loader

آراء

تصغير الخطتكبير الخط العودة
أرسل  ارسل إحفظ  إحفظ إطبع  إطبع PdfPdf

شمس الأصيل

إصلاح العقلية الجمعية


ماكان للّذي يحدث الآن في طول وعرض بلاد العرب من حشد لألوف الجهاديين التكفيريين، ومن حصولهم على مدد ودعم مالي ومعنوي لاينضب، ومن تعاطف هائل على شبكات التواصل... ماكان لكل ذلك الجنون أن يحدث لولا وجود خلل تاريخي متجذَّر في تركيبة ومكوّنات العقلية الجمعية العربية وعقل المجتمعات التي نشأت عبر القرون.
لقد جرت محاولات عدّة لتشخيص المصادر التي كوّنت ذلك العقل، والمنهجيات التي يعمل من خلالها، وتأثيرات البيئة وأحداث التاريخ والأساطير الشعبية المتداولة في الماضي السّحيق والأديان المتعاقبة على المنطقة التي عاش فيها العرب أو ماحولها. ووصلت تلك المحاولات إلى نتائج متباينة ولكن بالغة الأهمية.
في اعتقادي أن مايهمنا، في اللحظة الحالية من مسيرة أمتنا العربية، هو العوامل الثلاثة التالية، التي تفعل فعلها يوميا وبتأثيرات بالغة، في الحياة العربية المليئة بالفواجع وعدم التوازن العقلي.
أولا: الكهنوت الفقهي، فما عادت مؤسسة الفقه الإسلامي تقوم على جهود جماعة صغيرة من علماء الدين المجتهدين والمحدثين. لقد أصبحت شبكة متنامية في أشكالها وأنواع نشاطاتها وساحات عملها ومنابرها وصفات الناشطين فيها امتدادا من العقل والتقوى إلى أقصى درجات الجنون وإنعدام الضمير. لقد أصبح تأثير تلك الشبكه على الناس والمجتمعات تأثيراَ جارفا وكاسحا لكل الحدود ولكل المناعات السابقة.
بعض هؤلاء يبنون في الجيل الشاب عقلية متزّمتة منغلقة استئصالية، يؤججون في عقول أتباعهم مشاعر طائفية كارهة حاقدة، يتجرأون بخفة وانتهازية على منجزات علوم الطب والاجتماع والنفس والسياسة واستبدالها ببحر من الشعوذات والخرافات والقراءات الدينية الخاطئة الكاذبة، يرفضون الكثير من مسلمات العصر بالنسبة لحقوق الإنسان، وعلى الأخص حقوق المرأة المسلمة، ولأسس الحكم الصالح، وعلى الأخص الديموقراطية، يضعون هالة من القداسة على شخصيات وأحداث تاريخية منتقاة لخدمة أغراض سياسية انتهازية نفعية.
نحن بالفعل أمام محاولة من قبل البعض لبناء مؤسسة كهنوتية مشابهة لكهنوتية الكنسية في القرون الوسطى. وهي لا تترك مجالا من مجالات الحياة العربية إلا وتحاول الهيمنة عليه من خلال إعلاء يصل إلى حدود القداسة لتراث فقهي يعرف القاصي والداني أن فيه الغث المدسوس المخالف لروح الإسلام السمحة وعدله.
ثانيا : السلوكيات القبلية، فكثير من الأعراف والممارسات البدائية التي حاربتها الثورة الإسلامية المحمدية ولم تنجح في استئصالها مازالت معنا، بل ومؤخرا تزداد قوة وترسخا. في قلبها يرزح الانحيازإلى الذكورة على حساب كرامة الأنوثة متمثلا في أوضح صوره في احتقارها وفي ارتكاب جرائم الشرف باسم حمايتها، وترزح أشكال من التعصُب للقبيلة والعشيرة وأشكال من التفاخر بالنسب والأصل. وهي وراء احتقار العمل اليدوي والمدح الكاذب والهجاء الفاحش وعدم الانضباط في أشكال من الأنظمة.
وبالرغم من القول الشهير المنسوب إلى رسول الإسلام بأن « ليس منّا من دعا إلى عصبية»، إلا أن العصبية القبلية تهيمن على الحياة السياسية كالانتخاب على أسس قبلية بحتة وعلى الحياة الوظيفية كالتعيينات من خلال الواسطة.
ثالثا: تأثيرات الثقافة النيولبرالية العولمية، فهذه تجتاح الوطن العربي مثلما تجتاح العالم. ومايهمنا هنا هو المحاولة الخطرة لقولبة الإنسان في شكل كائن استهلاكي نهم لكل أشكال الإنتاجات المادية من جهة والمعنوية الغرائزية السطحية العابرة من جهة أخرى. وينتهي الإنسان ليصل إلى ذاتية إنانية مريضة منفصلة عن مجتمعها ورافضة لكل التزام تجاه الآخرين . إنها محاولة لإعلاء الحسي على حساب العقلي والأخلاقي وإلى إعلاء الذاتي على حساب الجمعي والتعاضد الإنساني.
نحن إذن أمام عوامل ثلاثة تبني عقلية جمعية مليئة بالعلل والنواقص التي تفرض نفسها على الفرد العربي، فيتبنى مقولاتها وأعرافها وسلوكياتها، ليصبح مواطنا عاجزا عن المساهمة في إخراج أمته من تخلفها التاريخي ومن مآسيها التي تواجهها حاليا بفعل الاستباحة الخارجية من جهة وبفعل القوى البربرية وألانتهازية أو الزبونية أو الطائفية أو المتزمتة الداخلية من جهة أخرى.
ليس الهدف هو التهجم على الفقه المتزن المستجيب لحاجات العصر وتساؤلاته بانفتاح وعقلانية ولا على حاملي ودعاة هكذا فقه، ولا الرفض للحميمية والتعاضدية في الانتماء القبلي، ولا المناداة بالنأي عن القيم والمنجزات الإنسانية المبهرة في الحداثة والعصرنة. المطلوب هو الرفض التام لتشويه تلك العوامل وجعلها، كما هو حاصل، عوامل تشويه وإضعاف لعقلية المجتمع وساكنيه، وبالتالي تشويه الإنسان العربي.
هناك حاجة تاريخية ملحة لجهود فردية ومؤسساتية هائلة لمنع ودحر مايحدث في طول وعرض بلاد العرب من خلال دحر كل ما يرفد العقلية الجمعية العربية بشتى أشكال الأمراض العقلية والنفسية والروحية.


إضافة تعليق جديد

التعليق الوارد من المشارك أو القارئ هو تعبير عن رأيه الخاص ولا يعبّر عن رأي جريدة النهار الكويتية

عرض التعليقات

 

مواقيت الصلاة في الكويت