loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع

شمس الأصيل

مسيرة طويلة من التخبط


المسألة الأمنية أصبحت تمثل كابوسا في واقع دول مجلس التعاون. ولم يصل الأمر الى المستوى التراجيدي المعقد الحالي لو أن الفكر أو المنظور أو التخطيط السياسي الاستراتيجي لم يكن مشوشا طوال مسيرة المجلس، ولو أن الارادة السياسية المشتركة لاتخاذ القرارات قد توافرت في مختلف مستويات قيادة المجلس. الموضوع بالفعل وصل الى التمظهرات الكارثية، ولذا فالحديث عنه يجب أن يكون صريحا ومباشرا.
المسألة تبرز في وجهين لعملة واحدة: الوجه الأمني الداخلي والوجه الأمني الخارجي. في الأسبوع الماضي أبرزنا جانبا مفصليا واحدا من جوانب الأمن الداخلي والذي يتطور شيئا فشيئا ليوصل مجتمعات دول مجلس التعاون الى فقدان هويتها العربية من خلال طريقين: الأول هو الازدياد المتسارع الخطر في أعداد العمالة الوافدة غير العربية في كل دول المجلس، والثاني هو التراجع المفجع لمكانة اللغة العربية، وبالتالي للثقافة العربية، عند الجيل الجديد من مواطني مجلس التعاون.
اليوم دعنا نحاول النظر الى الوجه الآخر للعملة، وجه الأمن الخارجي، ولكن بصورة مقابلة بين الظروف التي أحاطت بدول المجلس عبر الخمس والثلاثين سنة الماضية وبين مسيرة المجلس لمواجهة تلك الظروف.
الواقع أن دول المجلس عاشت عبر تلك الفترة الصاخبة حالات قلق وخوف وذعر. لقد بدأت تلك المخاوف بعد نجاح الثورة الاسلامية الايرانية مباشرة، عندما طرحت بعض الأوساط الايرانية فكرة تصدير الثورة الايرانية الى مجتمعات الدول المحيطة بها. لقد أوجد ذلك توجسا عند أنظمة تلك المجتمعات بعد أن اعتقدت أن مجيء الحكم الايراني المسلم الجديد سينهي التوترات الكثيرة مع الحكم الشاهنشاهي السابق.
لم يمر عام واحد حتى انفجرت الحرب العراقية الايرانية فتضاعف الخوف مما قد تفعله الجهة المنتصرة في تلك الحرب، فكان أن ولد مجلس التعاون كرد فعل لذلك الخوف.
وما ان انتهت تلك الحرب الجنونية التي أنهكت ايران والعراق ودول الخليج العربية حتى فوجئت المنطقة بغزو الكويت العبثي الذي نقل الخوف الى مستوى الذعر والهلع الشديدين.
لكأن ذلك لم يكن كافيا كوقود لهستيريا الشكوك والمخاوف حتى أضيف عاملان آخران: الأول تمثل في حراكات الربيع العربي التاريخية منذ أربع سنوات، وهو حراك لايزال يتفاعل ولم يستقر على حال بعد، وبالتالي مرشح لمفاجآت مستقبلية. أما الثاني فهو الصعود المذهل لداعش وأخواتها في أجزاء كبيرة من العراق وسورية ومايحمله ذلك من تداعيات على مستقبل بعض أو كل دول المجلس.
كان لابد من ذكر كل ذلك لاظهار الترابط الشديد بين مكونات المشهد الأمني الماثل أمامنا والحجم الهائل لذلك المشهد، وبالتالي التعقيدات المتشابكة التي سيأتي بها المستقبل والتي أصبحت مواد صالحة لتجهيز طبخات سامة مميتة في مطابخ استخبارات الكيان الصهيوني وعواصم الدول الامبريالية المتكالبة على المنطقة.
من المؤكد أن تلك الأحداث المتسارعة المعقدة المتراكمة عبر ثلث قرن تبرر الاهتمام الشديد الأخير بالقضية الأمنية. لكن نوع ذلك الاهتمام ونتائجه المستقبلية سيعتمد على اجابات دول المجلس عن السؤال المفصلي التالي: هل تعامل مجلس التعاون عبر العقود الثلاثة الماضية مع تلك الأحداث المتسارعة بفكر سياسي حصيف وبمنهجية عملية كفؤة؟
الجواب الصريح الموضوعي هو، مع الأسف الشديد، كلا. المفروض، بعد خمس وثلاثين سنة من الخوف والهلع، أن توجد قوة عسكرية ذاتية مشتركة لحماية دول المجلس ولابعاده عن ارتماء دوله بصور منفردة في أحضان دول أجنبية تحميها، لكن ذلك لم يحدث.
المفروض أن تكون دول المجلس قد دخلت عبر السنين الماضية في حوارات كثيرة، وعلى كل المستويات، مع ايران لوضع ضوابط سياسية في علاقات الجهتين، ولبناء مصالح اقتصادية مشتركة تبني اعتمادا متبادلا بين مؤسسات الجهتين، ولاجراء حوارات فقهية جادة تقلل التطرف عند الجهتين، ولمحاولة الاتفاق على مواقف مشتركة في الساحتين الاقليمية والدولية... لكن أيا من ذلك لم يحدث، بل ولم يحاوله أحد بجدية واستمرارية.
كان المفروض أن يكون للعراق واليمن مكانة خاصة في ساحات دول المجلس لايجاد التوازنات والندية في هذه المنطقة المضطربة، لكن ذلك لم يحدث.
لقد كان المفروض أن نكون قد انتهينا من اتمام الكثير من الخطوات الوحدوية بين دول المجلس، لكن ذلك لم يحدث أو أنه سمح له بأن يتعثر.
لقد كان المفروض أن تفهم دول المجلس أن الزمن العربي الجديد يقتضي الاتفاق على خطوات تقدمية ديموقراطية مشتركة لتجنب نفسها الاحتقانات السياسية الداخلية، ولتتناغم مع تطلعات شعوب الأمة العربية على الأقل في مستواها الأدنى، ولكنها لم تفعل وعاشت كل دولة في عالمها الخاص، فتكونت صورة سريالية للمجلس.
اذن، فالمجلس يحتاج الى اعادة نظر في فكره السياسي، في طرائق عمله، في أولوياته، في اعتماده على نفسه الى أبعد الحدود، في حل أي توترات تاريخية بين أنظمة الحكم والشعوب، في علاقاته القومية مع وطنه العربي الكبير.
انه طريق طويل، وبغير ولوجه ستبقى القضيتان الأمنيتان، الداخلية والخارجية، تراوحان مكانهما.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت