loader

علم ومعرفة

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع

صاحب ديوان «مشاعر متعطشة» وكتاب «كيف تبدع قصيدة»

الوحيمد: الشعر موهبة وبدونها لن يستطيع أحد كتابته


على مدى 30 عاماً ظل عطاؤه يتدفق بغزارةٍ على صفحات الأدب في الصحف والمجلات السعودية والخليجية حتى تجاوز ما نشره 300 قصيدةٍ ومقالةٍ ودراسةٍ وثقها في كتبٍ وهي: (كيف تبدع القصيدة) و(من الحب) و(شذرات) وديوانين شعريين وهما: (مشاعر متعطشة) و(همس المشاعر) وأخيراً كتاب إعلامي بعنوان: (الأحساء أصالة وعطاء) فضلاً عن أربعة دواوين مسموعة تضم قصائد عاطفية. عبداللطيف الوحيمد إلى جانب كونه شاعراً وكاتباً ومؤلفاً هو صحافي في الزميلة عكاظ نشر آلاف الأعمال الصحافية خلال 14 عاماً من عمله فيها التقيناه وكان هذا الحوار:
نقرأ أحياناً عناوين لدواوين شعرية ليس لها علاقة بفحواها فعلى أي أساس يختار الشاعر عنوان ديوانه؟
ما أكثر ما أقرأ من عناوين لدواوين شعريةٍ مالها علاقة بمضمون الديوان إذ يختار الشاعر اسماً مستوحىً من قصيدةٍ من قصائده بسبب جاذبيته أو رنين جرسه الموسيقي أو لإعجابه بعبارةٍ من عبارات إحدى قصائده وقد لا تكون ذات علاقةٍ بجوهر الديوان العام وإنما اختارها للأسباب السالفة أو لأنها وجدت وقعاً في نفسه وبعضهم يختار اسماً لا يعرف مدلوله على غرار أسلوب أدعياء الحداثة في الكتابة الذين يتعاملون مع النص بهذا المقياس بمعنى أن كل ما يهمهم هو جاذبية العبارة ورونقها دون الاهتمام بمؤدَّاها التعبيري في حين يفترض أن يختار الشاعر عنواناً لديوانه مستوحىً من مضمونه الكلي أي ما يُشكِّله إجمالي القصائد من إيحاءٍ بدلالةٍ معينةٍ تختزل التجارب الشعرية التي تنطوي عليها قصائد الديوان بطبيعتها وأفكارها وموضوعاتها في عبارةٍ مُعبِّرةٍ وموحية ونفس الشيء يحدث في الإهداء حيث يُهدي الشاعر ديوانه الغزلي إلى وطنه أو والديه أو غير ذلك ممن ليس له علاقة بمضمون الديوان في حين يُفترض أن يُهدى الديوان الغزلي مثلاً للمعشوقة أو للقارئ المتذوِّق ويُهدى الديوان المشتمل على القصائد الوطنية للوطن والمتعلِّق بالوالدين يُهدى للوالدين وهكذا وينسحب ذلك أيضاَ على الكتب غير الشعرية.
يُقصر البعض تسمية الشعر الغنائي على الشعر الحر أو شعر التفعيلة فهل سواه من الأنماط غير غنائي؟
من الأخطاء الشائعة اعتبار قصيدة التفعيلة أوالحرة غير الملتزمة بوحدة الوزن والقافية هي القصيدة الغنائية وأن القصيدة العمودية غير غنائية بينما جميع الشعر الوجداني بمختلف أنماطه الفنية هو شعر غنائي وذلك نسبةً للغناء الذي اكتسب منه هذه التسمية لأن الشاعر يتغنى به بلحنٍ موسيقي أثناء عملية صياغته من أجل وزنه سواءً كان عمودياً أو غير عمودي بل أن أغلب الشعر الذي تغنَّى به الشعراء العرب من الشكل العمودي إذن فهو شعر غنائي وليس الحر فقط هو الذي نطلق عليه هـذه التسمية نظراً لأن أغلب المطربين المعاصرين تغنوا به فهذا ليس مقياساً ينهض كدليل لتبرير صحة ذلك الاعتقاد الخاطىء وإن افترضنا جدل صحته فماذا سنسمِّي الشعر النبطي الذي اتجه لغنائه مؤخراً الكثير من المطربين؟ هل سنستبدل تسميته بالغنائي؟ أم ماذا؟.
اللواذ بالشعر
يلاحظ على البعض عند الحاجة للتعبير عن الذات اللواذ بالشعر دون وجود الاستعداد الفطري لذلك فما رأيك في هذه النزعة؟
يثير استغرابي لواذ البعض بالشعر حين يريدون التعبير عن خواطرهم ومشاعرهم والتنفيس عن انفعالاتهم الوجدانية في حالة التعرض لأية أزمةٍ نفسـية أو حادثةٍ انفعالية أو موقفٍ شخصي أو إحباط عاطفي أو فشلٍ في تجربةٍ ما إلى غير ذلك مما يعرض للإنسان في حياته الخاصة والعامة وهم لا يملكون أصلاً الاستعداد الفطري لقرض الشعر ظناً منهم أن الشعر تعبير عن فكرةٍ تختلج في النفس وتُسطَّر بكلماتٍ لا تحكمها سوى قافيةٍ تنسِّق شطري القصيدة باعتبارها أبرز عناصر النص الشعري الظاهرة للعين ويغيب عن أذهانهم أن للشعر قواعد وأصول ومقوّمات ولوازم علمية وسماتٍ كثيرة ومقاييس معقدة لا يعد شعراً بدونها وأنه يحتاج إلى ثقافةٍ خاصة وهي الثقافة اللغوية والشعرية والأدبية كالمعرفة بقواعد اللغة وعلومها البلاغية والمعرفة بقواعد الشعر الفنية وخصائصه وضروراته وقضاياه وفنونه ومناهجه وتياراته وكل ما يتصل به ومعرفة كافية بطبيعة الأدب بوجهٍ عام وفنونه والفنون المتصلة به ومدارسه ومذاهبه بالإضافة إلى الثقافة العامة وهي المعرفة بلوازمه العلمية من مبادئ علم النفس والاجتماع والتاريخ والسياسة وغيرها من الحقول المعرفية التي لابد للشاعر من الأخذ بمبادئها ليمتلك القدرة على التعبير عن رأيه الحضاري البنَّاء وفكره الواعي المثقف والمدرك لما يدور حوله ورؤيته النافذة والناضجة والحصيفة للأمور وقدرته على استكناه النفس وتحليل ظواهرها ويكفي الشعر عظمةً وضخامةً وتعقيداً وصعوبة أنه الركن الذي يقابل النثر في حجمه ويتشكل منهما الأدب بل أن أغلب الدراسات العلمية كانت من نصيب الشعر فكم رسالة بدرجة الدكتوراه قامت على جزئيةٍ من جزئياته فكيف بنا أن نستهين به كل هذه الاستهانة الأمر الذي يحدو بالبعض للتشبث به دون سواه عند الحاجة للتعبير عن خلجاته النفسية وخواطره وضيق نفسه من أي أمرٍ من الأمور دون الاعتماد على الموهبة والثقافة الكافية عنه وكأنه شيء بسيط وسهل جداً بحيث يمكن للجميع كتابته في حين توجد أنواع كثيرة من النثر بإمكان أي إنسانٍ مثقف أن يستخدمها للتعبير عن تجاربه وخوالج نفسـه وأحاسيسـه ورؤاه الفكرية دون الحاجة إلى موهبة فأما الشعر فلا تكفي الدراسة أو الثقافة لوحدها لكتابته مالم تتوفر الموهبة الأصيلة والتي بدونها يكون الكلام نظماً لا شعراً والفرق كبير بين الإثنين.
هل تعتقد أن الشعر سيفنى في يومٍ ما ويحل محله أي نوع من أنواع الأدب كالرواية أو القصة أو الأقصوصة أو الخاطرة؟
على الرغم مما تضج به حياتنا المعاصرة من الملهيات والمغريات والشواغل اليومية التي لا تدع للإنسان وقتاً للراحة والسكينة والهدوء من جراء الركض المتواصل خلف متطلباتها المعيشية المتزايدة التي لا تمنح الإنسان فرصةً من الوقت للسياحة الفكرية والتأمل في إبداع الطبيعة والكون وتذوُّق الجمال فيما يحيط به من أشياء حسيةً كانت أو معنوية إضافةً إلى استعباد الآلة والمادة اللتين سلبتا من الإنسان مقوِّماته الروحية والفكرية والإبداعية وعلى الرغم من المآسي والمصائب والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية التي يعيشها الإنسان المعاصر أو يعايشها في كل مكانٍ من العالم بما يجلب التشاؤم لنفسـه والقلق والقنوط والتبرُّم مـن الحياة والزهد فـي العيش على هذه البسيطة بسبب ما يتفجر في كل بقعةٍ فيها من صراعٍ بشري أو أزمةٍ خانقة أو مأساةٍ إنسانية أو تطورٍ في الأحداث التي تتوالد يوماً بعد يوم بل دقيقةً بعد دقيقة إلى غير ذلك مما يعكر المزاج ويوتِّر الأعصاب ويثبِّط العزيمة ويقتل الروح الوثَّابة والإحساس النابض ويوقف نبض القلب ويميت الشعور أحياناً ويصيب العاطفة بمقتل بما يجعلها غير قادرة على الانفعال والاستجابة للمؤثرات مهما تكن قوتها وذلك لتبلدها من شدة تكالب الضغوط المختلفة عليها وتعطل خلاياها الشعورية مع كل ذلك نجد الشعر لا يزال ينبض في قلب الإنسان نبضاً يفوق نبضه الطبيعي وكأنه في معزلٍ عن واقع الحياة التي يعيشها وما ذلك إلا لأنه اللغة التي تنطلق من قمقمها إذا عجز اللسان عن الكلام والنبض الذي يتسارع حين يتراجع نبض القلب فيا للشعر من كائنٍ عجيب يتكاثر فيما يتناقص قائلوه كما يتكاثر جمهوره الذي يطرب له ويستمتع به ولا تعيضه عنه أي وسيلةٍ تعبيريةٍ أخرى مهما بلغت تقنياتها الفنية بما يدحض رأي البعض بأن الشعر سيفنى وذلك لابتكار وسائل تعبيرية تغني عنه لكونها أبلغ منه وأدق وأشمل وأوسع وتبعاً لحجم هذا الجمهور يتحدد مدى استعادة الإنسان لإنسانيته التي سلبتها الآلة والمادة وما أبلغ رد الأديب العربي الكبيرعباس العقاد على الذين يزعمون بأن الشعر سيفنى وذلك حين قال:(الشعر لا يفنى إلا إذا فنيت بواعثه وما بواعثه إلا محاسن الطبيعة وخوالج النفس وأمانيها ومطالبها).
المناسبات
يقلل بعض النقاد من شعر المناسبات ويعتبره دون مستوى الأغراض الشعرية الأخرى فما تعليقك على ذلك؟
لا أدري لماذا يُعاب شعر المناسبات مع أنه يتحدث عن شئون المجتمع وقضاياه المتصلة بالأحوال العامة والخاصة ولا شك أن الاتجاه الاجتماعي لدى الشاعر ينم عن وعيه وإدراكه العميق لهدف رسالته الشعرية في الحياة ودوره كشاعرٍ ميّزه الله بتركيبةٍ فكريةٍ ووجدانيةٍ مختلفةٍ عن سواه من سائر البشر تحمله على التعمق في بواطن الأشياء بمنظارٍ مرهف الحاسة يتغلغل إلى كنهها ويتفاعل معها مجسداً ذلك برؤىً مشرقةٍ وجليلة تتيمَّم الخير والفضيلة وكل القيم النبيلة وتصارع كل ما يتناقض معها ومن هذا المنطلق يلتهب شعوره وتتأجج عاطفته وتتفجر طاقته الإبداعية ويحترق كالشمعة ليضيء للغير منارات الدروب المعتمة بينما الشاعر الذي ينكفئ على ذاته ويتقوقع في محيطها الضيق منصرفاً بذلك عن قضايا مجتمعه إنسان متبلِّد الحس والشعور الاجتماعي والعاطفة وهو عضو غير فعَّالٍ في الجسد الاجتماعي.
يلاحظ على جمهور الأغنية هذه الأيام أنه يطرب باللحن دون الاعتبار بالنص الغنائي لذا يحدد موقفه من الأغنية بمجرد سماع لحنها دون الالتفات للكلمة الشعرية.
مرَّ أبو تمَّامٍ ذات يومٍ بجاريةٍ وهي تغني بالفارسية فاستعذب لحن الأغنية وشجاه صوت المغنية وأطربه أداؤها دون أن يفهم معاني كلماتها فقال:
ولــم أفهـــمْ معانيهــا ولكـــــــنْ
شجت كبـدي ولــم أقـوَ شجاهـــا
فكنــتُ كأنني أعمــــىً مُعنـَّــىً
يُحـــــــبُّ الغانيـــات ولا يراهــــا
وحال أبي تمامٍ في هذا الموقف يُشابه حال معظم جمهور الأغنية في هذه الأيام الذي يتراقص طرباً بلحنها الراقص دون فهمٍ لمعانيها أو دون الاكتراث بانحطاط معانيها إن كانت مفهومة إعجاباً باللحن فصار مقياس نجاح الأغنية من عدمه هو اللحن ولا شيء غير ذلك.
كثر في الآونة الأخيرة أدعياء الشعر فكل من كتب بيتاً أو بيتين سُمي شاعراً فهل هناك مقاييس للكتابة الشعرية؟
الشعر موهبة وإن لم توجد هذه الموهبة في المرء فلن يستطيع كتابته مهما بذل من جهد وإن استطاع ذلك بالتعلم فهو ناظم وليس بشاعر وهناك فرق واضح بين الشاعر والناظم وهذه القضية محسومة نقدياً وفي هذا الصدد يقول الدكتور غازي القصيبي يرحمه الله إن أسهل معيار للتفرقة بين الشعر والنظم أن الشعر هو الذي تُبصر فيه نفسك والنظم هو الذي تبصر فيه الحروف والكلمات ولا شيء غير ذلك وتقول الكاتبة غادة السمَّان: أن الشاعرية لا تكمن في شكل الكلمة الشعرية وإنما في مضمونها أي في الرعشة التي يبعثها المعنى وليست ألوان الحرف المبهرج هي التي تهزك وإنما هو ظلال الحرف فهذا هو الفرق بين الشعر والنظم.
هل يوجد هذه الأيام نقد حقيقي للشعر؟
لا يكاد يخلو لقاء يُجرى مع شاعرٍ من سؤالٍ عن النقد والنقاد فأين النقد والنقاد في ساحتنا الشعرية؟ إنني لا أرى ذلك مطلقاً مع أنني من أكثر المتابعين للصحافة الشعرية ومعرفة دواخلها ودقائقها فهل يظنون الكتابات الانطباعية نقداً؟ إذا كان كذلك فهم مخطئون ويجب أن يصححوا مفهومهم عن النقد لأن للنقد مفهوماً آخر نقيضاً لمفهومهم فقد عرفنا من خلال قراءتنا الأدبية أن للنقد أصولاً ومبادئ وقواعد وشروطاً لا تنطبق على ما نقرأه في الصحافة الشعرية من كتاباتٍ انطباعيةٍ صاغها الكاتب وفق تأثره بما يُكتب عن الشاعر لا بشعره أو بناءً على علاقـــةٍ شخصيةٍ تربطه به أو تقليداً للذين يمجدونه ويُطبِّلون له لذا نجد كتابته المسمَّاة بالنقد عبارة عن آراء شخصيةٍ لا تعضدها قاعدة علمية أو أدبية وليست فيها أية قيمةٍ نقدية كما يوجد في الدراسات النقدية والتحليلية والبلاغية التي تتناول الشعر قديماً بما يجعل القارئ يخرج منها بثروةٍ علميةٍ وأدبيةٍ وفكريةٍ عظيمة فهل توجد مثل هذه الدراسات المتعمقة في ساحة الشعر؟
ومن يُريد أن يفقد معارفه من الشعراء ويستعدي عليه الآخرين فليمارس عملية النقد وإن التزم بالموضوعية والحيادية وبأصول النقد وأسسه ومفاهيمه فإنه لن يسلم من الضغن والحقد والغل في نفوس منقوديه وأنصارهم ذلك لأن الشاعر المعاصر وجمهوره مع الأسف رغم تعلمه لم يعِ بعد مفهوم النقد وأهميته وضرورته في الحياة الأدبية باعتباره شريان الإبداع وظله الذي يلازمه دون انفكاك إذ لا يمكن أن تتطور حركة أدبية دون أن تصاحبها حركة نقدية موازية توجه مسارها نحو الوجهة السديدة وتجنبها عثرات الطريق ومهاويه فما أن يتعرض ناقد في محاولةٍ نقدية لقصيدةٍ ما ولاسيما إذا كانت لشاعرٍ مشهور إلا ويفاجأ بصاعقةٍ تنزل عليه من المتعصبين الذين أعماهم التعصب عن الحق الأبلج هذا إن تمكن من إقناع محرر الصفحة بنشرها لأن المحررين يفزعون من النقد للشخصيات التي يعظّمونها إلى درجة نفي الخطأ عنها وكأنها معصومة منه فلا مجال لأحد أن يشير إلى ظاهرة ضعف أو موطن قبح في نتاج هؤلاء ولو فعل ذلك فهو حاقد أوحاسد ويعاني مركب نقص يسعى لتعويضه من خلال مشاهير الشعراء وقد يُتَّهم بأفظع من ذلك ويحارب ويُسجَّل اسمه في القائمة السوداء لدى الصحف والمجلات وحتى نتاجه الأدبي الذي ليس له علاقة بالنقد قد لا يُنشر لهذا السبب حتى يُعلن توبته واعتذاره وتعهده بعدم الرجوع إلى ما بدر منه مستقبلاً لذلك أنصـح الناقـد أو مـن يفكِّر فـي ممارسة هذه المهنة أن يبتعد عن النقد ويعمل بالمثل الشعبي الذي يقول: (اترك القرعا ترعى).
إذاً متى يزدهر النقد؟
ازدهر النقد في وقتٍ مضى حينما كانت النصوص الشعرية المنشورة في الدواوين والصحف والمجلات نصوصاً جيدة تحفّز
الناقد على التفاعل معها وتحرّك قلمه وتستثيره لأن فيها من المقاييس الفنية ما يرقى إلى مستوى النقد كفنٍ أدبيٍ مقنن لذا تنافس النقاد مع بعضهم البعض في التهافت عليها لإخراج رؤاهم النقدية المختلفة فمنهم من اتجه إلى تحليلها فنياً ومنهم من اتجه إلى تحليلها نفسياً ومنهم من اتجه إلى دراستها بلاغياً ولغوياً..الخ فيجد كل ناقدٍ فيها ما يلبي حاجاته ومطالبه ومقتضى ما درسه وتعلمه من أصولٍ نقديةٍ وقواعد ومفاهيم ونظرياتٍ ومعايير فيطبقها عليها ويعرضها أي النصوص الشعرية على مرجعيته العلمية فيشيد بظاهرةٍ ويندد بأخرى ويبرز موطن قوة ويشير إلى موطن ضعف ويمتدح وجه جمالٍ ويذم وجه قبح ويستكنه أغوار الشاعر ويؤيده في موقفٍ ويعارضه في آخر ويثبت قدرته اللغوية والفنية من عدمها إلى غير ذلك مما تقتضيه العملية النقدية.
ولكن حين أصبح السائد من النصوص الشعرية المنشورة من النوع الرديء الذي لا يتمثل بمقاييس شعريةٍ وفنية تنطبق على مقاييس النقد بمفهومه العلمي فقد ضاق عن تناول هذه النصوص الهزيلة ووقف جامداً لا حراك له أمامها وذلك لعدم وجود الومضات التي تستثيره للتجاوب معها وتحفزه لسبر أكناهها بل عدم التزامها بمبادئ الفن الشعري ومقوماته فلو يجازف الناقد في هذه الحالة بتناول هذه النصوص البدائية لانحط مستواه عند قرائه لأنه لن يجد فيها من عناصر الإبداع ما يكتب عنه فيرجع في كتابته إلى مبادئ تجاوزها النقد بمراحل زمنيةٍ طويلةٍ فيكون مثل معلم المرحلة الابتدائية الذي يعلِّم الطلاب مبادئ اللغة والتعبير والإنشاء مما يضحك عليه القراء ويضيع عليه الوقت والجهد ويخسر مكانته ومستواه ويعود للوراء بعشرات السنين بدلاً من أن يتقدم نحو الأمام لأن النقد لا يزدهر إلا بتناول الأعمال الأدبية الممتازة والراقية التي فيها من مكامن الإشراق والقوة والرصانة والجمال ما يرقى إلى مستوى النقد كفنٍ أدبيٍ كبير وعلمٍ مقنن له مدارسه واتجاهاته ومذاهبه ونظرياته. فهذا هو السبب الرئيس في إحجام الكثير من النقاد عن نقد الشعرلأن أغلبه ولا أقول كله عبارة عن خواطر عفويةٍ ساذجة صاغها صاحبها في قالبٍ بدائي كان من الأولى به أن يحتفظ بها لنفسه بدلاً من نشرها على الملأ لكي لا يؤدي نشرها إلى عزوف الشعراء المبدعين عن نشر نتاجهم جنباً إلى جنب معها سواءً في مطبوعاتٍ صحفيةٍ أو دواوين شعرية مما يسيء إلى مستواهم وسمعتهم الأدبية كاختلاط الشريف بالوضيع والحسن بالسيئ والطيب بالخبيث.
ما هو النقد البنَّاء؟
ما أحوجنا كشعراء إلى النقد البنَّاء الذي يُسدد خطانا ويوجِّه إبداعنا نحو الوجهة الصحيحة ويقوِّم اعوجاج تجاربنا الشعرية ويبصِّرنا بعيوبنا لنتحاشاها وينير لنا مسالك الطريق ليوقع أبصارنا على مكامن الإبداع ويميط اللثام عن محاسن تجاربنا الشعرية وجمالياتها الفنية وأسرارها الخفية التي لا يسبرها سوى مجهر الناقد الثاقب ذو الفكر الأدبي المستنير والثقافة الواسعة والرأي النقدي الحصيف والسديد الناقد المتمثل بصفات النقَّاد الفضلاء الذين لا يداهنون ولا يحابون ولا يتزلفون أو يتكسَّبون بكتاباتهم وإنما يكتبون ابتغاء وجه النقد ومن أجل غايةٍ نبيلةٍ وشريفةٍ وسامية وهي خدمة الإبداع وتطويره وإثرائه متيمّمين قبلة الحق والفضيلة والنزاهة الأدبية والناقد كما يقول الأستاذ ناصر الخرعان:(إنسان موهوب ومثقف له ملكة أدبية تمكنه من إدراك القيم الجمالية والأسرار التعبيرية في الأعمال الأدبية وتعينه ثقافته الواسعة على تحليل المضمون وتعليله والغوص في الجوانب الخفية التي قد لا يدركها الأديب نفسه عندما ينشىء أدبه لأن الأديب كثيراً ما يعبر عن أشياء قد غاصت في اللاوعي)، ولكن ليس كل ما يكتب عن الأعمال الأدبية نقداً فالنقد له أصول ومبادئ وأسس ومفاهيم لا تتوفر في كل ما يكتب من كتاباتٍ انطباعيةٍ تأثرية من قبل الكاتب تجاه صاحب العمل تتجاوز موضوع العمل إلى ذات صاحبه فبقدر ما يبتهج المنقود وينتفع بالنقد البنَّاء ينزعج ويمتعض من النقد الهدام وبقدر ما يريحه ويسره النقد الهادف والصحيح يسوؤه ويضره النقد المجانب للحقيقة والصواب الذي يصدر من أناسٍ غير مؤهلين للنقد.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت