النهار الاقتصادي

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf
الولايات المتحدة ترفض التدخلات «القذرة» وتوافق على الخيار الصعب
حشاد لـ «النهار»: تراجع الدولار.. خطة أميركية لعلاج الاقتصاد المتهالك

تراجع الدولار الأميركي أمام العملات الرئيسة في الأسواق العالمية بشكل لم يسبق له مثيل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وكان الجانب الأكبر من هذا التراجع في صالح «اليورو الأوروبي الذي تجاوز حاجز 1.4دولار في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العملتين.
وأمام هذه التراجعات التي اعتبرها البعض مؤشرا على فقدان الثقة في الاقتصاد الأميركي تعالت الأصوات مطالبة بفك الارتباط بين العملات الخليجية والدولار، والعمل بنظام سلة العملات تحسبا لأية هزات يتعرض لها الاقتصاد الأميركي مستقبلا، وقد تعصف بالعملات الخليجية. الإشكالية بجميع أبعادها عرضناها على الدكتور «نبيل حشاد رئيس المركز العربي للدراسات المالية والمصرفية، الخبير السابق بصندوق النقد الدولي، وكان لـ «النهار معه الحوار التالي:
عطسة بورصة «وول ستريت
تراجع الدولار أمام معظم العملات الرئيسة خاصة اليورو، بمعدلات أصابت الكثيرين بالخوف والهلع ما أسباب هذا التراجع، وهل هناك عوامل سياسية واقتصادية لعبت دروا في هذا أم أنها سياسة مصرفية اتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي؟
بداية نود أن نشير إلى أن الدولار الأميركي أهم عملة، من حيث الاحتياطيات الدولية والأوراق المالية، خاصة السندات التي تصدرها البنوك المركزية على مستوى العالم بالدولار أو تلك التي يصدرها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فضلا عن أن الخزانة الأميركية هي الأكبر على مستوى العالم من حيث حجم إصدار السندات، أخذا في الاعتبار أن الدولار الأميركي يمثل نحو 60 في المئة من نسبة الاحتاطيات الدولية، وعلى الرغم من المكانة التي تحظى بها العملة الأميركية على مستوى العالم إلا أن هذا لا يقف حائلا دون أن تنخفض بين الحين والآخر، وعند تحليل العوامل التي أدت إلى تراجع الدولار خلال الفترة الماضية نجد أن هناك أسباباً اقتصادية إلى جانب بعض العوامل السياسة الأخرى التي لعبت الدور الأكبر في تراجع العملة الأميركية مقابل العملات الرئيسة، فمن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تواجه العديد من المشاكل على الساحة السياسية، خاصة فيما يتعلق بالملفين العراقي والإيراني. وبالنسبة للواقع الاقتصادي فإنه يشير إلى أن أميركا تعاني منذ فترة طويلة من مشكلة التمويل العقاري والقروض الائتمانية التي تسببت في أزمة عنيفة القت بظلالها على سوق المال الأميركي، ما أدي إلى اهتزاز ثقة المستهلكين في واحد من أكبر الاقتصاديات على مستوى العالم، وكما يقال في الفكر الاقتصادي إذا عطست بورصة «وول ستريت في نيويورك فإن باقي البورصات على المستوى الدولي تصاب بالبرد، وتلك المقولة تعكس إلى أي مدى يؤثر الاقتصاد الأميركي في أسواق العالم. وفي محاولة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لوقف الانهيارات التي منيت بها البورصات الكبرى، وتنشيط سوق المال العقاري، فقد أصدر قرارا بتخفيض أسعار الفائدة على الاقتراض، وذلك في محاولة لفك حالة الانكماش التي أصابت مؤسسات التمويل خلال الفترة القليلة الماضية، وهو ما أدى إلى مزيد من تراجع أسعار الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى، خاصة اليورو الأوروبي.
التدخل القذر
ما موقف الدول الاقتصادية الكبرى من تراجع العملة الأميركية إلى أدنى مستوياتها على مدار الخمسة عشر عاما الماضية، وهل هناك تدخلات من جانبها ساعدت في هذا التراجع؟
على خلفية الدور الحيوي الذي يلعبه الدولار الأميركي في الاقتصاد الدولي فإن الدول الصناعية الكبرى تتدخل لوقف أية أزمات تعاني منها العملة الأميركية، تحسبا لوقوع خلل في نظام النقد العالمي، حيث يتم عقد اجتماع لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في تلك الدول لبحث كيفية التدخل وعلاج الخلل الذي أصاب النظام النقدي لأي من هذه الدول، وهو ما يعرف بالتدخل القذر!!
إذا كان الهدف من هذا هو علاج الخلل في النظام النقدي العالمي فلماذا يوصف بالقذر؟
لأن هذا يتعارض مع قواعد السوق الحر، التي تقضي بتفعيل قوى العرض والطلب في السوق، بعيدا عن أية تدخلات قسرية.
طلب وهمي على الدولار
ماذا عن طبيعة هذه التدخلات؟
في حال استمرار التراجع كما هي الحال بالنسبة للدولار الأميركي حاليا فإن محافظي البنوك المركزية وواضعي السياسات النقدية في الدول الكبرى يتفقون فيما بينهم على شراء كميات من الدولارات أو السندات لخلق نوع من الطلب الوهمي المتزايد على تلك العملة لوقف عمليات التراجع، ومعاودتها للارتفاع من جديد، في المقابل نجد أن هناك زيادة في المعروض النقدي من العملات الأخرى، ومن ثم انخفاض قيمتها مقابل الدولار، وتجدر الإشارة إلى أن هذه التدخلات تتم تحت إشراف البنك الفيدرالي الأميركي.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا يتراجع الدولار منذ فترة، ولماذا يعجز البنك الفيدرالي الأميركي عن مواجهة هذا الأمر الذي أضر بالعديد من الاقتصادات الأميركية بما فيها الاقتصاد الأميركي ذاته، وهل هناك دور للاتحاد الأوروبي في هذا التراجع، خاصة وأن اليورو يواصل صعوده مقابل العملة الأميركية؟
عدم التدخل من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي يؤكد على أن واضعي السياسات النقدية يدعمون قوى العرض والطلب، بغرض منح مزيد من الثقة في الاقتصاد الأميركي، بغض النظر عما تعاني منه بقية الدول، خاصة الاتحاد الأوروبي.
هل تقصد أن تراجع الدولار الأميركي أمام اليورو الأوروبي في صالح الاقتصاد الأميركي؟
بكل تأكيد!!
كيف، وأن تراجع عملة أية دولة يعنى فقدان الثقة باقتصادها؟
يجب أن نشير إلى أن الاقتصاد الأميركي محمل بأعباء ضخمة بسبب تراجع الميزان التجاري مع الدول الأخرى، خاصة دول الاتحاد الأوروبي، فضلا عن زيادة معدلات البطالة، وارتفاع عجز الموازنة بسبب زيادة معدلات الإنفاق على الحرب العراقية، ومن هنا فقد وجدت الإدارة الأميركية البحث عن وسائل غير تقليدية للتخفيف من وطأة كل هذه الأزمات، وكان الاختيار الصعب بالاتفاق على خفض قيمة الدولار أمام العمل الرئيسة.
وهل هذا الاتجاه سيؤدي إلى علاج هذه المشاكل؟
بالتأكيد.. لأن انخفاض قيمة الدولار سيؤدي إلى انخفاض أسعار المنتجات الأميركية أمام نظيرتها الأوروبية والآسيوية، ومن ثم ستتم زيادة الطلب عليها في الأسواق العالمية، فضلا عن عزوف المستهلكين الأميركيين عن شراء السلع المنافسة لمنتجاتهم وتقليل الوارد منها، وكل ذلك يصب في صالح الاقتصاد الأميركي بشكل عام.
أسعار البترول تواصل ارتفاعها
برأيك هل هناك علاقة بين انخفاض قيمة الدولار وارتفاع أسعار البترول؟
لا يمكن الربط بين هذا وذاك لأن سوق البترول لها ظروف خاصة جدا، ولا تتأثر إطلاقا بارتفاع أو انخفاض سعر الدولار، وهنا نشير إلى أن سعر النفط في فترات سابقة كان قد وصل إلى مادون الستين دولاراً، هذا في الوقت الذي كان يواصل فيه الدولار صعوده، ويمكن القول أن سوق البترول يتأثر بعوامل أخرى مثل التوترات السياسية في مناطق الإنتاج، إلى جانب الشائعات التي تلعب الدور الأكبر في تحديد الأسعار، وإذا نظرنا إلى الأوضاع الحالية سنجد أن هناك حالة من عدم اليقين بالنسبة للملف العراقي إلى جانب القلق من الأزمة النووية الإيرانية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار البترول على النحو المشار إليه. وتأكيدا لما نقول نشير إلى أن صندوق النقد الدولي أصدر تقريرا في يوليو الماضي تحت عنوان تنبؤات خاصة بأسعار النفط توقع فيه ألا تزيد أسعر النفط عن حاجز الستين دولاراً إلا أنه في سبتمبر الماضي، وعلى ضوء التصعيد الإيراني - الأميركي، وزيادة حدة التوتر في العراق قام صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاته وأكد أن أسعار البترول سوف تخترق حاجز السبعين دولارا، وهو ما تحقق بالفعل، حيث ارتفعت الأسعار لتصل الى المئة دولار.
اذا كانت أسعار البترول مقومة بالدولار كيف لا تتأثر بالتراجعات التي شهدتها العملة الأميركية خلال الفترة الماضية؟
أسواق العملات لا تتأثر بالعوامل السياسية والتوترات بالدرجة نفسها التي تتأثر بها أسواق النفط، لأنه كما قلنا هذه السوق لها طبيعتها الخاصة.
الدولار محور الارتكاز
ماذا عن ارتباط العملات الخليجية بالدولار، وهل تتفق مع الآراء المطالبة بفك هذا الارتباط؟
الارتباط.. نوع من أنواع أسعار الصرف المتعارف عليها دوليا، وعندما تم إقرار اتفاقية «بريتون وود في عام 1944، والتي تم بموجبها إنشاء صندوق النقد الدولي كان الدولار الأميركي هو محور الارتكاز لنظام النقد العالمي، وكان كل 35 دولارا توازي «أونصة ذهب، وفي عام 1981 تم فك الارتباط بين الذهب والدولار، وأصبح هناك ما يعرف باسم «تعويم العملة وهو تحديد قيمة العملة على أساس سعر الدولار ووفق ما تحدده قوى العرض والطلب، وبالنسبة للدول العربية كافة نجد أن ارتباط عملتها بالدولار يأخذ أحد شكلين إما ارتباطا رسميا أو عمليا، وبالنظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي نجد أن هناك أربع دول ترتبط عملتها بحقوق السحب الخاصة «sdr والمكون الرئيس لها الدولار، وتتحرك صعودا وهبوطا بنسبة 70 في المئة، وتلك الدول هي.. «السعودية - قطر - الإمارات - سلطنة عمان وترتبط رسميا وعمليا بالدولار أي أن هناك تثبيتاً لسعر الصرف، أما الكويت فقد كانت ترتبط بسلة عملات ثم عادت للارتباط بالدولار، وبعد فترة فكت هذا الارتباط وعادت مرة أخرى لسلة العملات.
التضخم المستورد
ماذا عن اثر انخفاض سعر الدولار على العملات الخليجية، خاصة وأن معظمها مرتبط رسميا بالعملة الأميركية؟
عند مقارنة العملات الخليجية باليورو نجد أن قيمتها أخذت اتجاه الدولار نفسه - الانخفاض- وتلك مشكلة حقيقية بالنسبة للمستهلك الخليجي، حيث إن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للدول الخليجية، ومن ثم فإن ارتفاع اليورو أمام الدولار أدى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق، وهو ما يعرف بالتضخم المستورد، ولمواجهة هذه المشكلة على الدول الخليجية أن تعمل على أن تحل الواردات الأميركية محل واردتها الأوربية للاستفادة بفارق سعر الصرف بين اليورو والدولار.
برأيك هل فك الارتباط بالدولار في صالح الدول الخليجية؟
لا أعتقد ذلك على الأقل في الوقت الذي تتطلع فيه الدول الخليجية لإصدار عملة موحدة فيعم 2010، حيث إن ذلك يتطلب نظام صرف ثابت يصعب تحقيقه في حالة سلة العملات، على عكس تقويم سعر الصرف بعملة واحدة - الدولار -، فضلا عن أن الدول الخليجية تعتمد اقتصاداتها بشكل أساسي على البترول المقوم بالدولار، وعند إعداد موازناتها يتم احتساب الموارد على أساس العائدات المحققة من واردات النفط، ومن هنا فإن فك الارتباط من الدولار الأميركي سيكون أمراً بالغ الخطورة على اقتصادات الدول الخليجية، وسيحول دون الوصول إلى عملة موحدة.



إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

النشرة الإخبارية

   

كاريكاتير

تطبيقات الهواتف الذكية