loader

آخر النهار

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

«ريتشارد الثالث»: شهوة الحكم تدمر الأصدقاء قبل الأعداء


فوق بحيرة الدم تنمو شهوة الحكم، لكنها تبقى مثل وردة ملعونة، هشة وبلا جذور، تقتلعها صرخات ولعنات الضحايا. شكسبير الذي وصل بالكلمة إلى مداها في المعنى والإحساس والحكمة، يخضع للتأويل عبر مرآة المخرج سليمان البسام الذي أخضع «ريتشارد الثالث للتشريح والتفكيك، وألبسه «العباءة العربية. قد تتغير الألفاظ من الانكليزية الرصينة إلى العربية الفصحى والبسيطة واللهجة المحكية، لكن المعنى يبقى راسخاً ويعيد إنتاج نفسه عبر كل عصر، ومع كل سلطة.
ألف ديكتاتور هم أشباح مستنسخة من «ريتشارد الثالث، ارتدوا قناعة الزائف، وغدروا بالأصدقاء قبل الأعداء، وتلوثت أيديهم بقتل الأطفال وحتى الأشقاء، ثم انتهى مصيرهم إلى الجنون أو الذبح والإعدام. فمصير الملك الانكليزي يتردد صداه في مصائر موسوليني وهتلر وصدام حسين. كما ان كشوف الضحايا بالملايين، أسماء نعرفها وأخرى لا نعرفها، لذا ليس غريباً أن يقف «ستانلي ـ جاسم النبهان في نهاية العرض ويفتح كشفاً طويلاً بأسماء الضحايا: الحسين بن علي، الحلاج، فهد الأحمد، عبد الحميد بن باديس، فايق عبد الجليل، وآخرين.
إنه صراع أزلي بين شرعية الكلمة وسطوة السيف، يعود بنا إلى جريمة القتل الأولى في التاريخ البشري، إلى مأساة «هابيل وقابيل، فالأخ يقتل أخاه طمعاً فيما ليس في يده، قد تكون امرأة أو ثروة أو كرسي الحكم. فمن هو ريتشارد الثالث الذي اختاره شكسبير نموذجاً للأخ القاتل والديكتاتور الدموي؟ إنه أمير إنكليزي ينتمي إلى عائلة «يورك إبان الصراع المرير مع أبناء العم «عائلة لانكستر على حكم انكلترا، وهو ما سُمي بـ «حرب الوردتين في الفترة من «1455-1485م فعندما أصيب هنري السادس المنتمي لعائلة لانكستر بمرض عقلي حكم بدل منه ابن عمه ريتشارد الثاني الذي ينتمي لعائلة يورك. وعندما تماثل هنري السادس للشفاء نشبت الحرب بين أنصارهما . قُتل ريتشارد الثاني ولكن تولى الحكم من بعده ابنه إدوارد الرابع بدعم من شقيقه ريتشارد. لكن مات ادوارد بعد سنوات قليلة وتولى ابنه الصغير إدوارد الخامس وهنا استولى عمه الوصي على العرش ريتشارد الثالث على المُلك . ولكن آخر المطالبين بعرش لانكستر هنري تودور استرد الحكم وأصبح بعدها هنري السابع . انتهى الصراع بعد ذلك بزواج الملك هنري السابع بإليزابيث ابنة إدوارد الرابع المنتمي لعائلة يورك وبذلك أقام الصلح بين العائلتين. وسبب التسمية هي أن الفريقين المتقاتلين كان شعارهما عبارة عن وردتين: الحمراء لعائلة لانكستر والبيضاء لعائلة يورك.
وفي طريقه إلى العرش قام ريتشارد بقتل أخيه كلارنس، ثم تسلل إلى عزاء أبناء العم المفجوعين بمقتل كبيرهم وعرض الزواج على أرملته «آن رغم أنه قاتل زوجها وأبيها. في حين تظهر الملكة السابقة «مارجريت لتصب اللعنات على عائلة «يورك خصوصاً الملكة «اليزابيث التي جلست مكانها على العرش، لتفقد أبناءها وزوجها وسلطتها، كما فقدت هي أعز الناس.
ويحاول الملك المريض ادوارد الرابع جمع شمل العائلة وعقد صلح وعهد وفاء بين أشقائه وأهل زوجته اليزابيث، لكنه يفجع بنبأ مقتل أخيه كلارنس، ثم يموت سريعاً، لتدور المنافسة على العرش بين شقيقه «ريتشارد من جهة، وأرملة الملك وطفليه من جهة أخرى. ويوظف ريتشارد كل وسيلة ممكنة للوصول إلى غايته، حتى أنه يشوه عبر شائعات متواترة سمعة أمه ويشكك في نسب أخيه وشرعية ولديه، ثم يعقد صفقة مع المستشار الفرنسي واسع النفوذ «بكنجهام للتخلص من كل من يقف في طريقه إلى كرسي الحكم من أمراء ووزراء وحتى طفلي شقيقه أصحاب الحق الشرعي في الحكم، في مقابل حصول بكنجهام على حكم إحدى المقاطعات وعندما يشعر ريتشارد بأن المستشار متردد في قتل الطفلين، ينهار التحالف ويعتبره عدواً على الفور، ويسعى للتخلص منه رغم أنه كان أكثر الناس إخلاصاً له. كما يساوم أرملة شقيقه إليزابيث، ليتزوج من ابنة أخيه الراحل، ليعطي حكمه شرعية في أعين الشعب. في حين تتآمر اليزابيث ضده في الخفاء مع القوات الأجنبية. ولا يدوم حكم ريتشارد الثالث سوى عامين ليسقط في المعركة الكبرى أمام قوات ريشموند. بعد أن أصبح وحيدا قد تخلى عنه الجميع ليصيح صيحته الشهيرة «مملكتي مقابل حصان.
لقد راح ريتشارد نتيجة سقطته التراجيدية، فهو فجر بركة الدم فظلت تتسع من حوله حتى أغرقته في نهاية المطاف. وكل القتلة المأجورين والقضاة المزيفين تخلوا عنه، ليصبح ضحية اللعنة التي أطلقها هو نفسه: «ليس لي إلا اليأس، فما من أحد يحبني. وإذا مت فلن يأسى أحد لموتي، أجل ولم يأسون؟ وأنا نفسي لا أسي لنفسي. من المؤكد أن ثمة تبايناً بين صورة ريتشارد التاريخية، والصورة التراجيدية التي رسمها له شكسبير، فهو أصبح رمزاً للشر المحض « رسول الجحيم، كتلة الدنس، الشرير، المسيخ، العبد الرجيم، المولع بسفك الدماء، القاتل، القنفذ، الخنزير البري، قبضة الجحيم، الأفعوان التي تقضي عيناه القاتلتان على كل من ينظر إليه، الملك السفاح، الذئب، الضفدع، العنكبوت، المتضخم بالسم، خالق الجحيم في الأرض السعيدة. وما من شخصية شكسبيرية حملت كل هذا الشر الهائل والمأساوي مثله، ينبع ذلك من إحساسه المضطرب بنفسه، فهو يخلو من الوسامة، حيث ولد مشوهاً وعانى من مشاعر الشفقة التي يعامله بها الآخرون، ليتشكل إنساناً عدمياً بلا ضمير، لا يتورع عن قتل أقرب الناس إليه، ولا يحفل بأية قيمة أخلاقية: «فلأكن شريراً مادمت لا أصلح للحب، ولا للاستمتاع بهذه الأيام الجميلة الزاهرة ولأميز تلك الأيام ومتعتها اللذيذة بغضبي وحقدي.
وتأتي الصورة الثالثة للملك السفاح على يد البسام، لتمزج بين الأصل التاريخي، والتراجيديا الشكسبيرية، والطقسية العربية. وهنا يلفتنا العنوان «ريتشارد الثالث: مأساة معربة هل هو ترجمة أمينة أم إسقاط على الواقع العربي أم تناص مع النص الشكسبيري؟ أتصور أن كل الإجابات تبقى مقبولة، فالبسام حاول الحفاظ على النص الشكسبيري وروحه، بما في ذلك الأسماء واللوحات الأساسية، وقدم ترجمة عربية مطعمة باللهجة المحكية، وفي الوقت نفسه ثمة «تناص معه، وتفاعل حواري، فهو يستلهمه ويراه في مرآة الراهن، ويعيد تحميله بملامح عربية، فنرى الملك يرتدي «العباءة والبشت والموسيقى مستلهمة من التراث البحري الخليجي وأهازيج البر، إلى جانب الموسيقى الالكترونية، وجمل شكسبير تتمازج مع أحاديث وآيات قرآنية وأشعار عربية شهيرة مثل « أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني.
نحن لا نرى «ريتشارد الثالث الانكليزي المحكوم بزمكانية لا تتجاوز سماء انكلترا، خلال ثلاثين عاماً، ولا نتابع أحداثاً ماضية جرت قبل حوالي خمسمئة عام، بل فوق هذا كله، نرى ريتشارد الثالث ماثلاً في العصر الراهن، في أماكن لا حصر وأزمنة لا تحصى. يكرس التلفزيون لتلميع صورته حين يضفي حالة الطهارة والقداسة والترفع على نفسه، في حين يتحول خادمه السفاح إلى شيخ يتحدث باسم الدين. ويستعين بمستشار أجنبي ليدعم سلطته، ويتزوج من أرملة أحد ضحاياه. ما يريد البسام أن يقوله ببساطة إن «الديكتاتور الدموي لا يعرف ديناً ولا أخلاقا ولا مبدأ، وهو قابل للاستنساخ في أي عصر وبلد، طالما أن المعنى يُحرف والميديا يتم التلاعب بها، والنفوذ الأجنبي قائم، والديمقراطية مجرد لافتة للتنكيل بالخصوم، والقانون يطبق على ناس وناس... الخ
هذه الصورة المركبة لبطل العرض، وما اقتضته من فسيفساء لغوية وبصرية، لا تخلو من إبهار، وإن ظل التلقي لها منقوصاً، فالمتفرج العربي قد لا يرتاح لوجود أسماء أجنبية في ملابس عربية، وقد لا يفهم الجمل الانكليزية التي تظهر على الشاشة، ولا يهضم بسهولة كثرة الإسقاطات المنثورة في اتجاهات مختلفة، لكن يبقى الإلمام العام بالطرح قائماً حتى لو لم يكن له سابق معرفة بالنص الأصلي. كما إن المتفرج الغربي، قد لا يرتاح لاستنطاق شخوص شكسبير بلغة أجنبية وارتدائها ملابس غريبة، واضطراره إلى متابعة شريط ترجمة مثلاً. فالنص ـ في رؤية البسام ـ حدث له نوع من «التغريب الصادم، إذ أُخرج من بيئته الأساسية وظل معلقاً في الفراغ متقاطعاً مع بيئة أخرى. وهو مستوى مختلف عن «التغريب الذي طرحه شكسبير عبر بطله التراجيدي حيث أعطى للأحداث والحوار قدراً عالياً من المبالغة والدرامية.
بيئة العرض تظل مفتوحة وقابلة للاشتغال عليها، فهي عبارة عن مربع فارغ تقريباً بلا أي ديكور يحيط به الجمهور فيما يشبه الدائرة. والممثلون يدخلون ويخرجون من زوايا المسرح الأربع، هذا الانفتاح والفراغ والتجريد أعطى للعرض بعدا كونياً، ثمة أرض فضاء عارية وربما متخيلة، يحدث فيها الصراع والمواجهة الدامية بين أقطاب السلطة، والجميع تدفعهم شهوة الحكم بنسب متفاوتة. وفي الخلفية نرى ستارة شفافة تكشف الكواليس إلى حد ما، وتقسم العمق إلى قسمين: فوق، وتحت. لعبت هذه الستارة على بساطتها دورا أساسيا في الرؤية البصرية والدرامية، فهي تارة جدار وتارة أخرى شاشة تلفزيون نرى عليها لقطات تلفزيونية تعبيرية كاشفة ومعمقة للحوار الدائر في الجزء الأمامي، وتارة ثالثة تصبح ستاراً لما يحاك من دسائس في الخلف. أو نرى في المستوى العلوي منها نبض الشارع أو وزير وعاشقته يلهوان. فالحدث أما الستارة كان حوارياً ممسرحاً، في حين كان خلفها تلفزيونياً وبصرياً وربما دون كلام. وفي الحالات التي لم توظف فيه الستارة لانجاز مشهدية معينة، كنا نراها تتحول إلى صورة كبيرة للملك نفسه، وتتغير طبعاً بتغير الملك. ووجودها جعل الحدث المسرحي موزعاً على ثلاثة مستويات، وأحدث تناغماً بين الشكل التقليدي للمسرح وفنون حداثية أخرى. ومع ثراء الصور المجسدة والمتخلية تراوحت الإضاءة بين السلويت والأرزق والأصفر والأحمر، للتعبير عن روح كل مشهد.
يمكن القول إن التمديد في « زمكانية العرض ليشمل رقعة فسيحة من الجغرافيا والتاريخ، تم دعمه بأشكال متنوعة من الموسيقى، وبالثراء في اختيار ملابس عربية وأجنبية، دون تحديدها في بلد معين. وهذا التنوع نراه أيضاً على مستوى اختيار الممثلين أنفسهم، فالمخرج استعان بممثلين من أكثر من بلد عربي مثل سورية ولبنان والعراق والكويت وانكلترا. في تأكيد واع على أن رسالة العرض غير موجهة إلى مكان بعينه.
والملاحظة الأساسية بالنسبة للتمثيل هي براعة الممثلين في مسرحة الحدث والكلمة، دون افتعال أو تشنج، فجميعهم كانوا أبطالاً وعلى وعي تام بحدود الشخصية ومساحتها، حتى لو لعب أحدهم أكثر من دور في العرض. رأينا قدرة على التلوين الصوتي، وتناغم في الحركة والانفعال، وخلق طقسية مسرحية مبهرة.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت


المزيد

معدل التحويل

تاريخ:

قاعدة دينار كويتي

معدل التحويل


KWD

EUR

GBP

JPY

CAD

AUD

RON

RUB

محول العملات