loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

رأي اقتصادي

كلام الديوانيات لا يحل أزماتنا الاقتصادية


حاولت روسيا في الاسابيع الماضية تصوير انخفاض اسعار النفط على انه حرب موجهة ضدها وضد ايران، وربطت الامر بالمواقف السياسية من عدد من القضايا اكان في اوكرانيا او سورية او غيرهما، في المقابل كانت دول الاوبك تعلن صراحة ان انتاجها من النفط لن ينخفض حفاظا على حصتها من الاسواق العالمية، وكثر الحديث، اكان حديث خبراء او تحليلات سياسية عن هذه المسألة، وكعادة العديد من العرب تحمس الكثير في هذه المسألة وصدقوا ان هذه بداية حرب اقتصادية على روسيا وايران، بل وصل الامر بالبعض الى القول ان الدولتين لاشك ستعلنان استسلامهما للواقع الجديد، وان الازمة الاقتصادية الروسية ستشتد الى درجة تغيير النظام في هذه الدولة الكبيرة.
يمكن لأي مراقب معرفة ان كميات النفط المنتجة لم تتغير في الاشهر الـ 15 الاخيرة، ولاتزال الدول تصدر الحصص المتفق عليها، والجديد الذي طرأ على هذه المسألة هو ان ايران توسعت في بيع نفطها بعد تخفيف العقوبات عليها، اضف الى ذلك ان الكميات المنتجة من الحقول التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» في سورية والعراق، رغم انها ضئيلة، الا انها تباع باسعار اقل من الاسعار المعلنة، وفوق كل هذا هناك انخفاض الطلب الصيني نتيجة زيادة الاحتياط المخزن، والامر الطبيعي الاخر الذي لم يؤخذ بالحسبان، هو التبدل في المناخ العالمي الذي ادى الى انخفاض طلب الدول الاوروبية وغيرها من الدول على الوقود، كل هذه العوامل ادت مجتمعة الى انخفاض اسعار النفط التي من المتوقع اذا رفع الحصار كليا عن ايران ان تعود الى اسعارها التي كانت عليها قبل العام 1990، لان الكميات التي ستصبح موجودة في الاسواق ستكون كبيرة جدا، ايضا هناك الدول المنتجة الجديدة التي بدأت تدخل الى الاسواق بعد اكتشاف كميات تجارية من النفط فيها، اضافة طبعا للنفط الصخري الاميركي الذي هو اليوم عامل نفسي اكثر منه عامل منافسة خصوصا ان كلفة انتاج البرميل الواحد تصل الى حدود سبعين دولارا لكنها مؤشر على ان هناك احتياطات كبيرة من النفط في الولايات المتحدة تجعلها دولة مصدرة بامتياز وغير معتمدة على الاستيراد من الخارج.
في هذا الشأن كلنا نتذكر ما اعلن رسميا في اواخر العام 2013 عن الولايات المتحدة في العام 2015 ستخفض استيرادها من النفط والغاز بسبب النفط الصخري، وصحيح ان اليوم الكلفة العالية لانتاج هذا النوع من الوقود لا تجعله منافسا اذا انخفض سعر البرميل عن 80 دولارا، لكن في المقابل علينا ألا ننسى ان هذه الكلفة العالية جدا تماما كما كانت الحال مع كلفة انتاج برميل النفط في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي والتي لم تكن تترك هامش ربح للدول المنتجة يزيد عن دولارين او ثلاثة للبرميل الواحد، لكنها تغيرت في ظل التطور التقني الى ان وصلت الكلفة في بعض الدول الى حدود ثلاثة دولارات بينما يباع البرميل الواحد باربعين او خمسين او حتى مئة دولار، ووصل في بعض الاحيان الى 145 دولارا، اي ان تلك الدول كانت تحصل على ارباح تصل الى نحو 40 ضعفا للبرميل الواحد على اقل تقدير، ولهذا فان الهلع الذي اصاب دول الخليج من انخفاض اسعار النفط لم يكن مبررا، لانها لاتزال بعيدة عن دائرة الخطر في هذا الشأن.
هذا الامر لا يعني ان نبقي على حجم الانفاق كما هو، خصوصا في الكويت التي وضعت ميزانيات على اساس سعر تعادل يصل في بعض الاحيان الى 75 دولارا للبرميل، واقرت قوانين على هذا الاساس، وهي في الاصل قوانين مقترحة من نواب كل هدفهم ارضاء الناخبين على حساب المال العام من اجل المزيد من التأييد الشعبي لهم، غير مدركين ان القوانين تبقى لعقود عدة وتؤثر مباشرة في السلوك الاجتماعي العام، بينما اسعار النفط قابلة للزيادة والانخفاض استنادا الى حاجات السوق وقدرة الدول على الانتاج والمنافسة، ولذلك رأينا سلسلة من المواقف والاقتراحات في الاسابيع الاخيرة دلت على ارتجالية كبيرة وعدم تعاط علمي مع هذا النوع من المشكلات المتوقعة في كل وقت، ولذلك كانت الجلسة النيابية التي خصصت للبحث في مسألة انخفاض اسعار النفط بعيدة جدا عن الهدف المنشود وهو الحفاظ على المركز المالي للدولة بعيدا عن العجز في الانفاق، وخصوصا الريعي، الذي وصل الى حد بات يهدد مستقبلنا المالي، اذ علينا ان نتذكر ان هناك مؤسسات عالمية كانت قد قرعت جرس الانذار منذ سنتين في ما يتعلق بالعجز الذي ستواجهه الكويت بدءا من العام 2017 في ميزانيتها، وخصوصا بالباب الاول، اي باب الرواتب في حال استمرت الحال على ما هي عليه، ومن هنا يكون على المؤسسة التشريعية النظر بعين المسؤولية الى هذا الامر، ليس في مسألة خفض الانفاق في هذا الباب، انما في عملية تنويع مصادر الدخل، اذا كان يراد للكويت ان تبقى على هذا المستوى المعيشي لمواطنيها، اما اذا كانت الاقتراحات ستبقى ارتجالية ومن دون الاعتماد على الدراسات ورأي الخبراء، فهذا يعني اننا لا طبنا ولا غدا الشر، لان كلام الديوانيات لا يصنع اقتصادا.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت