة على النشر.

وكذلك في تونس الرقيب لم يستغرق أكثر من تسجيل العنوان ووضع الختم على الموافقة من قبل وزارة الاعلام.

وأيضا حصل موقف طريف معي أذكره:

مجموعتي الشعرية التي نشرتها في تونس عام 2002 وهي بعنوان الأرض ترفع ساقها كان أن تقدمت لوزارة الاعلام السورية للحصول على موافقة لادخال الكتاب الى سورية ومن ثم السماح بالتداول في السوق، وبقيت أنتظر موافقة قسم الرقابة في وزارة الاعلام ثلاثة أشهر دون خبر، حتى ذهبت مع وسيط يعرف رئيس الدائرة فوجدنا الكتاب مع رفض القبول، ولأن رئيس الدائرة أراد مساعدتي ومعرفة السبب استدعى الرقيبة فكان جوابها (أن رفض ديواني كان بسبب العنوان لأنه حسب قولها مخل بالأخلاق والفضائل بما يوحيه من معنى اباحي)، وطبعا أخذت الموافقة على الديوان ولم يكن ذلك بفضل انفتاح عقل رئيس الدائرة الرقابية بل لأسباب أخرى منها بيروقراطية العقلية فضلا عن الفساد.

ومع كل هذه المعاناة والتشتت من دولة الى أخرى لنشر كتبي فهل أوصلت دور النشر الكتاب الى القارئ؟ أبدا

ان الناشر المحترم هو من أخذ تكاليف الورق والطباعة كما يقول وهي مرهقة بالنسبة لأي شاعر ولكنه لا يوزع الكتاب بحجة أن الشعر لا يعوض أجور نقله الى معارض الكتاب. ومثلما عشت تحت أنظمة فاسدة لها ناشروها وصحافيوها وكتابها ومثقفوها وبعقلية الغائية، عشت في عصر الانترنت العربي والتي يتحكم فيها فرد يملك مالا فيصير هو الحاكم والقاضي والناشر والرقيب ولم يتغير في العقلية الا تطور القمع وأدواته، ومع هذا أعتقد أنها كانت حلا لا نعرف الى أي مدى ستقودنا هذه التجربة، مع نشر الكتاب الكترونيا ووصوله للقارئ، وخاصة بعد أن تطورت حرية الفرد ويسرت له نشر كتبه في الانترنت، وحققت له قراء ما حلم بها كاتب من حيث الانتشار الا القليل.



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

الاخيرة

وجبة «آيس بردي» في الجهراء

فاجأت زخات من الأمطار أمس سكان شمال البلاد وخصوصا الجهراء التي ارتبكت شوارعها جراء تجمع المياه في بعض المناطق. لكن وقع الأمطار لم يكن نفسه على  ...

المزيد

النهار الاقتصادي

ستعمل على إيجاد بيئة تنافسية وكسر الاحتكار في السوق
عملاء شركات الاتصالات يتوقعون أفضل العروض والخدمات عقب إطلاق نقل الأرقام

وسط المنافسة المتزايدة التي تشهدها شركات الاتصالات المتنقلة الثلاث فيما بينها يتوقع العملاء أن تقدم هذه الشركات قريبا أفضل العروض والخدمات عقب  ...

المزيد

متابعات

في عين الأخبار
أربعة سيناريوهات لـ «حرب شاملة» في المنطقة

رغم استمرار إسرائيل رسمياً في تجاهل التقارير والأنباء التي تتهمها بالضلوع في الغارات الجوية على المنشآت العسكرية والمواقع الدفاعية السورية في دمشق،  ...

المزيد

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية